
أمام الاهتمام الكبير الذي توليه السلطات الجزائرية منذ مجيء “عبد المجيد تبون”، رئيسا للجمهورية، للرقمنة والتكنولوجيا الرقمية بإدماجها واعتمادها في كل القطاعات، بدأت جميع المؤسسات العمومية والخاصة الاندماج، في هذا المشروع الذي يجعلها تساير التطورات الحاصلة في العالم.
وفي هذا الإطار، استغلت يومية “البديل”، حضورها الصالون الدولي للصحة والسياحة العلاجية “آمتكس 2026“، الذي جرت فعاليته يومي 5 و6 فيفري الجاري بنزل “آزاد”، والذي عرف استعراض آخر ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة والتكنولوجيات المستعملة.
وقد شهد مشاركة قياسية للمؤسسات التونسية، مقارنة بباقي الدول كالهند، إسبانيا، الأردن، موريتانيا وتركيا. ناهيك، عن المشاركة الواسعة للمؤسسات الجزائرية المهتمة بالسياحة العلاجية والمؤسسات الطبية التي تتكفل بالوساطة بين المريض والمؤسسات الصحية داخل وخارج الوطن. التقت الجريدة الدكتور التونسي “غازي المجبري”، مؤسس مجمع شركات “سمادي” للخدمات الصحية ومؤسس الغرفة الوطنية التونسية الخدمات الصحية، ومؤسس الجمعية التونسية لتطوير علوم الرفاه وعلوم الصحة، فكان هذا الحوار:
ماذا تقصد بعلوم الرفاه؟
الشعور بالرفاه هو أقصى درجات الصحة العقلية، النفسية والجسدية، ويشمل الطب، الاستشفاء بالمياه وكل ما يجعل الإنسان في أفضل حال. كما أن الإنسان يسعى للحصول عليها من خلال فترات النقاهة التي تمنحه مساحة خاصة لاستعادة حيويته وصحته… فهناك مؤسسات صحية مختصة في النقاهة، حيث توفر الخلوة للمريض يخضع فيها إلى راحة تامة بإشراف طاقم طبي خاص.
هل ممكن تفصيل أكثر حول “السياحة العلاجية”؟
الكثير من الأشخاص لا يفرقون بين السياحة الصحية، الطبية والعلاجية. فالسياحة الطبية والعلاجية موجهة للمرضى المحتاجين للطب العصور أو النفسي أي التداوي، بينما الصحة النفسية تشمل الطبية والتداوي بالمياه وكل ما يهم المسنين. فالسياحة العلاجية تشمل العلاج العادي بالتجهيزات كالمنظار، التحاليل.. كما يوجد الطب البديل الذي يخص التداوي بالأعشاب ، الرمال والمياه…
وفي هذا الشأن، ركزت تونس اهتمامها على التداوي بالمياه، وقد حققت نتائج باهرة في المجال، بسبب استثماراتها الكبيرة والتي لقيت إقبالا أوروبيا منقطع النظير، في وقت مازال الاهتمام بالعلاج بالأعشاب محتشما ولم يأخذ حظه بعد، عكس بعض الدول التي تخصه باهتمام كبير كالهند والصين، حيث توجد كليات جامعية تدرس هذا النوع من العلاج، ويتخرج الطالب منها بشهادة دكتور في مجال الطب البديل ومختص في التوليد، إضافة إلى صيدليات ليلة توفر الأدوية البديلة. بينما عندنا مازال تخصصا محترما لكنه غير أكاديمي.
ماذا عن المشاركة التونسية في صالون “آمتكس2026″؟
المشاركة التونسية في التظاهرات الجزائرية تقليدية، نظرا للعلاقة القوية التي تربط البلدين والأخوة بين الشعبين. وفي هذا الصالون، شاركت تونس بالقطاعين العمومي والخاص بمؤسسات في مجال الخدمات الصحية، على غرار الأكاديمية العالمية للطب، التي تكوِّن الأطباء بطريقة حديثة تركز على الجانب التطبيقي بين 10 أيام وسنتين، يخضع خلالها الطبيب إلى تحسين قدراته المهنية ويمنح فرصة الاندماج مع فريق طبي عالمي أو تونسي بالشراكة مع جامعات، مما يعطيه الفرصة لنيل شهادات معتمدة دوليا في مختلف التخصصات التي تكوَّن فيها، على غرار آخر التحديثات في مجال علاج القلب دون جراحة، كذلك طب العيون، مداواة السرطان وغيرها.
ماهي آخر الابتكارات التكنولوجية التونسية المعتمدة صحيا؟
آخر ما توصلت إليه الكفاءة التونسية في عالم الرقمنة والبرمجيات هو التطبيقة الذكية المسماة “وُركيور” WorKior، تخص قطاع “طب العمل”، فهي تقوم بحفظ ومتابعة الملف الصحي والمهني للعامل عبر اعتماد الذكاء الاصطناعي، وهي حاضرة ومشاركة في هذه التظاهرة “آمتكس2026”.
حيث تعتمد هذه التطبيقة “وُركيور” على دمج 3 تطبيقات ذكية تخص (العامل ليطلع على وضعيته، الطبيب والمؤسسة المشغِّلة فيما يخص إدارة الموارد البشرية)، فهي تسهل متابعة الملف الطبي والمهني للعامل، وهي مطابقة للتنظيمات والتشريعات الجزائرية، فقد اعتمدت على تطوير خاص بالجزائر. ومن شأنها، تقديم خدمات أرقى للمؤسسة تسمح لها باختزال الوقت، كسب معلومات أدق وتذكير بالمواعيد والتنبيه والإرشاد.
فهي تذكر الطبيب والمريض بمواعيد الكشف والتنبيه إلى الآجال المحددة، إضافة إلى مواعيد إعادة التأهيل إن وجدت، كما يذكِّر المؤسسة بالاحتياجات الضرورية للعامل كخوذة الرأس والملابس الواقية عندما تكون مهام صعبة وتعرضه للخطر، وتغيير المناصب المهنية… إلخ.
هل يمكن تقديم معلومات أكثر عن المؤسسة الناشئة وتطبيقها “وُركيور”؟
هو تطبيق تونسي خالص، اشتغل عليه 4 إطارات تونسية لها كفاءة عالية في عالم البرمجيات، ويتعلق الأمر باثنين موجودين بتونس وآخرين خارجها، واحد بسويسرا والآخر بفرنسا، ويتعلق الأمر بكل من (مريم غالي، عبد الرحمان الجموعي، مرور معاوي ووائل إبن اللاحيرش).
وقد بدأ العمل بهذا التطبيق الذكي في تونس سنة 2025. ويتم الترويج له بالجزائر لأنه يتوافق مع القوانين المعمول بها في الجزائر، مما يسهل متابعة الملف الشخصي للعامل ويحفظ حقوقه المهنية من خلال ضمه لكل المعلومات الخاصة به (تاريخ دخوله، المستوى المهني، منصبه في المؤسسة، سيرته الذاتية ووضعيته الصحية…)، كما يتابع وضعيته الصحية لدى الطبيب والتغيرات الطارئة عليه، مما يعطيه الفرصة لتلقي العلاج، إمكانية تغيير منصبه إذا كان يشتغل في مهام صعبة أو شاقة وأصبح لا يستطيع المواصلة.
حيث يمنح المؤسسة المشغِّلة له بالمتابعة الدقيقة واتخاذ الاجراءات الضرورية اتجاهه، من خلال تذكيرها بالقوانين السارية حتى لا تهضم حقوق العامل ولا تقع تحت طائلة العقوبات، مما يعزز ثقة العامل في مؤسسته ويزيد من تطورها وتحقيق نتائج أفضل ويساعدها على حسن التسيير.
أين وصل استغلال الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة التونسية؟
عرفت سنة 2025 ما يناهز 300 تظاهرة تناولت إدماج “الذكاء الاصطناعي” في مجال الصحة، لاسيما ما تعلق بالكشوفات الطبية، كما تم إدماجه ضمن البرمجيات الموجودة، وهو ما يحيل التكهن بأن سنة 2026 ستكون سنة إدماج الذكاء الاصطناعي وآخر البرمجيات بامتياز، بعدما عرفت الخمس سنوات الأخيرة اهتماما كبيرا بالتكنولوجيا الرقمية في مجال الصحة.
وقد أدى ذلك إلى خلق الكثير من التطبيقات والبرمجيات على غرار “وُركيور” الخاصة بطب العمل، كما تم إدراجها ضمن الكشف الطبي الذي يسهل على الطبيب تشخيص العلة أو المرض، وذلك لأنه يختصر الوقت ونتائجه أدق من التشخيص التقليدي للطبيب، فسابقا كان يعتمد على تجربة 2000 ملف طبي بينما الذكاء الاصطناعي يعتمد على تجربة 1 مليون ملف مثلا، مما يجعله الأقرب في التشخيص وتحديد المشكل الصحي وفي توقيت وجيز.
كما يمكن التكهن بنفس الدرجة بالنسبة لدولة الجزائر، وذلك تبعا للاهتمام الكبير للجزائريين في المجال بهذا الموضوع، وتركيز نقاشاتهم خلال لقاءاتنا حول التكنولوجيا الرقمية، وهو ما يفتح باب الشراكة واسعا بين البلدين.
كيف هي العلاقات الجزائرية- التونسية في مجال الصحة؟
يعرف قطاع الصحة تعاونا مهما بين تونس والجزائر، سواء على المستوى الرسمي أو العادي، وقد بدأت تتسع اهتماماته لتشمل كل المجالات الطبية، والتي بلغت ميدان الصيدلة الذي تعرف فيه تونس إنتاج 70 بالمائة من الأدوية الموجودة في سوقها، في الوقت الذي تعرف فيه الجزائر تقدما كبيرا في المجال وصل إلى خلق وزارة خاصة بالصيدلة والإنتاج الدوائي.
تطور المجال الصيدلاني بين البلدين يسمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض الأدوية، لاسيما تلك التي عليها الطلب بكثرة، إضافة إلى إمكانية الهيمنة على السوق الإفريقية، خاصة وأن تونس لها عدة مصانع للأدوية بالدول الأفريقية والجزائر لها وزارة خاصة بالصناعة الصيدلانية.
وفيما يتعلق بالتعاون في مجال السياحة العلاجية، فالجزائر اليوم تملك استراتيجية واضحة للوصول إلى العالمية في المجال، من خلال الاهتمام بتطويره عبر توفير آخر التكنولوجيات وأحدث التجهيزات وتكوين الأطقم الطبية، إلى جانب الدعم المكفول للراغبين في الاستثمار في الاستشفاء.
أما بالنسبة لتونس، فتصنفها المنظمة العالمية للصحة في المرتبة الأولى افريقيا كأفضل وجهة سياحية علاجية والثانية افريقيا فيما يخص الإمكانيات المتوفرة بالنسبة للتجهيزات والأطباء، بينما تحتل مراتب بين 30 و38 عالميا كوجهة سياحية علاجية، في الوقت الذي تهمين فيه عربيا وإفريقيا.
كلمة أخيرة؟
نشكر الأشقاء الجزائريين على حفاوة الاستقبال وننوه بالنجاح الذي حققه صالون “آمتكس 2026″، كما نثمن درجة التعاون والشراكة بين بلدينا وما سيكون من نتائج تحقق الفائدة الطرفين في أعقاب بروتوكولات الاتفاقيات الثنائية الممضاة بين وزيري الصحة بتونس والصناعة الصيدلانية بالجزائر، إضافة إلى الشراكة بين منتسبي القطاع الصحي من الجهتين، التي ستحقق نهضة صحية للشعبين وتعزز من التواجد إفريقيا وحتى خارج القارة السمراء، في ظل العمل على تطوير المجال الصحي واعتماد آخر المبتكرات التكنولوجية عالميا.
حاورته: ميمي قلان



