روبرتاج

“البديل “يوثق: زيارة ابن باديس لمغنية وبذور النهضة التعليمية

في الـذكرى الـ 86 لرحيل رجل الإصلاح النموذجي والنّهضة الجزائرية

يحـتـفـل الشعـب الجزائري قاطبة هذا اليوم بذكرى يوم العلم، حيث تحمل هـذه الاحتفالات في طيّاتها رجل وشخصية بارزة، أقامت النهضة الجزائرية وقهرت الاستعمار الفرنسي، وجمعت شمل علماء الجزائر الذين شاركوا في النضال.

 

لكن يبدو أن الاحتفال بيوم العلم المصادف لـ 16 أفـريل من كل عام، أصبح يقـتصر على المؤسسات التربوية وبعض الجمعيات والمراكز التي تهتم بهذا التاريخ فحسب، حيث نجد مؤسسات ثقافية، من المفروض أن تسطر برنامجا خاصا لهذا اليوم، وضعت يوم العلم في طي النسيان أو أن يكون له نصيب في برنامجها لكن بالصدفة…

إذ ابتعـدت بعض المؤسسات الثقافـية بتلمسان المعروفة بالعلم والمعرفة، عن الدور الذي كان عليها أن تلعبه في كل المناسبات وليس الظهور والنشاط في مناسبة دون أخرى، لتنوير العقول وإثرائها بالأفكار، المعارف والمعلومات، خاصة لفئة الطفولة، التي هي في حاجة إلى أوعـية تحويها، توجهها وتثري زادها المعرفي بالمعلومات والمعارف، لترك بصمة خاصة بهم من ذهب في التاريخ الجزائري عبر العصور.

 

ويتجلى ذلك، في تهميش مؤسسات ومراكز ثقافية ليوم العلم، الذي يتعلق بأحد الشخصيات البارزة في الجزائر هو العلامة “عبد الحميد بن باديس”، هذه الشخصية البارزة في التاريخ الجزائري، والتي نشطت داخل وخارج الوطن في فترة صعبة من أجل توسيع النشاط الفكري والثقافي في المجتمع الجزائري، حيث اعتمد “ابن باديس” على عقلية الإقناع في دعوته إلى إصلاح أوضاع المجتمع تتماشى وتعاليم الإسلام الصحيحة، ودعا إلى فهم الإسلام فهما صحيحا بعيدا عن الدجل والشعوذة ورفض التقليد الأعمى والارتباط بالإدارة الاستعمارية. مختصرا مشروعه الإصلاحي في “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا”.

وقد وقف في وجه دعاة الاندماج وقاومهم بفكره وكتاباته ومحاضراته، واهتم “ابن باديس” بنشر الثقافة الإسلامية من خلال بناء المدارس والمساجد، وتوسيع النشاط الدعوي والثقافي والصحافي، لذلك عمل مع أقـرانه من أمثال (الشيخ البشير الإبراهيمي، العربي التبسّي والطيب العقـبي) على تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 05 ماي 1931 وانتخب رئيسا لها إلى غاية وفاته في 16 أفـريل 1940، وهو في الـ51 من عمره.

“البديل” تنقّـلت إلى مجموعة من المؤسسات الثقافـية عبر ولاية تلمسان، التي من شأنها أن تضع هذا اليوم في الحسبان، إلا أننا لم نجد ولم نلمس اهتماما واضحا بهذا التاريخ، عـدا فـئة من المؤسسات التربوية التي تعد على الأصابع. فمن بين المؤسسات التي وضعت يوم العلم في الحسبان وسطرت له مكانا ضمن برنامجها مكتب جمعية العلماء المسلمين بمغنية، حيث أكـد رئيس المكتب أنهم خصصوا برنامجا خاصا لهذا الموعد التاريخي، المتعلق باسم كبير في التاريخ الجزائري، حيث صرّح أن يوم العلم يشرح نفسه، فلا بد أن يقدم العلم بكل ما هو مفيد، فهو رمز للعطاء العلمي والثقافي اللذان يخدمان الوطن لدفعه إلى الازدهار، الرقي والتقـدم لمسايرة البلدان المتحضرة والمتقـدمة.

 

أيّام خالدة من حياة الشيخ الإمام “عبد الحميد ابن باديس” في تلمسان

إنّ مدينة تلمسان وما حولها من قرًى وأريافٍ منذ القِدم، كانت قبلة للعلماء والزّعماء…إمّا أنّهم زاروها أو تخرّجوا منها، كسائر مدن الوطن، وهذا لأن أهل تلمسان، رجالا ونساء، أهل علم وثقافة وسياسة وجهاد، ويعرفون كيف يرحّبون بالضّيف، وكيف يستقبلونه ويحتضنونه.

ونظرا للوضع العام الذي كانت علیه تلمسان آنذاك، من خلال تسلط الإدارة الاستعماریة من جھة، في وجه أي محاولة إصلاحیة دینیة، والنشاط المكثف للطرقیة الموالیة للاستعمار من جھة أخرى. كان لابد من شخصیة في مستوى تاریخ تلمسان، وفي مستوى الرد على المستشرقين وآثارهم – ثم الأخوين (جورج وویلیام مارسي G.W.Marçais وألفرد بال Alfred Bel)، ثم في مستوى مواجهة الانحراف الديني والفكري الذي كانت تقوم به الطرقية المنحرفة بتلمسان، التي كانت تزعم أن الاستعمار قـدر من الله ھو أتى به وهو يرفعه، هذه كلها عوامل جلبت اهتمام الشیخ “عبد الحميد بن باديس” بتلمسان، التي اتخـذ من التربیة وسيلة للإصلاح الثقافي والسیاسي، لأن الأهداف التربوية عنده تشمل ذلك كلها، ولنشر حركته الإصلاحیة والدعوة لھا، قام بزيارات عديدة إلى تلمسان، باحثا عن المتعطشين لتاريخهم.

 

العلامة “ابن باديس” يزور مدينة مغنية

لم تعرف مدينة مغنية ونواحيها ازدهارا ثقافيا بالمعنى المفهوم عن عـبارة الحركة الثقافية، وذلك لصغرها وحداثة نشأتها والطابع الريفي الغالب عليها من جهة، ولقربها من تلمسان التي كانت تستقطب رجالات الفكر والثقافة، ولما يتوافر لهم بها من عوامل  التشجيع، وروافد المعرفة من جهة ثانية. إلا أنه لم يمنع سكان  المنطقة من الإسهام الوافر في مجال الحفاظ على تراثهم الإسلامي وحفظ شخصيتهم العربية من الضياع والتمزق.

ويرجع ذلك أساسا، إلى الكتاتيب القرآنية المنتشرة في المدينة ونواحيها، والتي  كانت تعج بالصبيان  الذين رفض أولياؤهم بكل قوة أن يعلموهم لغة المستعمر، رغم وسائل الضغط التي لجأ إليها لفرض لغته على سكان الناحية، وأهم هذه الكتاتيب والتي كان العامة يطلقون عليها اسم “الجوامع”، جامع مغنية المدينة.

حيث كان لهذا الجامع أهمية خاصة، وأن الدراسة  فيه لم تقتصر على تحفيظ القرآن الكريم فقط، بل تجاوزته إلى فنون من المعارف الدينية واللغوية، وكان الطلبة يوفدون إليها من القرى القريبة والنائية، رغـبة في العلم والمعرفة، وكان نظام الدراسة فيـه هو النظام التقليدي، الذي يكاد يكون معروفا في كافة الأقطار العربية.

فقد كان الطالب المبدئ بعد حفظه للقرآن الكريم يبدأ دراسته بالأجرومية في النحو، ومتن “ابن عاشر” في العقائد  والفرائض، فإذا ما استوعبهما انتقل إلى دراسة القطر لـ”ابن هشام”، والرسالة لـ”أبي زيد القيروان”، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الألفية ولامية الأفعال لـ”ابن مالك”، و”مختصر خليل”، وربما درس السيرة النبوية وشيئا من البلاغة والمنطق، وبذلك ينهي الطالب دراسته ويصبح الطالب مؤهلا لأن يطلق عليه اسم (العالم).

فهناك من الطلبة من يقف عند هذا الحد، ويعود إلى عشيرته فتتلقاه بالحفاوة والترحاب، وتقام له الحفلات، وينصب إماما لها وقاضيها ومفتيها، يلجا إليه السكان في قضايا دينهم، وفي الخصومات بينهم، وعقد الزواج إلا في القليل  النادر. ومن الطلبة من كان يواصل مسيرة البحث عن المعرفة، فينتقل إلى أقرب مورد لها، كجامعة “الزيتونة” بتونس، ومنهم من كان يشد الرحال إلى المشرق إلى جامع الأزهر الشريف، لقد كان ذلك نوعا من الصمود في وجه المحاولات الاستعمارية الرامية إلى فصل هذه الأمة عن تراثها وأصالتها وعروبتها، تمهيدا لدمجها في كيانه الدخيل الغريب.

وقـد تخرج من جامع مغنية المدينة، عدد من الرجال واصلوا مسيرة الرفض والصمود في وجه محاولات المسخ والتشويه التي مارسها المستعمر، منذ أن وطأت قدماه تراب هذه الأرض الطاهرة إلى أن طرد منها مذموما مدحورا.

وفي مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، زار مدينة مغنية المصلح الجزائري الكبير “الشيخ عبد الحميد بن باديس”، وألقى بالمسجد الكبير خطابا شرح فيه دعوته الإصلاحية الرامية إلى تنقية الدين من الخرافات والبدع، وتحريره من قبضة مشايخ الطرق وسيطرة الدراويش، وذلك بالرجوع إلى المصدرين الأساسيين لهذا الدين الكتاب والسنة.

ولم يتأتى ذلك إلا بإنشاء مدارس لتعليم اللغة العربية على الطريقة الحديثة، واغـتنم الشيخ فرصة وجوده بالمدينة ففتح اشتراكا في جريدة الشهاب تسابق إلى الإسهام فيه أعيان الناحية، وكان اشتراك الشهري لكل تلميذ يتراوح بين دينار ونصف إلى 3 دنانير، يعفى من أدائه الفقراء والمساجين السياسيين، بينما كانت أجرة الأستاذ تتراوح بين 25 دينار كحد أدنى إلى 250 كحد أقصى.

ومهما كان أثر هذه الزيارة، فإن ثمرتها المرجوة لم تبرز إلى الوجود إلا في نهاية العقـد الرابع وبداية العقـد الخامس من القرن الماضي، وفي هذه الفترة أسست مدرسة التربية والتعليم، تحت إشراف جمعية العلماء من التبرعات التي ساهم بها أنصار الجمعية بالناحية وحضر تدشينها المرحوم “الشيخ البشير الإبراهيمي” سنة 1952، وقـد اشتملت مدرسة التربية والتعليم على (05) حجرات وبلغ عدد التلاميذ نحو (230) بين ملازم وغير ملازم، بينما مدرسة التقدم اشتملت على نحو خمسين وثلاثمائة تلميذ (350).

وكانت هذه المدارس تتولى إلى جانب التعليم، مهمة الوعظ والإرشاد وبث الوعي القومي الوطني بين أوساط السكان، لذلك سرعان ما أقفلها المستعمر في بداية حرب التحرير وألقى بمعظم أساتذتها في غياهب السجون، لتتحول مدرسة التربية والتعليم بعد الاستقلال، إلى مدرسة تابعة لوزارة التعليم الابتدائي والثانوي وأصبحت تحمل اسم “عبد الحميد بن باديس” وألحقت بها مدرسة التقـدم إداريا.

 

من ندرومة يدعو إلى التعلم، المحبة والتسامح

كان في استقبال الشيخ علماء، وفقهاء وموظفون رسمیون، تجار منهم الفقيه “الشیخ بن عمر بلبشیر” قاضي ندرومة، والعالم السید “رحال أحمد بن الشیخ العباس”، والفقيه “أحمد بن عیسى” والفقيه “الشیخ المكي”، الشریف السید “محمد القادري” صاحب الزاویة “القادریة” بالمدینة، التاجر “الشیخ محمد الزرھوني” وحاكم البلدیة “موزیلي”،.

وبعد صلاة العصر، قام الشیخ بإلقاء خطبة بالجامع الأعظم، بیّـن من خلالھا مقاصد الجمعیة والغرض منھا، وأنھا تأسست لنشر العلم والفضیلة وطرد الجھل، وأكد على أن للجمعیة ثلاثة مقاصد، “…الأول ھو أن تنشئ مدارس ابتدائیة قرآنیة في البلدان الجزائریة، الثاني أن تعین وتكلف بعض الوعاظ بالتجول من بلدة إلى أخرى لیلقوا الخطب والمواعظ والمحاضرات والمسامرات على الناس، الثالث أن تنشئ جامعة علمیة تضاھي “الأزهر” بمصر و”القرویین” بفاس وجامع “الزیتونة” بـتـونـس. وقبل مغادرته أوصى أهالي المدینة بثلاث وصایا كما جرت العادة في كل زیارة یقوم بھا لأي بلدة، وھي: “…أن تتعلموا وأن تتحابوا وأن تتسامحوا”. وقـد قام بعـده العالم السید “رحال بن مصطفى” المدرس بالبلدة خاطبا، أین رحب بالشیخ وذكر المزایا والمنافع التي ستعود على الأمة الجزائریة من تأسیس ھذه الجمعـیة.

لـقـد كانت دروسه كلھا حـثّـا على الفضائل وتنفیرا من الرذائل، وبیانا لحقائق الدین التي بمعرفتھا یكمل الإنسان في إسلامـه وفي إنسانیه ودعـوة للتوحید والاتحاد والإحسان إلى جمیع الناس، وحثا على التآلف والتعاون مع جمیع السكان على اختلاف الأجناس والأدیان، وكانت مادة الدرس دائما آیة من كتاب لله مشفوعة بحدیث رسول لله صلى علیه وسلم، ویذكر الشیخ “عبد الحمید بن بادیس”: “…وكنت بعد الدّرس أعرف الناس بالجمعیة ومقاصدھا حسبما ھو مبین في قانونھا الأساسي، وألخص لھم وصایا الجمعیة في هذه الكلمات الثلاث: “تعـلّـموا، تــحـابـــوا، تـــسـامــحــوا…”.

أمير. ع

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى