
تعتبر السياحة الداخلية من مؤشرات التطور الثقافي والمعرفي للمجتمع المحلي، باطلاعه الواسع على جغرافية بلده واكتشاف تقاليد وتراث مناطقها، ويعزز ارتباطه بتاريخها ويجعله يفتخر بهويته ونسبه وعمله على الترويج لكل ما يرمز له عند الآخرين، في تسويق راق لصورة بلده، وهو ما يجعل “المرصد الوطني للسياحة والفندقة”، الذي أنشئ في فيفري 2024، يعمل على تطوير السياحة الداخلية والارتقاء بها. وللتعرف أكثر على مهام وأهداف هذه الهيئة غير الحكومية، التقت جريدة “البديل”، “أمين مهال”، رئيس المرصد الوطني للسياحة والفندقة، فكان هذا الحوار:
أهلا، ما هي الأسباب التي دفعتكم لإنشاء المرصد الوطني للسياحة والفندقة؟
- مرحبا، بداية أشكركم على اهتمامكم بهذا الملف المنضوي تحت قطاع السياحة والصناعة التقليدية، الذي مازال يسعى لإرساء معالمه لدى الفرد الجزائري، من أجل تغيير المفاهيم وتوسيع الفكر حول معنى السياحة.
هناك الكثير من الأشخاص يربطون السياحة بمغادرة الحدود الجغرافية الجزائرية والتوجه إلى دول أخرى، حتى يشعر أنه قام بالسياحة فعلا. غير أن الحقيقة والمنطق أن السفر من منطقة الإقامة والحياة اليومية والتوجه إلى منطقة أخرى وإن كانت بجوارها، لكنها تكشف مناظر أخرى وتقاليد جديدة بها غير تلك التي ألفها الفرد في حياته العادية، تعتبر سفرا وسياحة لأنها غيرت بعض الشعور لديه وعززت مداركه بمعلومات جديدة، وأعطته الفرصة للتعرف على معطيات ومعلومات لم يكن ليعرفها، لولا أنه تنقل إليها وعاش حيثياتها.
وبخصوص سؤالكم، فقد كانت البداية لنا مع تنظيم آخر في مجال السياحة، وبعد دراسة شخصية قمت بها بنفسي، وجدت أن السياحة الداخلية مازالت تحتاج إلى اهتمام واسع لأنها تنطوي على عدة مزايا، فهي تصقل عنصر التواصل والاتصال لدى الفرد، وتعزز معلوماته وتصحح له بعض المعطيات أو النظرة السلبية التي له عن المنطقة أو سكانها، كما أن هذا المرصد يقرب الهياكل الفندقية من المواطنين، ويزيد من نشر النشاطات السياحية بمختلف المناطق حتى تزيد ديناميكية السكان وتكثف من النشاطات لاسيما العادات والتقاليد والترويج للثقافة المحلية، ما يعني أن عجلة التنمية نتقدم بسرعة أكبر.
كيف يتم ذلك؟
- المرصد الوطني للسياحة والفندقة يضم عدة هيئات، تسمح له بمعالجة ومتابعة كل ما له علاقة بالسياحة الداخلية، كأن يجتمع بالبلديات، يتناول خلالها ملفات حول المحيط العام ومظهره، المشاكل التي تواجه الآثار والمواقع التاريخية، وضعية الحرفيين ونشاطاتهم، الصورة العامة للمواقع التي تستقبل الزوار… وذلك بتشريح كل موضوع ودراسة عوائقه وطرح الحلول كمقترحات من أجل إعطاء صورة جميلة وتسويق فكرة راقية عن البلدية وسكانها.
وكذلك التواصل مع المواطنين بالبلدية، من أجل تحسيسهم وتوعيتهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، من خلال ضرورة تعاملهم الإيجابي مع قاصديهم من خارج بلديتهم، سواء للسياحة أو فضاء مآربهم، ووجوب حفاظهم على نظافة المحيط وحرصهم على التكفل بالمساحات الخضراء وجمالية المحيط، مع دعوتهم إلى العمل على ممارسة النشاطات التقليدية والحرف، لأنها تجلب الزوار وتسوق لسمعتهم. وهكذا، فالمرصد يركز على الجانب الاتصالي والتواصل مع مختلف الأطراف لأن السياحة تحتاج إلى كل القطاعات وجميع الذين يشغلون المكان.
لكن هياكل الاستقبال تبقى أكثر العوائق أمام السياحة الداخلية (ارتفاع الأسعار مقابل ضعف الخدمات)، كيف تعالجون هذا المشكل؟
- نحن كمرصد وطني للسياحة والفندقة، لا يمكننا التدخل في مسألة التسعير، إنما لنا طريقة أخرى تتمثل في رفعنا للشكاوى، إذا اكتشفنا تلاعبا في الأسعار، مثلا عدم الالتزام بنفس سعر الخدمة مع النزلاء أو الزوار، نقص في عنصر النظافة، سوء التعامل مع الزبائن، الإخلال بتعهدات المؤسسة السياحية… ويمكننا حتى التوجه إلى القضاء، لأن الزبون له حق في تلقي معاملة جيدة وظروف ملائمة لإقامته.
لكن بخصوص الأسعار، فإن صاحب الهيكل الفندقية أكيد قام بدراسة جدوى قبل تحديدها، وذلك لتحقيق أرباح مالية، وكل مستثمر يعرف ما يناسبه حسب المنطقة التي يقعد فيها هيكله السياحي، لكن يبقى ازدياد عدد هذه المرافق السياحية هو الذي يؤدي إلى خفض الأسعار في إطار التنافسية بينها، لأن كثرة المطاعم بمنطقة معينة يسمح لجميع الزوار على اختلاف قدراتهم الشرائية بالاستفادة من الخدمات التي يرغبون فيها، عكس المناطق التي تضم مرافق سياحية محدودة، فإن الأسعار فيها قد لا تناسب الكثيرين.
مع التذكير، بأن معظم المستثمرين السياحيين خاصة أصحاب الفنادق، تكون الدولة على اتفاق معهم لإرجاع الديون التي تقدر بالملايير، وذلك في ظرف 7 سنوات، ما يعني أن المستثمر مربوط بتوقيت محدد، وإلا وجد نفسه يجري في أروقة المحاكم لتسوية وضعيته مع البنوك، وهذا ما يجعل البعض يلجأ إلى رفع الأسعار من أجل تحقيق مداخيل تسمح له بدفع تكاليف طاقم الإدارة والخدمات ودفع تكاليف الفاتورات، والاحتفاظ بهامش ربح لإرجاع دين البنك.
كما أن رفع الحركة السياحية داخليا تزيد من نشاط تلك المرافق السياحية، التي تتحول إلى فضاءات حيوية حية نشطة ليلا ونهارا كل همها نيل رضا الزبون، الأمر الذي يجرها إلى اعتماد التخفيضات والقيام بنشاطات جالبة أكثر خاصة خلال المواسم والمناسبات.
كيف يمكن نشر الوعي بالسياحة الداخلية؟
الأمر ليس سهلا وليس صعبا في نفس الوقت، بل يحتاج إلى تركيز فقط، فيمكن للنشاطات الثقافية المساهمة أكثر حسب كل اختصاص واهتمام، يسمح بتنقل أعداد كبيرة من منطقة لأخرى، على غرار المعارض والمهرجانات التي تتسم بالحركة والنشاط، وتسمح بلقاء المختصين في مختلف المجالات، على غرار مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، الذي حول مدينة وهران إلى خلية نشهد حركة كبيرة وقدوم الكثير من المواطنين، من أجل الالتقاء مع ممثلين عرب وجزائريين على أرض الواقع والتواصل معهم، بعدما كانوا يشاهدونهم عبر شاشة التلفاز فقط، كذلك تلك الصالونات والمعارض التي تقام باستمرار، فهي جالبة للزوار، لكنها مساهمة بدرجة كبيرة في التنمية المحلية، من خلال نشاط المطاعم، المقاهي، الأسواق، المحلات التجارية، الفنادق، وحتى البيوت المؤجرة… وهناك يمكن دورنا كمرصد وطني للسياحة والفندقة لاقتراح تظاهرات تسمح بخلق نشاطات تعزز المعرفة والاطلاع على الموروث الثقافي وتخلق مناصب شغل وإن كانت مؤقتة.
كما أننا كمرصد، نقترح وجهات سياحية تزيد من الترويج للمناطق السياحية وتقديم صورة جديدة عن آثار أو موقع أو منطقة لها خصوصياتها، وتكتنز مناظر ومعلومات تشد الناظر وتخلق التشويق لدى المتابع أو المستمع، مما يخلق لديه شغف التنقل إليها للاكتشاف شخصيا، على غرار المناطق التي تضم الحنان المعدنية، عيون الماء الطبيعية، الكهوف الغريبة، الجبال المكسوة بالأشجار النادرة، الغابات التي تضم نباتات وحيوانات ومسالك ومساحات للاسترخاء والاستراحة…
بالمناسبة، هل هناك مجال محدد قمتم كمرصد باقتراح نشاط فيه؟
طبعا، أنشأنا مؤخرا هيئة وطنية استشارية تخص السياحة الدينية، والتي ستنطلق كبداية هذا الأسبوع بمنطقة العامرية التابعة لولاية عين تموشنت، حيث ستقام “السلكة”، هذا النوع من النشاط الديني الذي بدأ يتراجع بعد عقود من الشهرة والانتشار، حيث سيجتمع مشاييخ ومقرئين من أجل قراءة القرآن مشفوعة بالدعاء إضافة إلى ذبح الأضاحي وإقامة مأدبة طعام كصدقة.
هذه المناسبة ستجمع الكثير من المواطنين، منهم من يعرف هذه العادة ومنهم من يجلبه الفصول لاكتشافها، وبالتالي التعرف على عادة دينية مهمة كانت منذ القديم ولازالت رغم تراجعها، والحضور سيكون وطنيا، وهكذا سيكون هناك إعادة لإحياء مختلف النشاطات الدينية لأنها مهمة في هويتنا كشعب مسلم وتعزز من ثقافتنا الدينية، كما أنها تساهم في بناء شخصيتنا، باطلاعنا على عاداتنا وتقاليدنا وتمسكنا بها.
كما أن هذه الهيئة الاستشارية ستساهم في خلق العديد من التظاهرات الدينية على غرار الملتقيات، الندوات، المعارض، إحياء التجمعات الدينية في مختلف مظاهرها كالوعداتوأكثر من هذا، إعادة دور “الجماعة” التي يتم اللجوء إليها لحل الخصومات والمشاكل بين الناس، عوض التوجه إلى القضاء، فأعيان المنطقة أو الجماعة يعملون على صفاء القلوب وتغليب مبدأ التسامح ونبذ الكره والثأر والانتقام، وهو ما يعزز ترابط النسيج المجتمعي ويولد التعاون والتكافل ويزيد من نشر ثقافة التجاوز وتوطيد العلاقات.
كما ستسمح باستعادة دور هذه المؤسسات الدينية كالزوايا والمساجد،خلال الثورة التحريرية ودورها في دعم الثورة التحريرية المجيدة عبر بناء الوعي المجتمعي وتقوية الوازع الديني.
كما أننا نحضر للاحتفال بذكرى تحرير وهران الأول من طرف “الباي بوشلاغم”، المصادف لـ 20 فيفري، حيث ستكون المناسبة جد مهمة نظرا لنوعية النشاطات التي ستتم بالمناسبة.
هل من كلمة أخيرة؟
- نشكركم مرة أخرى على تواصلكم معنا، والاهتمام بهذا المجال الذي يعتبر تحديا بالنسبة للمرصد الوطني للسياحة والفندقة، لأن السياحة الداخلية تعتمد على المواطن كعنصر أساسي في إنجاح التسويق لصورة منطقة تواجده، وبالتالي يعتبر مساهمة في جلب السياح والزوار لها، ويفتح المجال أمام النشاط التجاري والاقتصادي والثقافي والتاريخي والديني، كما يخلق ديناميكية تسهر على إنجاحها السلطات المحلية بتجاوبها مع احتياجات المنطقة.
مع الإشارة، أن نجاح السياحة الداخلية يعتبر عنصرا فاعلا في تطوير السياحة العامة الجزائر، ويساهم في الترويج لصورة جميلة عنها، مما يجعلها محج للأجانب الذين يرغبون في الاكتشاف والاستمتاع بالطبيعة والجغرافيا التي تجعلها بلدان سياحيا متميزا ومنفردا بطبيعته، مناخه وثقافته المتنوعة من منطقة لأخرى.
حاورته: ميمي قلان



