
لم يعد تطوير السياحة في الجزائر، مرتبطاً فقط بتوفير المقومات الطبيعية والتراثية، التي تزخر بها مختلف الولايات، بل أصبح رهاناً قائماً على جودة الخدمات المقدمة للسائح وقدرة الفاعلين في القطاع على بناء صورة إيجابية ومستدامة عن الوجهات السياحية الوطنية. ومن هذا المنطلق، جاءت المبادرة التي احتضنتها ولاية المنيعة، من خلال تنظيم يوم تحسيسي حول “جودة الخدمات السياحية وتعزيز حماية السائح”، في خطوة تعكس توجهاً جديداً، يضع السائح في صلب العملية التنموية ويجعل من الجودة معياراً أساسياً لنجاح النشاط السياحي.
وقد احتضن المركز الثقافي لبلدية حاسي القارة، فعاليات هذا اليوم التحسيسي بحضور ممثلين عن مختلف القطاعات والهيئات، ذات الصلة بالنشاط السياحي. ويعكس هذا الحضور المتنوع، إدراكاً متزايداً بأن السياحة لم تعد مسؤولية قطاع واحد، بل هي منظومة متكاملة، تتقاطع فيها أدوار الأمن، النقل، الإرشاد السياحي، الخدمات العمومية والقطاع الخاص، وهو ما يجعل نجاح أي مشروع سياحي رهينا بمدى التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي الوقت الذي تسعى فيه ولاية المنيعة، إلى تعزيز مكانتها كوجهة سياحية صحراوية واعدة، تبرز مسألة جودة الخدمات، كأحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع. فالسائح المعاصر لم يعد يبحث فقط عن المواقع الطبيعية والمناظر الخلابة، بل أصبح يقيم تجربته السياحية انطلاقاً من مستوى الاستقبال، سهولة التنقل، جودة المرافقة والإرشاد ومدى توفر شروط الأمن والراحة.
من هذا المنظور، جاءت مختلف المداخلات والنقاشات التي شهدها اللقاء، لتؤكد ضرورة الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره الحلقة الأهم في سلسلة الخدمات السياحية. فالتكوين المستمر، نشر ثقافة الاحترافية وترسيخ مبادئ التعامل الراقي مع الزوار، كلها عوامل باتت تشكل أساسا لبناء وجهة سياحية قادرة على المنافسة، واستقطاب المزيد من السياح.
تسليم 25 بطاقة مرشد سياحي معتمد
ولعل من أبرز المحطات التي ميزت هذه التظاهرة، تسليم 25 بطاقة مرشد سياحي معتمد، لفائدة مرشدين استوفوا الشروط القانونية اللازمة. وهي خطوة تحمل أكثر من دلالة، إذ تعكس إرادة السلطات الوصية في تنظيم المهنة، وإضفاء الطابع الاحترافي عليها، باعتبار المرشد السياحي، واجهة حقيقية للمنطقة وأحد أهم المؤثرين في تشكيل الانطباع الذي يحمله السائح عن الوجهة التي يزورها.
كما برز خلال اللقاء، البعد الأمني والوقائي، باعتباره عنصراً محورياً في معادلة التنمية السياحية. فقد شدد ممثلو الأمن الوطني والحماية المدنية، على أهمية توفير بيئة آمنة للسياح، وضمان التدخل السريع عند الحاجة، مؤكدين أن الأمن السياحي أصبح اليوم من المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها الزوار عند اختيار وجهاتهم.
وفي كلمة ألقاها نيابة عن والي ولاية المنيعة “بن مالك مختار”، أكد المفتش العام للولاية “مسعود كروط” أن تطوير القطاع السياحي، بات خياراً استراتيجياً لتحقيق التنويع الاقتصادي وتعزيز التنمية المحلية، مشيراً إلى أن السلطات العمومية، تولي أهمية خاصة لترقية جودة الخدمات السياحية، وتحسين ظروف استقبال الزوار، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى جعل السياحة أحد روافد التنمية المستدامة. كما شدد، على ضرورة تكاثف جهود مختلف الفاعلين والشركاء، لضمان توفير بيئة سياحية جاذبة وآمنة، تعكس الصورة الحقيقية للمؤهلات التي تزخر بها الولاية.
من جهته، أوضح مدير السياحة والصناعة التقليدية لولاية المنيعة، “لبصير إسماعيل”، أن تنظيم هذا اليوم التحسيسي، يندرج ضمن برنامج القطاع الرامي إلى ترسيخ ثقافة الجودة والاحترافية في مختلف الخدمات السياحية، مؤكداً أن حماية السائح وتحسين مستوى التكفل به يمثلان محوراً أساسياً في الاستراتيجية المعتمدة لترقية الوجهة السياحية للولاية.
ولم يقتصر اللقاء على الجوانب النظرية فقط، بل تضمن توزيع مطويات ومنشورات توعوية وإرشادية، تستهدف نشر ثقافة الجودة والتعريف بحقوق وواجبات مختلف المتعاملين في القطاع، في رسالة مفادها أن ترقية السياحة تبدأ من الوعي، بأهمية الخدمة المقدمة للسائح وضرورة الالتزام بالمعايير المهنية المعتمدة.
الهوصاوي لحسن