روبرتاج

رافعة استراتيجية للتنمية المحلية والأمن الغذائي

الصـيد البحري وتربية المائيات بتلمسان

في سياق التحـوّلات الاقتصادية العميقة التي تعرفها الجزائر، ومع تزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، تقليص فاتورة الاستيراد، وخلق مناصب شغل مستدامة، عاد قطاع الصيد البحري وتربية المائيات ليتصدر اهتمامات السياسات العمومية، كأحد البدائل الاقتصادية القابلة للتطوير والاستثمار.

فالدولة تمتلك شريطًا ساحليًا يفوق 1200 كيلومتر، وإمكانات بحرية معتبرة، ظلت لعقود تستغل جزء محدودًا فقط من ثرواتها البحرية، قبل أن تشهد السنوات الأخيرة توجّهًا رسميًا لإعادة بعث هذا القطاع برؤية اقتصادية جديدة.

 هذا التوجه، تجسّد ميدانيًا من خلال إطلاق مشاريع هيكلية شملت تحديث الموانئ، إنشاء مسامك عصرية، تطوير نشاط تربية المائيات، تشجيع صناعة وصيانة سفن الصيد، وفتح المجال أمام الاستثمار الخاص والمبادرات الشبابية، في إطار مقاربة تقوم على الانتقال من نشاط تقليدي محدود المردودية إلى منظومة إنتاج متكاملة تخلق القيمة المضافة، وتساهم في التنمية المحلية، إذ تعـد الزيارة الأخيرة لوزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري إلى ولاية تلمسان، نموذجًا عمليًا لهذا المسار، حيث عاين مشاريع متنوعة تمس مختلف حلقات السلسلة الاقتصادية للقطاع، من الإنتاج إلى التسويق.

ولم تقتصر هذه المشاريع على الجانب الإنتاجي فقط، بل امتدت لتشمل تنظيم السوق وتحسين شبكات التوزيع، عبر تدشين مسامك من الصنفين الأول والثاني، وإطلاق مناطق نشاطات لتربية المائيات، ودعم مبادرات رقمية ناشئة تهدف إلى عصرنة تسويق المنتجات البحرية وتقليص عدد الوسطاء، وهي خطوات تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التحكم في سلسلة القيمة كاملة، باعتبارها عاملًا حاسمًا في تحقيق التوازن بين وفرة المنتوج، استقرار الأسعار، وضمان وصوله إلى المستهلك بجودة وأسعار معقولة.

خطوات قوية لتطوير الصيد البحري وتربية المائيات بتلمسان


في إطار تعزيز القدرات الوطنية لقطاع الصيد البحري وتربية المائيات، ودعم الاستثمار المنتج في قطاع الصيد البحري وتربية المائيات، وتعزيز البنية التحتية، ورفع القدرات الوطنية، وخلق فرص عمل محلية، بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي وتنمية الاقتصاد المحلي عبر تعزيز الإنتاج البحري واستثمار الإمكانات الساحلية الفريدة للبلاد، قام وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين المهدي وليد في أواخر شهر ديسمبر من سنة 2025، مرفوقا بممثل سفير موريتانيا، ووالي الولاية، والمدير العام للصيد البحري وتربية المائيات، والمدير العام للغرفة الجزائرية للصيد البحري وتربية المائيات، بتفقد عدد من المشاريع الحيوية بولاية تلمسان.

حيث شملت تدشين مسامك من الصنف الأول والثاني، ووضع حجر الأساس لانطلاق أشغال إنجاز منطقة نشاطات تربية المائيات بمنطقة البراج دائرة هنين، والتي تحتوي على 13 قطعة بمساحة تفوق الهكتارين تتضمن قواعد لوجيستية، وحدات استيراد وتصدير المنتوج السمكي، وحدات التبريد وصناعة الثلج، وحدات لتحويل وتعليب السمك…وغيرها، والذي خصّص لها غلاف مالي يقـدر بـــ (96.000.000.00) دج ضمن برنامج CGSCL، من قبل مصالح مديرية التعمير والهندسة المعمارية والبناء.

 كما شملت الزيارة، ميناء سيدنا يوشع ببلدية دار يغمراسن، حيث قدم عرض تقني حول وضعية الميناء وقدراته التشغيلية وآفاق تطويره، وعقد الوزير لقاء تشاوريًا مع وكلاء بيع السمك بالجملة، للاستماع إلى مقترحاتهم حول تحسين ظروف النشاط وترقية شعبة التسويق، إلى جانب لقاء مع مجهزي سفن الصيد في أعالي البحار ضمن إطار الاتفاقية الجزائرية ـ الموريتانية، كما تم الاطلاع على مشاريع صناعة وصيانة السفن، بما في ذلك سفن الصيد والتونة الحمراء، إلى جانب مبادرات رقمية ناشئة لتسويق المنتجات البحرية، بما يعكس الاهتمام بتطوير منظومة إنتاج متكاملة تربط بين الصيد، التربية، التصنيع والتسويق.

فضلا عن ذلك، تـفـقـد الوزير مشاريع صناعة وصيانة سفن الصيد البحري، منها مؤسسة SARL Rabie “،  حيث عاين سفينة صيد بطول 40 مترًا و4 سفن من نوع “جـياب”، ومؤسسة SARL Techno Naval التي أنجزت 4 سفن بطول 37.5 مترًا وعرض 9.5 أمتار، إضافة إلى معاينة رافعة السفن ذات حمولة 250 طنًا، ومساحة لصيانة السفن، ومعدات مزرعة تسمين التونة الحمراء، وتدشين سفينة لتربية المائيات.

ورشات بناء وإصلاح سفن الصيد البحري وتربية المائيات

 في إطار جهود الدولة المتواصلة لضمان جاهزية السفن واحترام معايير السلامة التقـنية بالموانئ، تمت خلال شهر فيفري من سنة 2026 ، عملية رفع سفينة صيد التونة المسماة “واد زيــادة” بواسطة رافعة ذات طاقة 250 طن بميناء سيدي يوشع، حيث تبلغ أبعاد السفـينة 37 متر طولا و09 أمتـار عـرضا، وقـد تم تصنيعها حسب مدير الصيد البحري وتربية المائيات لولاية تلمسان، بسواعـد جزائرية بورشة بناء وإصلاح السفـن “صارل تكـنـو نـفـال”، في إطار دعم وتطوير نشاط صيد التونة وتعزيز قدرات الأسطول البحري الوطني.

هذا، وتحصي ولاية تلمسان حسب السيد سـحـنون بــوقـبـريـن مدير الصيد البحري وتربية المائيات لولاية تلمسان، 04 ورشات لبناء وصيانة وتصليح سفن الصيد البحري التي توفـر 111 منصب شغل دائم، بكل من ميناء هنين وميناء سيدي يوشع، حيث تتواجد على مستوى هذه الورشات في طور الإنجاز 7 سفـن للصيد في أعالي البحار، و4 سفن من نوع جيبيات و4 سفن مخصصة لمشاريع تربية المائيات.

كما تم تدشين سفينتين مخصصتين لمشاريع تربية المائيات، الأولى خلال زيارة الوزير السابق للفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري إلى ولاية تلمسان بتاريخ 14 أفريل 2025، والسفينة الثانية خلال زيارة السيد وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري السيد ياسين المهدي وليد“، بمعية والي ولاية تلمسان يوم السبت 27 ديسمبر 2025. بالموازاة مع ذلكـ تحصي ولاية تلمسان 03 مشاريع لتربية المائيات البحرية قـيد الإنتاج، فمؤسسة

SARL RCKH FISH – SARL ROYAUME DE POISSONSARL AQUADORA،  توظف أكثر من 30 يد عاملة بـ 32 قفصاعائما مثبت بعرض البحر بطاقة إنتاجية نظرية مقدّرة بــ 2600 طن من سمك القجوج الملكي وذئب البحر. بمؤسسة “ SARL AQUADORA، تمتركيب 8 أقفاص عائمة من أصل 16 قفصا عائما بدائرة هنين، وقد تم جلب المعدات ومباشرة عملية التركيب على مستوى شاطئ أقلة بلدية بني خلاد بطاقة إنتاجية نظرية مقدّرة بــ 800 طن سنويا.

و بمؤسسة  SARL MADLYN FISH“، تم تركيب 6 أقفاص عائمة حاليا بميناء مرسى بن مهيدي، وسيتم تحويلها إلى موقعها في عرض البحر،خلال قبل نهاية السداسي الأول من السنة الجارية بطاقة إنتاجية نظرية مقدّرة بــ 600 طن سنويا. أما  SARL SOUFI FISH، بعـد عرض معدات مزرعة AYMEN FISH والمتمثلة في 04 أقفاص عائمة في المزاد العلن، يتم شرائها من قـبل  SARL SOUFI FISH، سيتم تحويلها إلى موقعها في عرض البحر للجهة الوسطى من الولاية خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 بطاقة إنتاجية نظرية مقـدّرة 400 طن سنـويا.

وفي مجال تربية المائيات في المياه العـذبة، مؤسسة AQUA PECHEAGRO  فرع الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات، تم إنجاز 4 أحواض دائرية من أصل 12 حوض (8 أحواض المتبقية هي في طور الإنجاز)، كما تم إجبار صاحب المؤسسة على إمضاء اتفاقية مع المراقبة التقنية للري من أجل متابعة هذا المشروع.

تكوين577 متربصا في مختلف التخصصات، واتفاقية مع المدرسة العليا للعلوم التطبيقية

 تم خلال السنة البيداغـوجية 2025-2026 ، تكوين577 متربصا في مختلف التخصصات (بحار مؤهل على متن سفن يقل أو يزيد طولها عن 24 متر، قيادة محركات الصيد وكفاءة في الصيد البحري)، وفي إطار اعتمادمكتسبات الخبرة المهنية VAEP لرجال البحر، الذين هم في حالة نشاط للحصول على شهادة الأهلية، لقيادة السفن والآلات الخاصة بها، تم منح 117 شهادة نجاح لهذه الفئة تضمنت 71 كهروميكانيكيا، و46 كفاءة مهنية في الصيد البحري.

وفي إطار الاتفاقية المبرمة مع الجامعة، وكذا المدرسة العليا للعلوم التطبيقية تلمسان، تم مرافقة طلبة المدرسة العليا للعلوم التطبيقية وطلبة كلية العلوم الطبيعة والحياة شعبة علوم البحار، للتعريف بقطاع الصيد وتربية المائيات البحري، والمجالات المتاحة لاستحداث مشاريع مبتكره، وتوجيههم في هذا المجال، وهذه مواضيع التخرج تمت مناقشتها من قبل طلبة الجامعة والمدرسة العليا للعلوم التطبيقية: تقنية المساهمة في مكافحة تآكل السفن باستخدام الأدوات الكهروتقنية، دراسة وإنتاج العوامات البحرية بالاعتماد على البوليمرات الحيوية لرصد التلوث البحري، استخلاص الجيلاتين من أحد أنواع الأسماك مثل البلطي، حصر الطحالب البحرية الكبيرة بهنين، اقتراح نموذج قارب يعمل بالطاقة المتجددة، الكشف والوقاية من الأعطال على مستوى الأقفاص العائمة باستخدام نظام كشف يعمل بالطاقة المتجددة، تصميم وإنشاء نموذج أولي لنظام ذكي خاص aquaponie.

في المحصلة، يظهر أن مستقبل الاقتصاد الأزرق في الجزائر واعد للغاية، بشرط مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، تطوير نظم الإنتاج والتسويق، ودعم المستثمرين تقنيًا وماليًا، دمج الصيد البحري وتربية المائيات ضمن رؤية اقتصادية شاملة يجعل هذا القطاع ليس مجرد مصدر غــذاء، بل قوة اقتصادية مستدامة قادرة على تحويل الإمكانات البحرية الهائلة إلى مكاسب ملموسة، ترفع من مستوى الاقتصاد الوطني، وتحسن جودة حياة المواطنين، وتحقق تنمية متوازنة ومستدامة على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى