حوار

الخبير الاستشاري “محمد خدام”، في حوار لـ”البديل”:

%20  من الإنفاق الأسري تنتهي في القمامة

 

  • رمضان 2025 عرف رمي 6,5 طن من الخبز

 

تحولت أكوام الطعام التي تغلب عليها مادة “الخبز” المتراكمة بمكبات النفايات، إلى ظاهرة سلبية ترافق شهر رمضان الكريم كل سنة، ورغم الحملات التوعوية والتفاعلية التي تقوم بها السلطات والمجتمع المدني، إلا أن “تبذير الطعام” أصبح مرادفا للمناسبات.

ولتسليط الضوء أكثر على هذه ظاهرة “التبذير وهدر الطعام”، ومحاولة البحث عن أسبابها وكيفية محاربتها، تواصلت يومية “البديل” مع “محمد خدام”، الخبير الاستشاري في المسؤولية الاجتماعية للشركات ورئيس “اللجنة الدائمة للمواطنة” المنضوية تحت “المنظمة الجزائرية للبيئة والتنمية والمواطنة”، وأجرت معه هذا الحوار:

 

صح رمضانكم، هل يمكنكم توضيح أسباب تحول “تبذير الطعام” إلى “مشكلة مهمة”؟

يُعدّ تبذير الطعام مشكلة خطيرة في الجزائر، لأنه يعكس هدرًا للموارد الثمينة وتفاوتًا اجتماعيًا صارخًا. فنحن دولة نامية، ومع ذلك نهدر أو نبذر كميات كبيرة من الطعام، لاسيما خلال شهر رمضان، حيث ترتفع نسبة النفايات المنزلية بنسبة 10 بالمائة. وعلى الرغم من حملات التوعية، تُرمى أطنان من الطعام وخاصة الخبز، بسبب الإفراط في الاستهلاك والتبذير. وتظهر المعطيات أرقاما مُقلقة: إذ تُنفق الأسر ما يصل إلى 60 بالمائة من رواتبها على الطعام، وينتهي 20 بالمائة منها في القمامة، بينما يُهدر ما بين 3000 و4000 رغيف خبز يوميًا، مع زيادة قدرها 6,5 أطنان من الخبز المهدر خلال الأسبوعين الأولين من رمضان 2025.

ويُعرَّف هدر الطعام، بأنه فقدان أو تلف الطعام المُعدّ للاستهلاك البشري، وذلك في مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد الغذائي، بدءً من الحصاد، وصولا إلى الاستهلاك، مرورًا بالنقل والتصنيع والتوزيع، وتتعدد أسباب الهدر في إيحاء إلى أننا لم نُدرك بعد أهمية إدارة الموارد.

 

ما هي العوامل الرئيسية المساهمة في هذا الهدر أو التبذير؟

ينبع اهتمامنا في المنظمة الجزائرية للبيئة والتنمية والمواطنة بـ “هدر وتبذير الطعام” من مصدرين، أولهما من منظور الاستدامة، إذ يُعدّ هدر الطعام مشكلة استهلاكية ذات آثار سلبية على الموارد الطبيعية. ثانيهما، من وجهة نظر أكاديمية، حيث يثير استغرابنا قلة الأبحاث التي تُجريها الجامعات حول سلوك المستهلك فيما يتعلق بالهدر، وخاصة هدر الطعام.

أما بخصوص العوامل المساهمة في تبذير الطعام، فهناك عدة عوامل:

أولًا، تُعزى هذه المشكلة إلى عادات الاستهلاك، فنحن نعيش في ثقافة الوفرة، حيث نشتري ونستهلك دون تفكير.

ثانيًا، هناك نقص في الوعي بأهمية الحد من هدر وتبذير الطعام، فيجب أن يُدرك الناس أن كل رغيف خبز يُرمى يُمثل خسارة للمجتمع.

أخيرًا، غالبًا ما تكون البنية التحتية للتخزين والتوزيع غير كافية، مما يؤدي إلى خسائر كبيرة.

 

يبقى شهر رمضان أكثر مناسبة تشهد تبذير الطعام، لماذا؟

يعد شهر رمضان شهرٌ للكرم والعطاء، ولكنه أيضاً وقتٌ تجتمع فيه العائلات وتستهلك كمياتٍ أكبر من الطعام. وللأسف، غالباً ما يؤدي ذلك إلى تبذير كميات كبيرة من الطعام، بسبب شراء الناس لكمياتٍ زائدةً من الطعام، وغالباً ما تُرمى بقايا الطعام.

وينبع تبذير الطعام بشكلٍ أساسي من سوء التخطيط (الإفراط في الشراء وعدم التنظيم)، والارتباك بشأن تواريخ انتهاء الصلاحية، ورفض المنتجات التي لا تبدو جذابةً للعين. كما يتفاقم الأمر بسبب سهولة الحصول على المنتجات، ونسيان بقايا الطعام في الثلاجة، وسوء ظروف التخزين.

وفيما يلي الأسباب الرئيسية بالتفصيل:

ـ إدارة المشتريات والوجبات: شراء كميات زائدة (العروض الترويجية، وعدم وجود قائمة تسوّق)، وسوء تقدير الكميات، وعدم التخطيط لطهي بقايا الطعام.

ـ الخلط بشأن تواريخ انتهاء الصلاحية: غالبًا ما يتخلص المستهلك من المنتجات كإجراء احترازي، حتى وإن كانت لاتزال صالحة للأكل، وذلك لخلطه بين تاريخ “الاستخدام قبل” وتاريخ “الأفضل قبل”.

ـ التخزين والحفظ: يُخزّن الطعام أحيانًا بطريقة خاطئة (في الثلاجة، أو في مكان غير مناسب) أو يُنسى في الجزء الخلفي من الثلاجة أو الخزانة، مما يؤدي إلى تلفه.

ـ المعايير الجمالية: غالبًا ما تُرمى الفواكه والخضراوات غير الكاملة (من حيث الشكل أو اللون) أو التالفة، حتى وإن كانت سليمة تمامًا، وذلك لأسباب جمالية في كثير من الأحيان.

 

 ما هي آثار هدر وتبذير الطعام على المجتمع الجزائري؟

الآثار عديدة ومتعددة، أولًا، هناك أثر اقتصادي، إذ يُمثل هدر الطعام خسارةً لموارد كان من الممكن استخدامها لتحسين حياة الفئات الأكثر ضعفًا. ثانيًا، هناك أثر بيئي، حيث يُساهم هدر الطعام في التلوث وتغير المناخ. وأخيرًا، هناك أثر اجتماعي، إذ غالبًا ما يعكس هدر الطعام مجتمعًا لا يُقدّر قيمة الغذاء والموارد حق قدرها.

 

 هل هناك مبادرات لمكافحة هدر الطعام في الجزائر؟

نعم، هناك العديد من المبادرات، أبرزها تلك التي تقودها الوكالة الوطنية لإدارة النفايات، والجمعيات، ومنظمتنا، والتي تعمل على جمع الطعام ونشر الوعي. كما توجد مبادرات محلية تهدف إلى إعادة تدوير واستخدام مخلفات الطعام. ورغم أن هذا أمر مُشجع، إلا أنه ما يزال هناك الكثير مما يجب فعله.

 

 ما الذي يُمكن للجزائريين فعله للحد من هدر الطعام؟

يُمكن للجزائريين فعل الكثير. أولًا، يُمكنهم التخطيط لوجباتهم وشراء ما يحتاجونه فقط. ثانيًا، يمكنهم مشاركة أي فائض مع المحتاجين. وأخيرًا، يمكنهم توعية عائلاتهم وأصدقائهم بأهمية الحد من هدر الطعام. كل جهد يُحسب، وإذا تعاونّا معًا، يُمكننا إحداث فرق.

 

 شكرًا لكم على تسليط الضوء على هذه القضية المهمة. ما هي كلمتكم الختامية؟

تدعو “المنظمة الجزائرية للبيئة والتنمية والمواطنة”، إلى إعادة النظر في مفهوم الاستهلاك وإعادة تعريفه، ونشجع من خلالها الجميع للمشاركة قصد إيجاد سبل لتعزيز شعورنا بالانتماء إلى وطننا المشترك، الذي يجب علينا جميعًا أن نتحمل مسؤوليتنا اتجاهه، وذلك في حياتنا اليومية.

إن إعادة النظر في الاستهلاك من أجل رفاهية الجميع، تعني ترشيد أفعالنا ومراجعة خياراتنا بشكل شامل، أي تجاوز القيود والأذواق الفردية، مع مراعاة تأثير مشترياتنا على تعزيز أو إضعاف حقوق الإنسان، وظروف العمل اللائقة، واستخدام الموارد، والإرث الذي نتركه للأجيال القادمة. يُنشئ الاستهلاك علاقة متبادلة بين كل فرد منا والآخرين، وبين كل فرد منا والطبيعة. فالاستهلاك ليس فعلًا مجهولًا، كما قد يبدو للوهلة الأولى، إنه يخلق علاقة غير محايدة.

وأخيرًا، أود أن أقول إن هدر الطعام مشكلة تهمنا جميعًا، وقد حان الوقت لتغيير عاداتنا. علينا أن نُقدّر قيمة الغذاء والموارد، وأن نعمل معًا للحدّ من هدر الطعام، إنه تحدٍّ، ولكنه أيضًا فرصة لخلق مجتمع أكثر تضامنًا ومسؤولية.

حاورته: ميمي قلان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى