
على امتداد شارع الوئام بمدينة تيسمسيلت، تتواصل يوميا حركة غير عادية حول عدد من أماكن إصلاح الأحذية، التي تحولت مع مرور السنوات إلى مقصد للعديد من المواطنين، الباحثين عن ترميم أحذيتهم وإعادتها إلى حالتها الطبيعية، وبين أصوات المارة وحركية الشارع، يواصل أصحاب مهنة الإسكافي، أداء عملهم اليومي في مشهد يعكس بقاء واحدة من أقدم المهن التقليدية، التي ما تزال تحافظ على حضورها داخل المجتمع.
ورغم التطور الذي عرفته صناعة الأحذية، وتوسع الأسواق التجارية التي تعرض مختلف الأنواع والأشكال، إلا أن الكثير من المواطنين ما يزالون يفضلون التوجه إلى الإسكافي، كلما تعرضت أحذيتهم إلى التلف أو التمزق، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحذية رياضية أو “صندالات” أو أحذية جلدية، يمكن إصلاحها واستعمالها من جديد.
ويشكل شارع الوئام 2، أحد أبرز الفضاءات التي تعرف انتشاراً لهذه المهنة بمدينة تيسمسيلت، حيث اعتاد المواطنون على التردد على هذه الأماكن التي أصبحت جزء من المشهد اليومي للشارع.
فمنذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ أصحاب المهنة في استقبال الزبائن الذين يحملون أحذية مختلفة تحتاج إلى إصلاحات متنوعة. فمنهم من يبحث عن تثبيت نعل انفصل عن الحذاء، ومنهم من يرغب في خياطة جزء ممزق أو إعادة تثبيت قطعة تضررت بفعل الاستعمال اليومي، وتتنوع الأحذية التي تصل إلى هذه الورشات البسيطة بين الأحذية الرياضية المستعملة من قبل الشباب والأطفال، و”الصندالات” الصيفية، إضافة إلى الأحذية الجلدية التي يفضل أصحابها المحافظة عليها لأطول فترة ممكنة.
ويؤكد العديد من المواطنين، أن اللجوء إلى الإسكافي لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، بل أيضا بالثقة التي اكتسبها أصحاب المهنة عبر سنوات طويلة من العمل، حيث يعرف الزبون مسبقا أن حذاءه سيخضع لإصلاح يطيل من مدة استعماله، ويعيد إليه جزء كبيرا من متانته.
أدوات بسيطة تصنع الفارق

وأول ما يلفت انتباه الزائر لأماكن ممارسة هذه المهنة، هو بساطة الوسائل المستعملة في العمل اليومي، فلا وجود لتجهيزات معقدة أو آلات متطورة، بل يعتمد أصحاب المهنة على أدوات تقليدية أثبتت فعاليتها على مر السنين.
وتشمل هذه الأدوات المطارق الصغيرة، والمسامير الخاصة بالأحذية، والإبر الكبيرة، والخيوط المتينة، والمقصات، وآلات الثقب اليدوية، إضافة إلى مواد اللصق التي تستعمل في تثبيت النعال وإصلاح الأجزاء المتضررة، ورغم بساطة هذه الوسائل، إلا أن الخبرة التي يتمتع بها أصحاب المهنة تجعلها كافية لإنجاز مختلف عمليات الإصلاح المطلوبة.
حيث تتطلب العملية دقة كبيرة ومعرفة بمكونات الأحذية وكيفية التعامل مع كل نوع منها، ويؤكد متابعون لهذا النشاط، أن سر النجاح لا يكمن في الأدوات فقط، بل في الخبرة المتراكمة التي تسمح لصاحب المهنة بتحديد طبيعة العطب والطريقة المناسبة لإصلاحه في وقت وجيز.
موروث مهني تتناقله الأجيال
وعند الحديث مع أصحاب المهنة، يؤكد الكثير منهم أن نشاطهم ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لمسار طويل توارثته العائلات جيلا بعد جيل، فقد تعلم عدد منهم أسرار المهنة على يد الآباء أو الأقارب الذين سبق لهم ممارستها، قبل أن يكتسبوا الخبرة اللازمة ويواصلوا المسيرة بأنفسهم.
ويرى هؤلاء، أن التمسك بهذه المهنة يمثل حفاظا على جزء من التراث المهني الذي ارتبط بالمجتمع لعقود طويلة، خاصة وأن الإسكافي كان في الماضي من الشخصيات المألوفة داخل الأحياء والأسواق الشعبية، كما يعتقدون أن المحافظة على هذا النشاط، تساهم في إبقاء جانب من الذاكرة الاجتماعية حيا، في وقت اختفت فيه بعض المهن التقليدية أو تراجع حضورها بشكل كبير.
بين الماضي والحاضر
ورغم التحولات التي عرفتها أنماط الاستهلاك وتغير عادات المواطنين، إلا أن مهنة الإسكافي استطاعت التكيف مع المستجدات، حيث أصبح أصحابها يتعاملون مع أنواع حديثة من الأحذية الرياضية و”الصندالات” والمنتجات الجلدية المختلفة.
هذا التكيف، ساعدهم على المحافظة على نشاطهم واستقطاب زبائن جدد، خاصة مع تنوع المواد المستعملة في صناعة الأحذية الحديثة وظهور حاجيات جديدة تتطلب خبرة في الإصلاح والترميم، كما أن الإقبال المستمر على خدماتهم، يؤكد أن هذه المهنة ما تزال تؤدي دوراً مهماً داخل المجتمع، سواء من الناحية الاقتصادية أو من حيث المحافظة على موروث مهني عريق.
ويبقى إسكافيو شارع الوئام بمدينة تيسمسيلت، نموذجا حيا لمهنة استطاعت الصمود أمام تغيرات الزمن، بفضل تمسك أصحابها بها وثقة المواطنين في الخدمات التي يقدمونها، فبين مطرقة صغيرة وإبرة وخيط ومواد لاصقة بسيطة، تتواصل يوميا عمليات إصلاح الأحذية بمختلف أنواعها، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع بهذه المهنة التي ظلت لسنوات طويلة جزء من تفاصيل الحياة اليومية، ورغم الظروف المناخية الصعبة أحيانا، وتغير أساليب العيش، يواصل أصحاب المهنة أداء عملهم بنفس العزيمة والإصرار، محافظين على موروث مهني توارثته الأجيال، ومؤكدين أن بعض المهن التقليدية ما تزال قادرة على البقاء والاستمرار متى وجدت من يتمسك بها ويحافظ على قيمتها داخل المجتمع.
جطي عبد القادر



