صيفيات

حكاية القهوة الجزائرية التي غزت العالم من مستغانم إلى طوكيو

في زاوية هادئة من ولاية مستغانم، تقع بلدية صغيرة لا يعرفها كثيرون داخل الجزائر، غير أن اسمها يتردد يوميًا في مقاهي باريس، لشبونة، طوكيو ونيويورك. إنها مزغران، المدينة التي أعطت العالم واحدة من أشهر أنواع القهوة على الإطلاق.

تعود قصة هذه القهوة، إلى حقبتين متقاربتين لا يجوز الخلط بينهما. ففي سنة 1837، أُبرمت معاهدة التافنة العسكرية، بين “الأمير عبد القادر” والاستعمار الفرنسي، التي بموجبها انتقلت قلعة مزغران إلى السيطرة الفرنسية. ثم جاءت سنة 1840 ، لتكون التاريخ الحقيقي لميلاد المشروب، حين حاصرت القوات الجزائرية فرقة من الجنود الأجانب داخل القلعة، تحت وطأة حرارة الصيف الجزائري القاسية.  وإذ نَفَد الحليب والبراندي، لجأ الجنود إلى تخفيف قهوتهم القوية بالماء البارد، ثم أضافوا إليها شرائح الليمون لإخفاء المرارة، فكانت بذلك الولادة غير المقصودة لمشروب سيغزو العالم بعد عقود.

حين عاد الجنود إلى باريس، حملوا معهم ذكرى المشروب البارد وأسلوب تقديمه في أكواب طويلة وضيقة، فبدأت مقاهي العاصمة الفرنسية، تقدّمه باسم “مقهى مزغران”، وسرعان ما انتشر في أوروبا كلها.

من القلعة إلى قوائم “ستاربكس”

ما بدأ كحاجة عملية في ساحة معركة، تحوّل مع الزمن إلى ظاهرة عالمية. تعرّف عليه الكاتب الأمريكي “وليام يوكرز” في كتابه “كل شيء عن القهوة”، الصادر سنة 1922، حين وصفه بأنه “مشروب الصيف المشهور جدًا والمعروف باسم مزغران، والذي يعني في أوروبا الماء البارد والقهوة الباردة”.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ ففي منتصف التسعينيات، دخلت عملاقة القهوة ستاربكس على الخط شراكةً مع بيبسيكو، لتطلقا خطًا كاملًا من المشروبات الغازية المستوحاة من مزغران. واليوم، يجد الزبون في فروع نيسبريسو وستاربكس حول العالم توصيات بهذا المشروب الجزائري الأصيل.

قهوة عالمية مهملة محليا

المفارقة المؤلمة هي أن قهوة مزغران، التي صنّفها موقع TasteAtlas المتخصص في الطبخ التقليدي العالمي، ضمن أفضل أنواع القهوة على مستوى العالم، تكاد تكون مجهولة داخل الجزائر ذاتها.

وعرّفت “تايست أطلس” قهوة مزغران بأنها “غالبًا ما يُطلق عليها اسم القهوة المثلجة الأصلية، وهي قهوة مركّزة تُقدَّم بالماء والثلج في كأس طويل وضيق من الخزف أو الطين أو الزجاج”. وقد اتّخذت هذه القهوة أشكالًا متعددة عبر البلدان؛ فهي في البرتغال إسبريسو مع عصير الليمون والروم، وفي النمسا تُقدَّم مع مكعبات الثلج وتُشرب دفعةً واحدة، وفي كاتالونيا تُحضَّر بالقهوة والمثلجات والليمون.

ما يُميّز قهوة مزغران تقنيًا، هو شدة تحميص بُنّها مقارنةً بأنواع القهوة الأخرى؛ وهو اختيار مدروس حتى تحافظ على قوة مذاقها وعمق نكهتها حتى بعد إضافة الماء البارد والثلج.

ج.ايمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى