
في الجزائر، تزخر مختلف المناطق بحرف تقليدية متنوعة، تشكل في مجموعها ثروة ثقافية لا تقدر بثمن، ومن بين هذه الحرف، تبرز صناعة “السلالة من الدوم والحلفاء”، كإحدى الممارسات العريقة التي ارتبطت بالبيئة المحلية.
حيث تعتمد على نباتات طبيعية مثل الدوم والحلفاء، وتحتاج إلى مهارة يدوية عالية وصبر طويل، لتحويل هذه المواد البسيطة إلى منتجات ذات قيمة استعمالية وجمالية. ووسط هذا المشهد، يبرز إسم الحرفي “لولاح معمر”، من بلدية عماري لولاية تيسمسيلت، الذي اختار أن يسلك طريق الوفاء لهذا التراث، ولم يتعامل مع هذه الحرفة كمجرد نشاط يومي، بل جعل منها رسالة يحملها بكل فخر، وسعى من خلالها إلى الحفاظ على إرث عائلي وثقافي، والعمل على نقله إلى الأجيال القادمة.
في هذا الحوار، نقترب من هذا العالم الهادئ المليء بالإبداع، ونستكشف تفاصيل تجربة إنسان كرس حياته لحرفة تقليدية، مؤمنا بأنها جزء لا يتجزأ من هويتنا الجماعية.
في البداية، نود أن تعرف بنفسك لقراء الجريدة؟
أنا “لولاح معمر”، من مواليد 19 أفريل 1963 ببلدية عماري” التابعة لولاية تيسمسيلت، أعمل حرفيا في مجال صناعة السلالة من الدوم والحلفاء، وهي من الحرف التقليدية التي أعتز بها كثيرا، لما تحمله من قيمة تراثية وثقافية كبيرة، كما أنني حزت على بطاقة حرفي، صادرة عن غرفة الصناعة التقليدية والحرف لولاية تيسمسيلت في سنة 2019، وهو ما يمنحني الإطار الرسمي لممارسة هذه الحرفة، ويعكس التزامي بالحفاظ على هذا التراث.
كيف كانت بدايتك مع هذه الحرفة؟
تعود بدايتي مع هذه الحرفة إلى سنة 1982، حين بدأت أتعلم أساسياتها على يد والدي، الذي كان يمارسها باحترافية كبيرة، كنت أرافقه بشكل دائم، أراقب كل تفاصيل العمل، من تحضير المواد الأولية إلى مراحل النسج والتشكيل، في البداية كنت أكتفي بالملاحظة، ثم شرعت تدريجيا في مساعدته في بعض الأعمال البسيطة، ومع مرور الوقت، اكتسبت الخبرة والمهارة، وأصبحت قادرا على إنجاز منتجات كاملة بمفردي، هذه الحرفة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة، بل هي إرث عائلي أعتز به كثيرا، وأسعى بكل جهدي للحفاظ عليه، لأنه يمثل جزء من تاريخ عائلتي ومن هويتي الشخصية.
هل شاركت في تظاهرات أو معارض؟
نعم، كانت لي عدة مشاركات في تظاهرات ومعارض محلية ووطنية، وهي تجارب أعتبرها مهمة جدا في مسيرتي المهنية، هذه المشاركات مكنتني من عرض منتجاتي أمام جمهور واسع، والتعريف بهذه الحرفة التقليدية، خاصة لدى فئة الشباب الذين قد لا يعرفون الكثير عنها.
من بين أبرز هذه المشاركات، المعارض التي تنظمها غرفة الصناعة التقليدية والحرف، بالإضافة إلى مشاركتي في فعاليات شهر التراث بولاية تيسمسيلت، كما شاركت في الصالون الوطني للسلال والدوم بولاية سعيدة، إلى جانب معارض أخرى بولاية تيارت. هذه الفعاليات، تعتبر فضاء مهما للحرفيين، حيث تتيح لهم فرصة تبادل الخبرات، والتعرف على تجارب الآخرين، كما تساعد في تسويق المنتجات التقليدية وإبراز قيمتها.
كيف تنظر إلى حرفة صناعة السّلال من الدوم والحلفاء ؟
أرى في هذه الحرفة رمزا حقيقيا للأصالة والتراث، فهي تعكس نمط حياة الأجداد، وطريقة تعاملهم مع الطبيعة، كانوا يعتمدون على ما توفره البيئة من مواد أولية، ويحولونها بمهاراتهم إلى أدوات تلبي احتياجاتهم اليومية، هذه الحرفة تحمل قيما ثقافية عميقة، مثل الصبر والدقة والإبداع، الحفاظ عليها ليس خيارا، بل هو واجب، لأنها جزء من هويتنا الوطنية،إذا فقدنا هذه الحرف، فإننا نفقد جزء مهما من ذاكرتنا الجماعية.
ما هي الأدوات والمواد التي تعتمد عليها في عملك؟
أعتمد في عملي على أدوات بسيطة، أهمها الإبرة كبيرة الحجم المخصصة للنسيج اليدوي، وبعض الوسائل التقليدية التي تساعد في تشكيل المنتوج، أما المواد الأولية، فأعتمد أساسا على الدوم والحلفاء، وهما من النباتات الطبيعية التي تتميز بالمتانة والمرونة، هذه المواد تمنح المنتوج طابعا تقليديا أصيلا، كما أنها صديقة للبيئة، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة في الوقت الحالي، في ظل الاهتمام المتزايد بالمنتجات الطبيعية.
هل يتطلب إنجاز المنتوج وقتا طويلا؟
نعم، العمل اليدوي يتطلب وقتا وجهدا كبيرين، ولا يمكن مقارنته بالإنتاج الصناعي، مدة إنجاز المنتوج تختلف حسب نوعه، لكنها تتراوح عادة بين يوم واحد و4 أيام، هذا الوقت يعكس حجم الدقة والتركيز المطلوبين، لأن كل قطعة تصنع بعناية كبيرة، وهذا ما يمنحها قيمتها، المنتوج التقليدي ليس مجرد سلعة، بل هو عمل فني يحمل بصمة الحرفي.
كيف يتم جلب المواد الأولية مثل الحلفاء والدوم؟
يتم جلب هذه المواد من المناطق الجبلية، خاصة من جبال عماري ودوار النواصر. هذه العملية، تتطلب مجهودا بدنيا كبيرا، حيث نقوم بقطع النباتات وتجفيفها، ثم نقلها إلى مكان العمل، التنقل إلى هذه المناطق ليس سهلا، خاصة في بعض الظروف، لكن رغم ذلك، أواصل العمل بإصرار، لأن حبي لهذه الحرفة يدفعني إلى الاستمرار.
حدثنا عن مختلف منتوجاتك الحرفية؟
أقوم بصناعة مجموعة متنوعة من المنتجات، منها القفف والسلال والمضال والمكانس، وهي تصنع أساسا من الدوم. كما أصنع منتجات أخرى مثل (الكسكاس، الأطباق والغربال)، باستخدام مزيج من الدوم والحلفاء. هذه المنتجات ليست فقط للاستعمال اليومي، بل تحمل أيضا طابعا جماليا يعكس مهارة الحرفي وإبداعه، فكل قطعة تحمل لمسة خاصة.
ما هو طموحك المستقبلي؟
طموحي الأكبر هو نقل هذه الحرفة إلى الأجيال القادمة، لأنني أؤمن بأنها كنز حقيقي يجب الحفاظ عليه، إذا لم نقم بتعليم الشباب هذه الحرفة، فإنها ستندثر مع مرور الوقت.
كلمة أخيرة تختم بها هذا الحوار؟
في الختام، أتوجه بجزيل الشكر إلى الجريدة “البديل”، على اهتمامها بالحرفيين وتسليط الضوء على هذا التراث الأصيل، كما أشكر الأستاذ “عبد القادر” على هذه المبادرة الطيبة، وأتمنى لكم دوام التوفيق والنجاح في مهامكم، ومزيدا من التألق في خدمة الإعلام الهادف.
حاوره : جطي عبد القادر



