روبرتاج

التسممات الغذائية في فصل الصيف..

 خطر يتجدد مع الولائم والمناسبات

حملة تحسيسية واسعة بتيسمسيلت لترسيخ ثقافة الاستهلاك السليم

مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تتجدد المخاوف من تزايد حالات التسممات الغذائية، التي تتحول كل سنة إلى هاجس صحي يهدد سلامة المواطنين، خاصة خلال فترات الأعراس، الولائم العائلية والتجمعات الكبرى، التي يكثر فيها تحضير الأطعمة وتخزينها لساعات طويلة، في ظروف قد لا تستجيب لشروط الحفظ والسلامة الصحية.

 

وتعد هذه الظاهرة من أبرز الانشغالات التي تستدعي تضافر جهود مختلف القطاعات والهيئات المعنية من أجل الحد من مخاطرها، من خلال تكثيف الرقابة الميدانية وتعزيز العمل التحسيسي لفائدة المستهلكين والمهنيين على حد سواء.

 

ارتفاع درجات الحرارة.. بيئة مثالية لتكاثر الجراثيم

يشكل فصل الصيف فترة حساسة بالنسبة للمواد الغذائية سريعة التلف، حيث تساهم درجات الحرارة المرتفعة في تسريع نمو البكتيريا والجراثيم المسببة للتسممات الغذائية. وتزداد الخطورة، عندما يتم عرض المواد الغذائية لأشعة الشمس المباشرة، أو حفظها في درجات حرارة غير ملائمة، وهو ما يؤدي إلى فسادها، وفقدانها لشروط السلامة الصحية.

ويؤكد المختصون، أن اللحوم ومشتقات الحليب والحلويات التقليدية والوجبات الجاهزة والسلطات تعد من أكثر المواد عرضة للتلف خلال هذه الفترة، خاصة إذا لم يتم احترام سلسلة التبريد أو إذا بقيت لفترات طويلة خارج أجهزة الحفظ والتبريد.

 

الولائم والأعراس.. مناسبة للفرح قد تتحول إلى مصدر للخطر

وتسجل العديد من حالات التسمم الغذائي خلال فصل الصيف بالتزامن مع موسم الأعراس، الحفلات والولائم الجماعية، حيث يتم في كثير من الأحيان تحضير كميات كبيرة من الطعام قبل ساعات طويلة من تقديمها للمدعوين، الأمر الذي يزيد من احتمال تعرضها للتلوث أو التلف، كما أن بعض الأسر أو المتعاملين يلجؤون إلى إعادة تسخين الوجبات عدة مرات، أو الاحتفاظ ببقايا الطعام لفترات طويلة، دون مراعاة الشروط الصحية اللازمة.  وهو ما يرفع من احتمالية الإصابة بأعراض التسمم الغذائي، التي تتراوح بين آلام المعدة، الغثيان، التقيؤ والإسهال، وقد تصل في بعض الحالات إلى مضاعفات صحية خطيرة، تستوجب التدخل الطبي المستعجل.

وخلال فصل الاصطياف، تعرف الأسواق الشعبية والأماكن الترفيهية تزايدا في نشاط بيع الأطعمة الجاهزة والمشروبات والمرطبات، وهو ما يستدعي تشديد الرقابة على ظروف العرض والتخزين والتحضير، فبعض التجاوزات المتعلقة بعدم احترام قواعد النظافة، أو استعمال مواد أولية مجهولة المصدر، أو عدم الالتزام بدرجات التبريد المطلوبة، قد تشكل عوامل مباشرة في وقوع حالات تسمم غذائي جماعي، الأمر الذي يجعل من وعي المستهلك عنصرا أساسيا في الوقاية من هذه المخاطر.

 

أعراض تستوجب الحذر والتدخل السريع

تظهر أعراض التسمم الغذائي عادة بعد ساعات قليلة من تناول الأغذية الملوثة، وقد تشمل آلاما حادة في البطن، الغثيان، التقيؤ، الإسهال وارتفاع درجة حرارة الجسم، إضافة إلى الشعور بالإرهاق والجفاف. وينصح الأطباء بضرورة التوجه إلى أقرب مؤسسة صحية عند ظهور أعراض قوية أو استمرارها لفترة طويلة، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، باعتبارهم أكثر الفئات عرضة للمضاعفات الصحية الناتجة عن التسممات الغذائية.

ويرى المختصون أن الوقاية من التسمم الغذائي لا تتطلب إجراءات معقدة، بقدر ما تستوجب الالتزام بجملة من السلوكيات اليومية البسيطة، في مقدمتها غسل اليدين جيدا قبل تحضير الطعام، وتنظيف أدوات الطبخ بانتظام، وفصل الأغذية النيئة عن المطهية لتجنب انتقال الجراثيم، كما ينصح بضرورة احترام درجات الطهي المناسبة للحوم، الأسماك والدواجن، وعدم استهلاك المنتجات مجهولة المصدر أو التي تظهر عليها علامات التلف، فضلا عن ضرورة المحافظة على سلسلة التبريد، وعدم ترك الأغذية الحساسة خارج الثلاجة لفترات طويلة.

ولا تقتصر مسؤولية الوقاية على الهيئات الرقابية فقط، بل تمتد إلى المستهلك الذي يعتبر الحلقة الأساسية في منظومة حماية الصحة العامة ، فاختيار المحلات النظيفة، والتأكد من تاريخ الصلاحية، ومراقبة ظروف العرض والحفظ، كلها ممارسات تساهم في التقليل من مخاطر التسممات الغذائية.

كما أن التبليغ عن المخالفات والتجاوزات المسجلة على مستوى المحلات التجارية، أو نقاط بيع المواد الغذائية، يعد سلوكا حضاريا يساعد الجهات المختصة على التدخل السريع واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المستهلكين.

 

حملة وطنية للتحسيس وترسيخ ثقافة الاستهلاك لدى المواطن

وفي سياق الجهود الرامية إلى الوقاية من المخاطر المرتبطة بالاستهلاك الغذائي خلال فصل الصيف، تتواصل بولاية تيسمسيلت، فعاليات الحملة الوطنية للإعلام والتحسيس لصائفة 2026، التي انطلقت يوم بداية شهر  جوان الجاري تحت شعار” التغذية السليمة أسلوب حياة دائم” ، وتندرج هذه المبادرة في إطار تنفيذ تعليمات وتوصيات الوزارة الوصية، وتحت الرعاية السامية لوزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، وبإشراف والي الولاية، وبالتنسيق مع غرفة التجارة والصناعة الونشريس.

وشهدت الانطلاقة الرسمية للحملة بالمركز التجاري لبلدية تيسمسيلت، تنظيم أبواب مفتوحة ومعارض تحسيسية بمشاركة العديد من القطاعات والهيئات، من بينها الأمن الوطني، الدرك الوطني، الحماية المدنية، قطاع الصحة، الفلاحة، الصناعة، السياحة، البريد والمواصلات، البيئة، الشؤون الدينية والأوقاف والنشاط الاجتماعي.

كما عرفت التظاهرة، مشاركة اتحاد التجار والحرفيين، وجمعيات حماية المستهلك، ضافة إلى الهيئات التابعة لقطاع التجارة ممثلة في مخبر النوعية والفرع المحلي للسجل التجاري، في خطوة تعكس أهمية التنسيق بين مختلف الفاعلين من أجل تحقيق أهداف الحملة.

وفي إطار البرنامج المسطر، أعطى مدير التجارة إشارة انطلاق قافلة تحسيسية جابت مختلف شوارع مدينة تيسمسيلت وأسواقها ومحلاتها التجارية، حيث تم توزيع مطويات ونشريات توعوية، تتضمن نصائح وإرشادات حول طرق حفظ الأغذية واحترام شروط النظافة والتبريد. وتهدف هذه الخرجات الميدانية، إلى تقريب الرسائل التحسيسية من المواطن والتاجر على حد سواء، وتعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي والمسؤول خلال فترة الصيف التي تعرف ارتفاعا في حجم الاستهلاك الغذائي.

 

برنامج يشمل جميع بلديات الولاية

ولم تقتصر الحملة على عاصمة الولاية فقط، بل تم إعداد برنامج واسع يشمل البلديات الـ22، من خلال تنظيم أيام إعلامية وتحسيسية وزيارات ميدانية إلى أماكن التنزه والترفيه والأسواق الأسبوعية. إضافة إلى بث حصص إذاعية وومضات توعوية عبر مختلف وسائل الإعلام.

ويراهن القائمون على الحملة، الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين، بهدف ترسيخ السلوكيات الصحية السليمة المرتبطة بالاستهلاك الغذائي، وتعزيز ثقافة الوقاية قبل وقوع المخاطر.

ومع امتحان شهادة البكالوريا، خصصت الحملة جانبا من نشاطها لمرافقة مراكز الإطعام المكلفة بتحضير الوجبات الغذائية للمترشحين والمؤطرين، حيث تم تنظيم عمليات توعوية لفائدة العمال والمسيرين. وتم خلال هذه اللقاءات، تقديم شروحات ونصائح تتعلق بكيفية حفظ المواد الغذائية، احترام شروط النظافة، التبريد وتفادي مصادر التلوث، بما يضمن تقديم وجبات صحية وآمنة للمترشحين خلال فترة الامتحانات.

وتؤكد مختلف المؤشرات، أن الوقاية تبقى السلاح الأنجع لمواجهة التسممات الغذائية، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وكثرة المناسبات الاجتماعية خلال فصل الصيف. ومن هذا المنطلق، تكتسي الحملات التحسيسية أهمية بالغة في نشر الوعي وترسيخ ثقافة الاستهلاك السليم لدى المواطن والتاجر على حد سواء.

ويبقى نجاح هذه الجهود مرتبطا بانخراط الجميع، من مؤسسات رقابية وهيئات صحية ومهنيين ومستهلكين، في احترام قواعد السلامة الغذائية والتبليغ عن التجاوزات، حفاظا على صحة المواطنين وضمانا لصيف آمن خال من التسممات الغذائية والمخاطر المرتبطة بالاستهلاك غير السليم للمواد الغذائية.

عبد القادر جطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى