روبرتاج

الحظيرة الوطنية بثنية الحد..وجهة المصطافين وعشاق الطبيعة

 مع انطلاق موسم الاصطياف والعطلة الصيفية، تتوافد العائلات والزوار على غابة المداد لاكتشاف سحر الأرز الأطلسي، والاستمتاع بأحد أجمل الفضاءات الطبيعية في الجزائر.

تتحول الحظيرة الوطنية بثنية الحد، الواقعة غرب ولاية تيسمسيلت، مع ارتفاع درجات الحرارة، إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية الطبيعية، التي تستقطب أعدادا متزايدة من الزوار، الباحثين عن الراحة والهدوء والهروب من صخب المدن، فوسط الغابات الكثيفة والهواء النقي والمناظر الخلابة، يجد الزائر نفسه أمام لوحة طبيعية استثنائية، تجمع بين جمال الطبيعة وثراء التنوع البيئي، ما جعل هذا الفضاء الأخضر قبلة للعائلات ومحبي المغامرة والاستكشاف.

وتعرف الحظيرة خلال العطلة الصيفية حركية كبيرة، حيث تتوافد عليها العائلات والشباب من مختلف ولايات الوطن، للاستمتاع بأجوائها المعتدلة ومساحاتها الطبيعية الواسعة، في مشهد يعكس المكانة التي باتت تحتلها هذه الوجهة السياحية، ضمن خارطة السياحة البيئية بالجزائر.

 

غابة المداد.. بوابة الدخول إلى عالم من السكينة

بمجرد الوصول إلى بلدية ثنية الحد، يبدأ المشهد الطبيعي في التغير تدريجيا، فالمرتفعات تزداد حضورا والغابات تصبح أكثر كثافة، فيما يلف النسيم البارد المنطقة حتى في أكثر أيام الصيف حرارة، وتبقى غابة المداد أول محطة تستوقف الزائر داخل الحظيرة الوطنية للأرز، حيث تنتشر أشجار الأرز الأطلسي العملاقة، التي تشكل ثروة طبيعية نادرة، وتبدو الأشجار شامخة في المكان، جذوعها الضخمة وفروعها الممتدة ترسم مشهدا يأسر الأنظار ويمنح الإحساس بالسكينة منذ اللحظات الأولى.

وتتميز الغابة بمسالكها الطبيعية، التي تسمح للزوار بالتجول وسط فضاء تغلب عليه الخضرة والهدوء، فيما تختلط أصوات الطيور بحفيف الأشجار، لتشكل سيمفونية طبيعية، تجعل الزائر يشعر وكأنه انتقل إلى عالم بعيد عن ضجيج الحياة اليومية.

 

إقبال متزايد للعائلات خلال العطلة الصيفية

وخلال جولة ميدانية داخل الحظيرة، يلاحظ الزائر الحضور المكثف للعائلات التي اختارت قضاء أوقاتها وسط الطبيعة، فهناك من افترش المساحات الخضراء لتناول وجبة الغداء، وآخرون فضلوا التجول بين الأشجار أو التقاط الصور التذكارية، بينما اتجه عدد من الشباب إلى ممارسة رياضة المشي الجبلي والاستكشاف.

ويؤكد العديد من الزوار، أن الحظيرة الوطنية للأرز، أصبحت محطة سنوية لا يمكن الاستغناء عنها خلال فصل الصيف، لما توفره من أجواء مريحة ومناخ معتدل يختلف عن المناطق الحضرية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، ويقول أحد الزوار القادمين من ولاية مجاورة “أحرص كل صيف على زيارة ثنية الحد مع أفراد عائلتي، فالمكان يوفر الراحة النفسية والمناظر الطبيعية التي يصعب العثور عليها في أماكن أخرى، “ويجمع أغلب الزوار على أن ما يميز الحظيرة ليس فقط جمالها الطبيعي، بل أيضا الشعور بالهدوء الذي يرافق كل من يقصدها، وهو ما جعلها تتحول إلى متنفس حقيقي للعائلات الجزائرية.

 

عين الهرهارة.. جوهرة مخفية وسط الأرز والبلوط

ومن بين أكثر المواقع التي تستقطب اهتمام الزوار داخل الحظيرة، تبرز منطقة عين الهرهارة، التي تعتبر إحدى أجمل المحطات الطبيعية بالفضاء الغابي، فالمياه العذبة المتدفقة بين الصخور والأشجار الكثيفة تمنح المكان جمالا استثنائيا، فيما تضفي الطحالب والنباتات البرية لمسة طبيعية تجعل الزائر يشعر بأنه أمام مشهد من عالم آخر.

ويفضل كثير من الزوار، التوقف بعين الهرهارة لأخذ قسط من الراحة، أو التقاط الصور التذكارية، خاصة أن الموقع يتميز بهدوء كبير يسمح بالتأمل والاستمتاع بجمال الطبيعة بعيدا عن أي ضوضاء. ويؤكد عدد من مرتادي الحظيرة، أن عين الهرهارة تعد من أبرز المعالم الطبيعية التي لا يمكن تفويت زيارتها عند القدوم إلى ثنية الحد، نظرا لما تتمتع به من جمالية فريدة وموقع استثنائي وسط الغابة.

 

تنوع بيولوجي يجعل الحظيرة متحفا طبيعيا مفتوحا

ولا تقتصر أهمية الحظيرة الوطنية للأرز على بعدها السياحي فقط، بل تمتد إلى كونها خزانا بيئيا غنيا، يضم مئات الأنواع النباتية والحيوانية، وتحتضن الحظيرة أكثر من 110 أنواع من الحيوانات المحمية، تتوزع بين الثدييات والزواحف والحشرات والطيور، ما يجعلها فضاء بيئيا بالغ الأهمية على المستوى الوطني.

وخلال التجول بين المسالك الغابية، يمكن للزائر ملاحظة العديد من الطيور التي تتنقل بين الأشجار، كما قد يلمح بعض الحيوانات البرية التي تعيش في بيئتها الطبيعية، بعيدا عن أي تدخل بشري، أما الغطاء النباتي، فيضم أصنافا متنوعة من الأشجار والنباتات، على رأسها الأرز الأطلسي، الصنوبر الحلبي، البلوط الأخضر والبلوط الفليني. إضافة إلى أنواع عديدة من النباتات الجبلية والأعشاب البرية التي تساهم في إثراء المنظومة البيئية للحظيرة، ويؤكد المختصون أن هذا التنوع البيولوجي يمثل ثروة حقيقية تستوجب الحماية والتثمين، خاصة في ظل الدور الذي تلعبه الحظيرة في الحفاظ على التوازن البيئي بالمنطقة.

 

رأس الراريت.. أعلى نقطة لمشاهدة الجمال من السماء

ولعشاق المغامرة والرحلات الجبلية، تشكل قمة رأس الراريت إحدى أبرز الوجهات داخل الحظيرة الوطنية للأرز، فعلى ارتفاع يقارب 1787 مترا عن سطح البحر، تمنح هذه القمة للزائر فرصة مشاهدة مشهد بانورامي استثنائي، يمتد على مساحات واسعة من الغابات والمرتفعات.

ويحتاج الوصول إلى القمة إلى جهد بدني ومسار من المشي عبر التضاريس الجبلية، غير أن المشهد الذي ينتظر الزائر في الأعلى، يجعل الرحلة تستحق كل عناء، ومن فوق رأس الراريت، تبدو الحظيرة وكأنها بحر أخضر مترامي الأطراف، تتداخل فيه ظلال الأشجار مع أشعة الشمس في لوحة طبيعية يصعب نسيانها.

 

سياحة بيئية ومغامرات في قلب الطبيعة

وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الحظيرة الوطنية للأرز فضاء مفضلا لممارسة العديد من الأنشطة السياحية والرياضية، على غرار المشي الجبلي، التخييم، التصوير الفوتوغرافي واستكشاف المسالك الطبيعية، كما تشهد المنطقة تنظيم خرجات جماعية ومخيمات شبانية تستهدف التعريف بالمؤهلات البيئية والسياحية التي تزخر بها الحظيرة، إلى جانب نشر ثقافة المحافظة على البيئة واحترام الطبيعة، ويرى متابعون للشأن السياحي أن الحظيرة الوطنية للأرز تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون قطبا وطنيا للسياحة البيئية، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وتنوعها الطبيعي الفريد.

 

جهود متواصلة لتطوير الوجهة السياحية

وتولي السلطات الولائية بولاية تيسمسيلت، أهمية خاصة للحظيرة الوطنية للأرز، باعتبارها أحد أبرز المعالم السياحية والطبيعية بالولاية. وفي هذا الإطار، تسهر السلطات المحلية، تحت إشراف والي الولاية السيد “بوزايد فتحي”، على دعم الجهود الرامية إلى تثمين هذا الفضاء الطبيعي وتحسين ظروف استقبال الزوار، من خلال تطوير المسالك وتعزيز المرافق والخدمات الموجهة للعائلات والسياح. وتندرج هذه المساعي، ضمن رؤية تهدف إلى جعل الحظيرة رافدا أساسيا للتنمية السياحية المحلية، وتشجيع السياحة البيئية التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد في مختلف أنحاء العالم.

 

الحظيرة الوطنية للأرز.. موعد متجدد مع الجمال

ومهما تعددت الأوصاف، تبقى الحظيرة الوطنية للأرز بثنية الحد، أكثر من مجرد غابة أو موقع سياحي، فهي فضاء يجمع بين الجمال الطبيعي والهدوء النفسي والثراء البيئي في آن واحد، ومع كل صيف جديد، يتجدد الموعد بين الزوار وهذا الفضاء الأخضر الساحر.

حيث يكتشف القادمون للمرة الأولى سحر المكان، بينما يعود إليه من عرفوه سابقا بحثا عن لحظات من الراحة والاستجمام، ففي قلب جبال ثنية الحد، وبين أشجار الأرز العتيقة ومسالك المداد وعين الهرهارة وقمة رأس الراريت، تظل الحظيرة الوطنية للأرز عنوانا للطبيعة الخالدة ووجهة سياحية بامتياز تستحق الزيارة والاكتشاف.

عبد القادر جطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى