
- استرجاع الأموال المنهوبة ومشاريع كبرى لتجسيد الشراكة مع النيجر وتشاد
ترأس رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، اجتماعاً لمجلس الوزراء، تضمّن جملةً من العروض المتعلقة بمتابعة اتفاقيات التعاون الثنائي مع دولتي تشاد والنيجر، فضلاً عن مناقشة الاستراتيجية الوطنية للوقاية من مرض السرطان ومكافحته في أفق عام 2035. وقد أسفر الاجتماع عن حزمة من التعليمات والتوجيهات الرئاسية التي تمسّ قطاعات حيوية متعددة، من الدبلوماسية الاقتصادية إلى الصحة العامة، مروراً بسلامة المواطن على الطرقات.
افتتح رئيس الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر للوزير الأول على الجهود المبذولة في استرجاع الأموال المنهوبة وإعادة إدماجها في الاقتصاد الوطني، مستشهداً بما تحقق في ولايتي تيسمسيلت وباتنة في قطاع صناعة السيارات، باعتباره نموذجاً يُحتذى به في مسار محاربة الفساد واسترداد المال العام. وأكد الرئيس تبون أن الدولة ماضية في هذا المسار باتساق وحزم دون تهاون أو تراجع، مشدداً على أن استرجاع الأموال المنهوبة ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو التزام وطني راسخ في صميم مشروع بناء الجزائر الجديدة.
السرطان.. معركة وطنية بمقاربة شاملة
في خطوة تُعدّ الأبرز على الصعيد الصحي، كشف مجلس الوزراء عن توجيه رئيس الجمهورية بدراسة إنشاء مستشفى متخصص في علاج مرض السرطان بكل ولاية من ولايات الوطن، في مسعى طموح يهدف إلى تقريب الخدمة الصحية المتخصصة من المواطن أينما كان، والقضاء على معاناة المرضى في التنقل لمسافات بعيدة بحثاً عن العلاج.
وقد جاء هذا التوجيه في سياق اعتماد مقاربة وطنية شاملة لمكافحة السرطان في أفق 2035، تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: الوقاية، والكشف المبكر، والعلاج الفعّال، لا سيما في ظل كون الجزائر توفر رعاية وعلاجاً مجانيين لمرضى هذا الداء الخطير، وهو ما يجعل من تعزيز هذه المنظومة واجباً وطنياً بامتياز.
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الاستراتيجية، توقف رئيس الجمهورية ليوجه شكره لأسرة القطاع الصحي على استجابتهم السريعة في التعامل مع ضحايا حادث سير الحافلة الجزائرية في تونس، إذ جرى نقل المصابين إلى مستشفيات عنابة والطارف في ظروف جيدة وفي وقت وجيز، مثمّناً في الآن ذاته تعاون السلطات الصحية التونسية الشقيقة، في دليل على متانة العلاقات الأخوية بين البلدين.
وعلى صعيد التنفيذ، أمر الرئيس بإنشاء جهاز مخصص للإشراف على توفير وتوزيع أدوية السرطان، لضمان استغلال أمثل للقدرات العلاجية المتاحة ومنع أي اختلال في سلاسل التوريد. كما جدّد توجيهاته لوزارتي التجارة والصحة بالتسريع في تجسيد مخابر مراقبة السلع عند المنافذ الحدودية في الموانئ والمطارات، في إجراء وقائي يستهدف حماية المواطن الجزائري من كل ما قد يُهدد صحته قبل أن تطأ قدمه أرض الوطن.
الجزائر والنيجر.. شراكة استراتيجية تتجاوز الحدود
على صعيد العلاقات مع النيجر الشقيقة، وجّه رئيس الجمهورية بتنويع مجالات التعاون لتشمل القطاعات ذات الأولوية، بما يكفل تحقيق منفعة متبادلة حقيقية بين البلدين، بعيداً عن الشراكات الشكلية التي لا تنعكس على حياة الشعبين. وأولى اهتماماً خاصاً بملف الطاقة، مطالباً بالانتهاء من إنجاز محطة إنتاج الكهرباء في غضون ثلاثة أشهر كحدٍّ أقصى، واصفاً هذا الإنجاز بالتاريخي لما يعكسه من جدية وسرعة في التجسيد الميداني للالتزامات المعلنة.
وفي إطار توسيع آفاق هذه الشراكة، شدد الرئيس على استعداد الجزائر لتعميق دعمها لدولة النيجر الشقيقة في مجال التنقيب واستغلال النفط، انطلاقاً من قناعة راسخة بالانتماء الأفريقي المشترك والعمق الاستراتيجي الذي يجمع البلدين. وفي السياق ذاته، طالب بتعزيز آليات المتابعة والتنسيق المستمر عبر تكثيف الزيارات الوزارية وفتح قنوات اتصال جديدة، لضمان التنفيذ الفعلي لكافة الالتزامات المتفق عليها. ولإعطاء هذه الشراكة بُعدها الإنساني والشعبي، أمر الرئيس بإطلاق شراكة إعلامية مشتركة بين البلدين، تُرافق المشاريع الثنائية وتوصلها إلى الرأي العام في كلا الجانبين.
أما على الجبهة التشادية، فقد حثّ الرئيس تبون على تقوية كافة مجالات التعاون مع تشاد الشقيقة، وإقرار مشاريع اقتصادية جديدة في مجالات الطاقة وتوليد الكهرباء والاستكشاف النفطي، بوصفها ركائز أساسية لبناء شراكة متوازنة ومستدامة. وفي هذا الإطار، أمر بالإسراع في إنشاء مصنع للإسمنت بطاقة إنتاجية تتجاوز مليون طن سنوياً، في مشروع سيُسهم في دعم البنية التحتية التشادية وتعزيز الحضور الاقتصادي الجزائري في المنطقة.
وعلى صعيد البنية التحتية الإقليمية، أولى الرئيس اهتماماً بالغاً لملف الطريق العابر للصحراء، مطالباً بالتكفل الفوري بإنجاز مقطعين منه بمؤسسات جزائرية، لاستكمال الجزء المتبقي في الأراضي التشادية. ويُشكّل هذا المشروع العملاق رافعةً حقيقية لتعزيز التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين، وجسراً يربط الجزائر بعمقها الأفريقي ويعزز دورها القاري المحوري.
وختم مجلس الوزراء أشغاله بتوجيه رئاسي ذي دلالة بالغة في سياق تصاعد حوادث المرور، إذ أمر الرئيس تبون وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل بسحب الحافلات التي تجاوز عمرها 25 سنة من الحظيرة الوطنية في أجل أقصاه ثلاثة أشهر. ويأتي هذا القرار الحازم ردّاً مباشراً على المخاوف المتصاعدة إزاء حوادث النقل المتكررة، ليُرسي معياراً جديداً في منظومة السلامة المرورية، ويُعبّر عن إرادة سياسية صريحة لا تساوم على أرواح الجزائريين وسلامتهم في التنقل اليومي.
جاء هذا الاجتماع ليكشف عن رؤية شاملة ومتكاملة تقودها القيادة العليا للبلاد، تجمع بين تعميق الانفتاح الأفريقي والتكامل الإقليمي من جهة، وتحصين الجبهة الداخلية في مجالي الصحة والسلامة من جهة أخرى، في مسار متواصل نحو بناء جزائر قوية بمؤسساتها، متضامنة مع محيطها، حريصة على كرامة مواطنيها وسلامتهم.
ج.ايمان



