حوار

الفنان التشكيلي “خلباز محمد”…حين يحوّل الصمت إلى لغة من الألوان

في حوار حصري، يروي بداياته مع الفن ويكشف كيف صنعت الارادة والموهبة تجربة فنية متجذرة في التراث والإنسان. وفي عالم الفن التشكيلي، لا تقاس التجارب فقط بعدد اللوحات أو المشاركات الفنية، بل بما تحمله من رسائل إنسانية عميقة، وتجارب شخصية قادرة على تحويل التحديات إلى طاقة إبداعية، وبين ريشة تنبض بالحياة وألوان تختزل مشاعر لا تقال بالكلمات…

يبرز الفنان التشكيلي “خلباز محمد”، كأحد الأسماء التي اختارت أن تجعل من الفن مساحة للحوار مع الذات والمجتمع، ومن اللوحة نافذة تعكس تفاصيل الهوية المحلية والذاكرة الجماعية، حيث ينتمي الفنان إلى جيل من المبدعين الذين آمنوا بأن الفن ليس ترفا بصريا، بل رسالة ثقافية وإنسانية تتجاوز حدود الشكل لتلامس العمق الإنساني.

فمنذ سنواته الأولى، ارتبط بالرسم بوصفه شغفا فطريا، قبل أن تتحول الموهبة إلى مسار أكاديمي ومهني، عبر الدراسة في معهد الفنون الجميلة بوهران، ثم العمل في المجال الثقافي والتكويني، حيث ساهم في تأطير أجيال من الموهوبين وصقل قدراتهم الفنية.

وفي هذا الحوار الحصري، يفتح الفنان التشكيلي “خلباز محمد” أبواب تجربته الفنية، متحدثا عن بداياته الأولى، ومصادر إلهامه، وعلاقته الخاصة بالألوان، إلى جانب رؤيته لدور الفنان في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية، كما يسلط الضوء على تجربته مع المعارض الفنية، ويوجه رسالة خاصة إلى المبدعين الشباب، مؤكداً أن الإبداع الحقيقي يبدأ من الإيمان بالذات وعدم الاستسلام أمام العوائق.

 

كيف تعرف نفسك لقراء الجريدة ؟

بسم الله الرحمان الرحيمّ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا الفنان “خلباز محمد”، متحصل على شهادة التعليم الفني العام من المعهد للفنون الجميلة بوهران، إضافة إلى شهادة تخصص في الألوان الزيتية خلال الموسم 1990/1994، أعمل بمؤسسة دار الثقافة لولاية تيسمسيلت منذ سنة 1995 إلى غاية اليوم، بصفة مستشار ثقافي رئيسي ورئيس فرع الورشات البيداغوجية.

 

كيف كانت بدايتك مع الفن التشكيلي؟ وهل كانت هناك لحظة مفصلية قررت فيها أن يكون هذا مسارك؟

كانت بدايتي مع الفن التشكيلي منذ الصغر، حيث ظهرت لديّ موهبة فطرية في الرسم، وسعيت إلى تطويرها وصقلها بالممارسة والتجربة. وبمحض الصدفة، لفت انتباهي إعلان عن مسابقة للالتحاق بمعهد الفنون الجميلة منشور في جريدة وطنية، فكانت تلك اللحظة بمثابة الانطلاقة الحقيقية في مساري الفني، وفي سنة 1990، التحقت بمعهد الفنون الجميلة بمدينة وهران، حيث تلقيت تكوينا أكاديميا، مكنني من تنمية مهاراتي الفنية واكتساب تقنيات جديدة في الرسم والفنون التشكيلية.

وبعد تخرجي سنة 1994، التحقت بدار الثقافة سنة 1995 بصفة منشط ثقافي في ورشة الفنون التشكيلية، حيث أشرفت على تعليم وتكوين الراغبين في هذا المجال، من خلال تقديم دروس تطبيقية تعتمد على التقنيات التي اكتسبتها خلال فترة دراستي بالمعهد. كما أواصل تأطير ورشات تعليمية موجهة للأطفال والشباب، من بينها ورشات تقنية “الأوريغامي”، بهدف تنمية الحس الإبداعي وصقل المواهب الفنية لديهم.

 

من أين تستمد مواضيع أعمالك الفنية؟

أستمدّ مواضيع أعمالي الفنية من تراث منطقتنا، أي من العادات والتقاليد والزيّ التقليدي، بالإضافة إلى الفلكلور الشعبي الذي يعكس هوية مجتمع الونشريس، كما أستلهم أعمالي من تفاصيل الحياة الاجتماعية البسيطة، البورتريهات، والمشاعر الإنسانية التي تعبّر عن واقع الإنسان وأحاسيسه.

 

كيف تصف علاقتك باللون؟

علاقتي باللون علاقة وجدانية عميقة، فأنا أرسم والوّن وفق ما تمليه عليّ حالتي النفسية، ورغم أنني لا أسمع الأصوات، فإنني أحوّلها في مخيلتي إلى ألوان وأحاسيس بصرية، فاللون بالنسبة لي هو وسيلة تواصل مع الآخرين، واللوحة هي حوار مع المحيط والنخبة الفنية، وقد عوضني الله تعالى عن فقدان السمع بقوة الملاحظة، والقدرة على التعمق في معاني الأشياء، لذلك يصبح تعاملي مع الألوان رسالة ذات أبعاد اجتماعية وبيئية، أحاول من خلالها عبر الريشة، إبراز جمالية البساطة وقوة الألوان في التعبير عن المشاعر والواقع.

 

ما المدرسة الفنية الأقرب إليك؟ وهل تصنف نفسك ضمن تيار معين؟

لو فتشت في زوايا لوحاتي وبين ثنايا ضربات الفرشاة، ستجد أنني لا أُقيد ريشتي في قالب واحد، غير أنني أجد نفسي أقرب إلى المدرستين الانطباعية والتعبيرية. أنا فنان أؤمن بأن الفن يبدأ من محاكاة الطبيعة والإنسان، لكنني لا أنقل الواقع نقلاً فوتوغرافيا جامدا، هنا يأتي دور الانطباعية والتعبيرية؛ إذ أتدخل في اللون والضوء لأبث في اللوحة مشاعري الخاصة ورؤيتي الذاتية، فأنا لا أرسم الأشخاص أو الطبيعة فقط، بل أصنع حوارا مع الألوان وانسجاما في مزجها داخل اللوحة.

كما أستخدم أحيانا، ألوانا دافئة وقوية للتعبير عن حرارة العاطفة والارتباط بالأرض، وهو ما يجعل اللوحة تنبض بالحياة والحركة، بدل أن تكون مجرد نقل جامد للمشهد ببساطة وقوة الألوان، في التعبير عن المشاعر والواقع.

 

كيف ترى دور الفنان التشكيلي اليوم في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية؟

باختصار، أرى أن الفنان التشكيلي اليوم يمثل “بوصلة” في خضم التحولات الاجتماعية والثقافية، فوسط ضجيج الحياة وتسارع التغيرات، تظل اللوحة مساحة هادئة للتأمل، تذكرنا بهويتنا، ومن نحن، وإلى أين نمضي، نحن لا نرسم فقط ما تراه أعيننا، بل نجسد أيضا ما نشعر به تجاه ما يحدث حولنا، ونترجم الأحاسيس والرؤى إلى لغة بصرية تعبر عن الإنسان والمجتمع.

 

هل ساعدتك المعارض الفنية في تطوير تجربتك؟ وكيف تصف علاقتك بالجمهور؟

تعد المعارض الفنية نقطة تحول حقيقية في مسيرة أي فنان، وبالنسبة لي، وباعتباري فنانا مرتبطا بالبيئة والأرض، فإن المعرض ليس مجرد فضاء تعلق فيه اللوحات، بل هو منصة للتواصل تثري التجربة الفنية وتدفع بها نحو آفاق جديدة، فقد كانت المعارض بالنسبة إلي أكثر من مجرد عرض للأعمال؛ إذ منحتني فرصة للتعبير بروح الفنان، وشكلت لحظة مكاشفة مع الذات ومع الجمهور. أما علاقتي بالجمهور، فأصفها بالعلاقة الصادقة والقريبة، لأنني أؤمن بأن الفن الحقيقي يصل إلى الناس بالمشاعر قبل الكلمات، وأدرك دائما حجم الأمانة التي أحملها بين ريشتي وألواني.

 

كلمة أخيرة تختتمون بها الحوار؟

أشكركم على هذه الاستضافة الكريمة التي تسلط الضوء على الحراك الثقافي والفني في منطقتنا، وتمنح للفنانين مساحة للتعريف بتجاربهم وإبداعاتهم، ونصيحتي لكل مبدع ناشئ هي ألا يتوقف عن صقل موهبته، وألا يجعل أي إعاقة أو عائق حاجزاً أمام طموحه، فالمخيلة الحرة هي القوة الحقيقية التي تصنع الفارق وتترك بصمة خالدة للأجيال. كما أتمنى استمرار الدعم والرعاية لكل الطاقات الإبداعية في الجزائر.

وأود أن أؤكد أن الفن، ليس مجرد لوحة تعلق أو هواية تمارَس، بل هو رسالة إنسانية نبيلة، وتحدٍّ حقيقي لمواجهة الظروف والصعوبات وتحويلها إلى مساحات من الجمال والإبداع. وفي الختام، أجدد شكري لكم على هذا الحوار الممتع، وأتمنى أن نلتقي دائما في محافل الفن والثقافة والإبداع.

حاوره: عبد القادر جطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى