روبرتاج

الفخار التقليدي لقرية “بيدر” بمسيردة… بصمة هويتنا الوطنية

شهر التراث بتلمسان: عبق الماضي بأنامل الحاضر

ـ قصص الأجداد ومهارة الحرفي الجزائري

 تشتهـر قـرية بيـدر بمنطقة مسيردة بولاية تلمسان، بصناعة الفخار التـقـليـدي، الذي سمي هكذا نسبة إلى القرية التي اشتهرت به، وهو حرفة متوارثة بيـن سكان القرية البحرية جيلا بعـد جيل منذ قـرون. ورغم ذلك، احتفظوا بنفس الرسومات المستعملة في التزيين.

هـذا، وتحرص نساء قـرية “بـيـدر” ببلدية مسيردة الفواقة بولاية تلمسان، على المحافظة على صناعة الفخار التقليدي، باعتباره تراثا لهذه المنطقة، لاسيما من خلال الأشكال والألوان التي يعطينها للأواني الفخارية المصنوعة من مادة الطين.

حيث أكدت الحرفية “فوزية قـلـقـول”، أن صناعة الفخار بهذه القرية المعروفة بجودة طينها، ترتكز على هذه المادة الأولية التي يتم خلطها بالرمل والماء بمقاييس مضبوطة ودلكها بالأرجل، لإخراج الهواء من العجينة، وتشكيلها بالأيادي على لوحة خشبية وحجر مستو، باستعمال قطعة من الجلد لترطيبها، دون إدخال الآلة في عملية تشكيل التحف الفنية والأواني المنزلية.

كما أن قرية “بـيـدر” توافـد عليها عدد كبير من السياح الراغبين في اقتناء منتجات  الفخار التقليدي بأثمان مختلفة، نظرا لجودتها ودقة العناية بكل التفاصيل  أثناء صناعـتها، خاصة الأواني الفخارية الخاصة بالطهي، حيث تعد هذه الأواني مقاومة للكسر والشقوق، بفضل خلط الحرفيات لمادة “الـتفـون”، مع عجينة الطين والرمل والماء، وهي عبارة عن رسكلة للمواد الفخارية المتكسرة التي يعاد دقها وغربلتها وخلطها مع العجينة من جديد.

هذه التقنيات، تعلمتها الحرفيات بمركز التكوين المهني، خلال دورة تكوينية لإتقان صناعة الفخار التقليدي، حسبما أشارت إليه الحرفـية “فوزية قـلقـول”، التي تنشط هؤلاء النساء البالغ عـددهن 15 امرأة، بجمعية “فـخـار بـيـدر”، التي تأسست منذ أكثر من 11 سنة، بهدف إعادة الاعتبار لهذه الصناعة التقليدية التي تعرف بها المنطقة منذ القـدم، والتي تضم حوالي 40 منخرطا مهتمين جميعهم بصناعة الفخار.

وعن مراحل صناعـة الأواني والتحف الفخاريـة المصنوعة، ذكرت الحرفية “قـلقـول” في هـذا الصدد، أنـه يتم طهيها في الفرن التقليدي، على الحطب الذي تصل درجة حرارته إلى 450 درجة مئوية، وتستغرق مدة الطهي 7 ساعات في فصل الشتاء و4 ساعات خلال فصل الصيف.

أما بخصوص عملية التزيين، فيتم استعمال عـشبة “الضرو” التي يتم جلبها من الغابة المجاورة لـقـريـة “بـيـدر”، وتجفيفها، ثم دقها وخلطها مع الماء وتصفية محلولها واستعماله كملون طبيعي في رسم الأشكال على التحف المصنوعة من الطين بعد خروجها من الفـرن، باستعمال “الـرقام”، الذي هو عبارة عن آلة دقيقة للتزيين مصنوعة من الطين وشعر الماعـز. مضيفة في ذات السياق، أنّ تزيين التحف الفخارية تعكس الحالة النفسية للحرفية، باستعمالها للخطوط الرقـيقة أثناء الضيق والخطوط العريضة عند الراحة والمثلثات العلوية التي ترمز إلى الرجل، والسفلية التي ترمز لشخصية المرأة، وغـيرها من الأشكال ومعانيها، التي ورثـتها النساء الحرفـيات بـقـريـة “بـيـدر” عن الأجــداد.

“الغراف” أو “القلوش البيدري” مصنوع من الطين بزخرفة بربرية

ويعـتبر الغـراف، أو القلوش البيدري، صنع تقليدي من الطين بزخرفة بربرية. وفخار بيدر، بمنطقة مسيردة تلمسان، يعـود تاريخه إلى القـرن الـ19، وهو متواجد بمتحف “كي برانلي” بفرنسا، من أشهر الصناعات التقليدية التي اشتهرت بها ولاية تلمسان، حيث ابتكرها الأجداد وحافظ عليها شباب اليـوم الذين اتخذوا منها مهنة لكسب قـوت يومهم.

وقـد شاركت جمعية “فخار بيدر”، من ولاية تلمسان مؤخرا، في الصالون الدولي للصناعات التقليدية بالعـديد من القطع الفنية الجميلة حقا، وكانت بعض الأباجورات والقلل المصنوعة بشكل فـني، فـقـد اعتمد في صنعها على الكثير من الذوق الفني المبدع. يخيل للزائر أنها قطع قماش منحوتة بطريقة “المسلول” التقليدي، المعتمد في حياكة بعض أغطية السرير.

معتبرة أن الصالون فرصة ذهبية ليس بالنسبة للحرفي فقط للتعريف بنفسه وبحرفته، وإنما بربط علاقات عمل وتبادل الخبرات مع حرفيين يبدعون في نفس الحرفة، وقالت الحرفـية السيدة “فـوزية قـلقـول”، إن غـيرتها على حرفتها دافـعها مع ثلة من الحرفيين في الفخار لتأسيس هـذه الجمعية في سنة 2014 من شـهـر مارس للمحافظة على هذا الموروث الحرفي التقليدي لحمايته من الاندثار، وأن الهـدف من مشاركتها في العـديد من المعارض والصالونات الخاصة بالصناعات التقليدية، هو إخراج هذه الحرفة إلى النور حتى لا تبقى مدفونة.

بالإضافة إلى توعية الناس، بأن الأواني الفخارية صحية 100 بالمائة، ومن الممكن استخدامها في الحياة اليومية، فهي لا تعني الديكور فقط ـ تقول فوزية ـ، وتتابع قائلة إن المادة الأولية، وهي الطين، متوفرة وأن منطقة “بيدر” بتلمسان تنتج أجود أنواع الطين ولكن تطرح بالمقابل إشكال الحصول على الطين من جبال بيدر، خاصة في موسم الأمطار حيث يتعذر حتى على أصحاب الجرارات جلب الطين من تلك الأماكن.

من جهة أخرى، تؤكد الحرفية أن كل منتوجات الفخار المصنوعة، صحية تماما خاصة وأن الجمعـية قـد تحصلت مؤخرا على شهادة النوعية من خبراء إسبان في مجال الطين الصحي، ما يعطيهم دفعا للمضي قدما في هذه الصناعة التقليدية ورفع هدف تسويق المصنوعات الحرفية في كل ربوع الوطن ضمن الأهداف المستقبلية للجمعية.

وتقول “فوزية” عن مشاركتها في الصالون، إنها كحرفية في الفخار، سمحت لها مشاركتها بملاحظة عدة “موديلات”، يمكنها فيما بعد تحويلها إلى قطع فنية باستعمال الطين، ولا تقتصر تلك الموديلات على مصنوعات فخارية، وإنما مصنوعات أخرى عرضت في أجنحة السيراميك والخزف والنحاس وغيرها، مضيفة أنها استلهمت الكثير من الأشكال التي يمكن صناعتها بالفخار، وبالتالي تشكيل موديلات كثيرة، يمكن أن تشارك بها في تظاهرات أخرى، داعـيـة بالمناسـبة جميع الماكثات بالبيت أو حتى الطالبات والعاملات إلى التقدم من جمعيات محلية تهتم بالحرف اليدوية، بغية تعلم فـنون صنعة يدوية ما.

كما تشير إلى أنها فازت في ديسمبر 2013 بالجائزة الأولى في مسابقة وطنية أقـيمت بتيبازة حول الفخار، وتؤكد أن ذلك كان بمثابة حافز لها شجعها على تحسين حرفتها والعمل على توريثها للشباب حتى لا تندثر هذه الصناعة التـقـليـدية.

ورشات في الصناعات التقليدية التراثية لفائدة الأطفال

في إطار النشاطات الثقافـية والعلمية والبيداغوجية الموجهة للطفل، واحتفالا  بفعاليات شهر التراث من 18 أفريل إلى غاية 18 ماي، والموسوم هذه السنة تحت شعار “تراثنا…حضارتنا” تنـظم على مستوى دار الثقافة “عبد القادر علولة”، ورشات في الصناعات التقليدية التراثية لفائدة الأطفال، تضمنت معرض وورشة في الفخار التقليدي لجمعية فخار بيدر، وهـذا بالتنسيق مع جمعية  “فخار بيدر” بمشاركة  تلاميذ المدارس وضمت ورشة  صناعة الفخار وأبدعـن فيها الحرفـيات أمام  التلاميذ، وزوار المتحف ليتعرفوا من خلالها على العناصر الرئيسية لصناعة الفخار مثل العجن وبناء الأواني واستعمال الأدوات الخاصة بصناعة الفخار بهدف تنمية مهارات التلاميذ والناشئة والزوار لتعزيز مهاراتهم وقدراتهم وتحبيب كل ما هو تقليدي خاصة في عصر يسوده تطورا هائلا  في وسائل وتكنولوجيا الإعلام.

وتضمنت  الورشة التعريف في صناعة المشغولات، وفنون الرسم على الفخار والأدوات التي يستخدمها الحرفي والتطبيق اليدوي لعملية صناعة الأواني الفخارية، تابع المشاركون بعـد أن تم تكوين 3 مجموعات عمل كل واحدة تضم 8 مشتركين، يشرف عليهم عضو مجموعة جمعية فخار بيدر، مع توثيق فـوتـوغـرافي لكافة مراحل أعمال صناعة الفخار، والتأكيد على أهمية الحفاظ على التراث الوطني وتقاليده العريقة، فهي تبرز مهارة صناعة الفخار، وإبراز التراثية والزخارف المعمارية، حيث تسعى هـذه المبادرة لتكثيف وجودها في المدارس بغرض زرع فكرة العودة إلى الأصل فإنها تعمل على نشر ثقافة صناعات  الحرفية التقليدية.

تعـتبر صناعة الأواني الطينية اليدوية من التقاليد الضاربة منذ القـدم، والتي هي ذاكرة لإبداع المرأة الجزائرية، فـقـد عملت المرأة الجزائرية على المحافظة على هذا الموروث الحضاري المادي الذي يقاس على أساسه مدى تجدر أمم الأرض في هذا الكون الفسيح…وتبقى المرأة الجزائرية من الجهات الأربع الخزان المعرفي والحافظة للذات الجزائرية الأصيلة الوحيدة، التي تستخدم الأواني الفخارية التي تصنعها أناملها فقصة عـشقـها لفـنون الأرض قصة لا تنتهي.

كـما يعـد الفخار، حسب ما أكده الباحثون والعلماء والمختصون، حلقة وصل بين العصور فهو من بين الشواهد المادية المساهمة في تتبع التسلسل التاريخي لحضارة وحقبة ما فهو مادة مؤرخة للأحداث التي عاشتها منطقة معينة، بحيث عرف الإنسان كيف يحول الطين إلى مادة صلبة بالاستعانة بالنار واستعمال الدولاب الذي أحدث ثورة في كمية الإنتاج بوسائل بسيطة ورسومات معـبّرة، فهي الوصفة السحرية التي جعلت منه سفيرا بدون تأشيرة.

وبالرغم من أن الفخار حرفة عالمية، إلا أنه لكل دولة ميزاتها الخاصة بها حسب الاستعمال أو الألوان أو الرموز، فهناك من يستعمله لانجاز الأواني للطهي والزينة، أما الرموز فهي تراث شعبي يعرف الحضارات ودلالاتها.

وتعــد الجزائر من بين الدول الرائدة في صناعة الفخار، بحكم طبيعة البحر الأبيض المتوسط، فأغلبية المناطق في الجزائر تصنعه أو تملكه كديكور للزينة، ومن بين هـذه المناطق منطقة أو قرية “بـيدر” بمسيردة، التي هي الرائدة في هذا المجال كون المنطقة جبلية وريفـية بسيطة، وهي مطلوبة في الأسواق العالمية، حيث اتخذوه سكان هذه القرية عملا لهم واكتسى فخارهم ميزة ذات خصوصية مميزة.

 

ع. أمــيــر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى