روبرتاج

جزائرنا… إرث الشهداء ومجد الأوفياء

الذكرى 14 لوفاة الرئيس المجاهد الراحل "أحمد بـن بلة" الثّائـر الناصـري

تشـكّـل الذاكرة الوطنية، أحد الروافـد الهامة التي يوليها رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد “عبد المجيد تبون“، العناية البالغة في بناء الجزائر الجديدة المنتصرة، كجزء لا يتجزأ من هذا المسار الوطني الطموح، الهادف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ ركائز أمن ودفاع وازدهار ونهضة البلاد، بما يخدم تطلعات الشعب الجزائري، ويواكب طموحاته ويحقق آماله في العيش الكريم والاستقرار المستدام.

في هذا السياق، يندرج الاهتمام بالتاريخ الوطني وترسيخ القيم الوطنية لدى شبابنا والجهود المبذولة للحفاظ على ذاكرتنا الجماعية، وهو الأمر الذي أضحى يشكل ضرورة ملحة، خاصة في ظل محاولات التشويه التي تستهدف هويتنا وقيمنا، في إطار ما يعرف بالحروب الجديدة، وهذا ما يدعونا أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز وعي الشباب بتاريخنا ومبادئ ثورتنا التحريرية المجيدة، التي تمثل خير مرجع لفهم حاضرهم وبناء مستقبلهم…

ومن الأجـدر، أن يشاد بذكره عندنا في مدينة مغنية، ويباهى بأعماله وجهاده، زعيم الثورة اسمه “أحمد بن بلة”، الذي كلما أقرأ عنه أكتشف له موقعا جديدا في قلب كل جزائر ليتساءل عن السر الذي انتهى به إلى النهاية التي جعلته رجلا، في إحدى يديه السحر وفي الأخرى المعجزة…ابن الشعب الذي يحس كل جزائري أنه يملك فيه ما يملك الإنسان في أبيه… رجل استطاع أن يقول للجزائريين هكذا تبدأ الحياة وهكذا تنتهي.

وفي مجال استعـراضنا لحياة هذا الرجل ومنهجه في العمل الجاد والنضال المتواصل، اعـتمدنا على أوثــق المصادر وأصح الأخبار، وما يروى عنه من أصحابه الذين لازموه عن قرب وعرفوا عنه ما لم يعرفه غيرهم.

ولـد الراحل المجاهـد “أحمد بن بلّة”، أحد أبرز صناع تاريخ الجزائر المعاصر، في مدينة مغنية بتاريخ 25 ديسمبر 1916، وواصل تعليمه الثانوي بمدينة تلمسان، وأدى الخدمة العسكرية سنة 1937، تأثر بعمق بأحداث 8 مايو 1945 فانضم إلى الحركة الوطنية باشتراكه في حزب الشعب الجزائري، وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، حيث انتخب سنة 1947 مستشاراً لبلدية مغنية، وأصبح بعدها مسؤولاً على المنظمة الخاصة، حيث شارك في عملية مهاجمة مكتب بريد وهران عام 1949 بمشاركة “حسين آيت أحمد” و”رابح بيطاط”، غير أنه ألقي عليه القبض سنة 1950 بالجزائر العاصمة، وحكم عليه بعد سنتين بسبع سنوات سجن.

هرب من السجن سنة 1952 ليلتحق في القاهرة بـ”حسين آيت أحمد” و”محمد خيضر”، ليكوّن فيما بعـد الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني. قـبض عليه مرة أخرى سنة 1956، خلال عملية القرصنة الجوية التي نفذها الطيران العسكري الفرنسي ضد الطائرة التي كانت تنقله من المغرب إلى تونس، والتي كان معه خلالها 4 قادة آخرين لجبهة التحرير الوطني، وهم (محمد بوضياف، رابح بيطاط، حسين آيت أحمد ولشرف)، أين تم اقتياده إلى سجن فرنسي، وبقي معتقلاً فيه إلى موعـد الاستقلال فعاد هو ورفاقه إلى الجزائر.

في 15 سبتمبر 1963، انتخب كأول رئيس للجمهورية الجزائرية. وفي 19 يونيو 1965 عزل من طرف مجلس الثورة، وتسلم الرئاسة “هواري بومدين”، ظل “بن بلة” معتقلا حتى 1980، وقـد كان الكاتب الصحفي “بلقاسم بن عبد الله” أول صحافي جزائري تشرف بمقابلته في الأسبوع الأول من إطلاق سراحه، حيث تمكن من إجراء أول حوار، قدم كاملا خلال أسبوع تكريمه بمغنية بمناقشة واسعة مع الجمهور، إلى جانب تقديم ذكرياته المكتوبة عن يوم خالد في حياته وهو يوم 14 نوفمبر 1980 خلال استقبال لزواره وضيوفه في منزل الدكتور “محمد نقاش”، أول وزير للصحة في بداية الاستقلال.

وبعد إطلاق سراحه، أنشأ بفرنسا الحركة الديمقراطية بالجزائر، ليـعود نهائياً إلى الجزائر بتاريخ 29 سبتمبر 1990، وتوجه بعد حرب الخليج الثانية 1991م إلى العراق، وقابل الرئيس “صدام حسين”، كان يؤمن بعروبة الجزائر ولذلك قام باستدعاء آلاف الأساتذة العرب من مصر والعراق وسوريا للمساهمة في قطاع التعليم، وسئل “بن بلة” عن وفائه “لجمال عبد الناصر” فقال: “أنا وفيّ لفكر جمال عبد الناصر لأنني أعتبره رجلا عظيما ساهم في دعم الثورة الجزائرية أكثر من أي شخص آخر في الوطن العربي”، ومن أقواله: “لم يكن سواه رفيقي في كل الفترات التي قضيتها في السجون، إنه القرآن الكريم”.

 

“أحمد بن بلة”، أول رئيس يسلّم كأس الجزائر بعد الاستقلال

 

مهما اختلف الناس عن “أحمد بن بلة”، فإنه سيبقى سياسيا ورئيس الأجيال، الرجل الذي شهد الحرب العالمية الثانية والثورة التحريرية، وبلغ الربيع العربي وكان له في كل مناسبة رأي، بل ورأي مسموع في إفريقـيا والعالم العربي. وحسب مختلف الروايات، فإن “أحمد بن بلة” غادرنا وهو على حافة بلوغ سن الـ96، فقد اختلف الكثيرون حول يوم مولده ولكن الشائع أنه من مواليد مغنية في عام 1916.

بعد أن حقق الكثير من أمنياته، وأضاع الكثير من توابل الحياة، ومنها البنين والبنات، “بن بلة” عاشق متميز لكرة القدم التي لعبها كمحترف في أندية فرنسية كبيرة، وكاد أن يشارك في كأس العالم لعام 1938 التي احتضنتها فرنسا وأحرزت لقبها إيطاليا، حيث تقمص ألوان نادي مارسيليا، وبمجرد أن اندلعت الحرب التحريرية وكان سنه قرابة الـ38 اعـتزل الكرة، ولكن عشقه لها بقي وذاب في قلبه، وكان أول رئيس يسلم كأس الجزائر بعد الاستقلال لوفاق سطيف ولمولودية سعيدة.

واهتم الرئيس الأسبق بالكرة، حيث لامست قدماه الكرة وسنه فوق الـ90 عاما، إلى درجة أن الصحافة الإنجليزية نشرت صورته وكتبت عنه أنه أكبر لاعب في تاريخ كرة القـدم، كما أنه كان كشافا، وكانت الكشافة مدرسة للحزب يبني فيها أعضاءه وكوادره… وفي كل منطقة كان الحزب يتواجد فيها، حيث كان يوميا رفقة أعضاءه يقومون بتدريبات كشفية، وبعـد أن ترك المدرسة الثانوية في تلمسان، عاد إلى قريته لمدة سنة أو سنتين، حيث استدعي سنة 1937 للالتحاق بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية.

وبقي حتى عام 1940 ، وكانت الحرب العالمية الثانية قد بدأت، أين أتيحت له الفرصة ليحصل على العديد من الكتب بصورة أفضل، حيث كرّس نفسه في ذلك الفترة لهواية القراءة، وكذلك التأمل، مع أنه كان يجيد اللغة الفرنسية جيدا، بل كان متفوقا فيها منذ صغره، أيام الابتدائية، واستمر كذلك حتى الثانوية، إذ قرأ الكثير في هذا السن، وكانت معظم قراءاته تميل إلى السياسة، حيث قرأ في هذه الفترة جميع مؤلفات الأمير “شكيب ارسلان” مترجمة إلى الفرنسية، كما قرأ العشرات من الروايات الأدبية، كانت من الأدب الفرنسي، مثل أعمال “فيكتور هوجو” كلها، بالإضافة إلى الأعمال الكلاسيكية في الأدب الفرنسي جميعها.

 

ذاكرة خارقة… ونشاط لم يتوقف إلى آخر يوم من حياته

 

نعم… هكذا كانت صورة البطل التي كانت تكبر يوما بعد يوم، ولكن ملامح الصدق والطهارة لم تغب…فقد كانت فيه صورة الحاكم الذي يضحك بحساب، ويتكلم بحساب… ولم تقتصر الصورة على هذا الجانب الإنساني، وإنما شملت ملامح “بن بلة” الجديدة، ملامح الاشتراكي، المتواضع، الفلاح، الفقير الذي يظهر في كثير من الأحيان يرتدي البذلة، وهي تلك البذلة الكاكية التي اشتهر بها بعد الاستقلال، لقد كان كريما كما يعرفه البعض من رفقائه في الدرب، حيث كان كل شيء في الدار الصغيرة التي يعيش فيها الرجل أو التي اختار “أن يسجن نفسه فيها من جديد” يوحي بالبساطة الشديدة.

وفي هذا البيت الصغير، كان يعيش ويعمل “أحمد بن بلة”، مع أفراد إدارته المصغرة، وليس لدى الرئيس أي برنامج خاص، فكان يبدأ يومه صباحا بالرياضة، ثم بعدها مسلسل اللقاءات والاستقبالات والاجتماعات بدون توقف في أغلب الأيام إلى منتصف الليل تقريبا، ومن غير أن تخلط أي ملل أو كلل أو فتور في نشاطه أو في حيوية ذهنه، أو في ملامح وجهه المفترة دوما عن ابتسامة هي ذاتها تلك الابتسامة الشهيرة التي كانت جزء من صورته.

وفي حديث الرئيس مع ضيوفه وأصدقائه ورجاله على السواء، قـدر عظيم من المودة والمحبة واللطف يدخل الإحساس بالصداقة فورا، ومن أول لقاء إلى نفوسهم، وقبل أن يدخل في الحديث عن الشؤون والقضايا العامة، فإنه غالبا ما يلقي أسئلة عديدة على ضيفه عن صحته وعمله وأخبار الأصدقاء المشتركين دون أن ينسى واحدا منهم، حيث كان الرئيس يتمتع بذاكرة خارقة، وكان يتذكر أسماء تعود في ذاكرته إلى ما قبل 30 أو 40 سنة، كما يذكر تفاصيل من علاقاته بهم أو من علاقتهم ببعضهم البعض، وأشياء أخرى عن سلالاتهم وأصولهم وطبائعهم وتطورات حياتهم وأولادهم وآبائهم.

وإذا تصادف وجود ضيف ما وقت الغذاء أو وقت العشاء، فإنه بصورة تلقائية، سيشارك أهل البيت طعامهم، على الطريقة العربية التقليدية في الأرياف، وهو ما يؤكد الرئيس نفسه عليه دوما حين يقول: “يجب ألا نغيّر من عاداتنا وتقاليدنا خلال إقامتنا الاضطرارية في أوربا…”.

ومن تاريخ 15 إلى غاية 21 ماي 2005 ، يكرم هذا الزعيم من طرف أبناء لالة مغنية على ما قدمه من نضال للجزائر، معترفين بخدماته الجليلة ومواقفه الصامدة من أجل خدمة المواطن والوطن، في حد قوله “إني رجل إصلاح… وأريدها مصالحة وطنية…” ومن مدينة مغنية، حيث نظّمت له أكبر تظاهرة وطنية، إن لم نقل دولية تتمثل في “جوبيلي أحمد بن بلة “، بمشاركة وجود فنية وأدبية وإعلامية من ولايات الوطن وخارجه.

كما حضرته شخصيات بارزة على المستويين الأوربي والإفريقي، كنائب جمهورية مصر العربية في عهد “جمال عبد الناصر” وابن الشاعــر الجزائري “مفــدي زكرياء” السيد “سليمان الشيخ” ووزراء سابقون، وأقـيم بالمناسبة أكبر استعراض من قبل الفرق المشاركة المتوافدة من داخل وخارج الوطن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى