
في سباقٍ مع الزمن، شرع مدير التربية السيد “حمه نجم الدين”، في إعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع، بغية معالجة التراكمات التي مست عدة جوانب، خاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بعملية التدريس، وعلى رأسها تعديل الخرائط التربوية، التعيينات، تسوية الوضعيات الإدارية والمالية العالقة.
حيث وجد نفسه أمام ملفات تحمل تراكمات ظلّت عالقة لسنوات، وأن أغلب المعالجات كانت آنذاك ترقيعية، مما أثر على عملية ضبط الخرائط التربوية وعدم تحيينها بما يتماشى مع الواقع الديمغرافي والتوسع العمراني.
حيث فاق عدد التلاميذ المتمدرسين للسنة الدراسية 2026 (330 ألف) تلميذ، في المستويات الثلاث ابتدائي، متوسط وثانوي. وبعدد يفوق 27 ألف موظف، مما انعكس سلبًا على التوازن في التأطير البشري وتوزيع الهياكل. ورغم حساسية الوضع، باشر المسؤول الجديد مقاربة عملية، قائمة على التشخيص الدقيق والقرارات الإيجابية الفورية، واضعًا نصب عينيه مصلحة التلميذ والمؤسسة.
ومن بين أبرز الورشات التي فتحها للمعالجة، إعادة ضبط الخريطة التربوية بما يضمن عدالة التوزيع، الحد من الاكتظاظ، وتحقيق النجاعة في استغلال الموارد البشرية. وقد رافق ذلك تصحيح في التعيينات، مع مراعاة الكفاءة والاستقرار المهني، في خطوة لاقت ارتياحًا وسط الأسرة التربوية التي طالما طالبت بالإنصاف والشفافية.
وفي المقابل، عمد إلى إحياء الأنشطة المدرسية، بتفعيل مكتب النشاط وأعطى بذلك نفسًا جديدًا للرياضة المدرسية بعد سنوات من التراجع، حيث تم إطلاق وتفعيل تظاهرات رياضية وتربوية على غرار العدو الريفي المدرسي، إلى جانب دعم أولمبياد الرياضيات وغيرها من الأنشطة العلمية، بهدف اكتشاف المواهب، وتنمية لروح التنافس الإيجابي، وتحفيز التلاميذ على هكذا أنشطة.
إحصاء شامل لعدد معتبر من المدارس
ولم تغب الهياكل التربوية عن برنامج الإصلاح، إذ تم الشروع في إحصاء شامل لعدد معتبر من المدارس، قصد برمجة عمليات الترميم والصيانة، خاصة تلك التي تعاني من اهتراء البنية التحتية. وتندرج هذه الخطوة، ضمن رؤية شاملة لتحسين ظروف التمدرس وتوفير بيئة تعليمية لائقة وآمنة.
وعلى الصعيد الإداري والمالي، قام بفتح ملف تسديد جميع المخالفات العالقة، بما فيها تلك المتعلقة بـالدخول الولائي، الدرجات والترقيات، في مسعى لإعادة الاعتبار للموظف التربوي وضمان حقوقه المهنية. وقد أكدت مصادر من داخل المديرية، أن العملية تسير وفق رزنامة مضبوطة، مع الالتزام بالقوانين والتنظيمات المعمول بها.
وكل هذه التحركات المتسارعة لمدير التربية، تعكس إرادة حقيقية في الوقوف على كل صغيرة وكبيرة، مما يجعل الكل متأهب لبعث ديناميكية جديدة داخل القطاع، أساسها العمل الميداني، الإنصات لانشغالات الشركاء الاجتماعيين، وإعادة الثقة بين الإدارة والمنتسبين إليها.
فما عبر تكتل النقابي في بيان موحد، تسلمت “البديل” نسخة منه عن ارتياحه للمبادرات المتخذة من قبل مسؤول الأول على القطاع، كما ثمنوا خرجاته لمختلف المؤسسات التربوية والوقوف بنفسه على واقعها، وعلى واقع ظروف التدريس سواء المتعلم أو المعلم في التفاتة تعكس مدى الحرص المسؤول، وعلى الأهمية التي يولونها كتكتل.
كما كشفت ذات المصادر التكتل النقابي عن فحوى اللقاءات الرسمية، التي جمعتهم بمدير التربية، وأن الأخير عبّر بوضوح عن رؤيته لإدارة القطاع، مؤكدًا أن قدومه لم يكن بهدف إقصاء هذا أو استبدال ذاك بهذا، بل من أجل العمل الجاد والارتقاء الحقيقي بقطاع التربية، في إطار مقاربة تشاركية تُراهن على الكفاءة والنتائج.
وحسب ذات المصادر النقابية، شدّد مدير التربية خلال اللقاء، على أن باب الفرصة سيكون مفتوحًا أمام الجميع دون استثناء، من أجل إثبات قدراتهم التشاركية بما ينفع المتعلم والمعلم على الحد السواء، ومساهمتهم الفعلية في تحسين أداء القطاع، معتبرًا أن المرحلة الحالية تفرض تجاوز منطق الولاءات والاعتبارات الشخصية، وتعويضه بثقافة العمل، الجدية وتحمل المسؤولية.
وأكد المسؤول الأول عن القطاع على المستوى الولائي، أن أي حركة تغيير أو إعادة تنظيم ستتم وفق معايير موضوعية وشفافة، أساسها الأداء والمردودية، بما يضمن تحقيق العدالة المهنية ويُسهم في إحداث ديناميكية إيجابية داخل المؤسسات التربوية والإدارية على حد سواء. وأضاف، وفق ما نقلته المصادر النقابية، أن الهدف الأسمى هو الارتقاء بالمدرسة الجزائرية، وتحقيق نتائج مشرفة، تعكس حجم الجهود المبذولة من طرف جميع الفاعلين في الميدان.
وفي السياق ذاته، أشار مدير التربية بأنه يستوجب إشراك الشركاء الاجتماعيين والاستماع لانشغالات المستخدمين، والعمل على إيجاد حلول عملية وواقعية للمشاكل العالقة، سواء تعلق الأمر بالوضعيات المهنية والتنظيمية وحتى البيداغوجية.
كما أكد بحسب ذات المصادر، أن نجاح أي إصلاح مرهون بحسن توظيف الوسائل البشرية والمادية المتاحة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، مع اعتماد آليات تقييم نزيهة تسمح بقياس الأداء الحقيقي، وتمنح الفرصة للكفاءات الصامتة التي ظلت لسنوات بعيدة عن دوائر القرار.
وقد لاقت هذه التصريحات ارتياحًا نسبيًا لدى ممثلي التكتل النقابي، واعتبروا هذا التوجه خطوة إيجابية نحو تكريس مناخ من الثقة داخل القطاع، شريطة أن تُترجم هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، تعيد الاعتبار للعمل التربوي، وتضع حدًا لحالة الترقب التي طبعت المرحلة السابقة.
ويبقى الرهان، حسب متابعين للشأن التربوي، معقودًا على مدى قدرة الإدارة الجديدة على تجسيد هذه الرؤية في الميدان، وتحويل خطاب الإصلاح والإنصاف، إلى ممارسة يومية تعود بالنفع على الأستاذ، التلميذ والمؤسسة التربوية ككل، في سبيل مدرسة فعّالة وقادرة على مواجهة التحدي.
ج.غزالي



