تكنولوجيا

أول شريحة محلية لدعم السيادة الرقمية

إنجاز جزائري في عالم الرقائق الإلكترونية

كشف مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة “CDTA” ببابا حسن، عن تصميم أول شريحة إلكترونية بأيادي جزائرية، في خطوة تندرج ضمن مساعي الجزائر لتقليص الاعتماد على المكونات المستوردة، خاصة تلك المستخدمة في بطاقات الدفع وبطاقات الشفاء والبطاقات الإلكترونية الحساس، وخدمات الدفع والصحة والهوية الرقمية.

وأعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، “كمال بداري”، خلال زيارة إلى مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة ببابا حسن في الجزائر العاصمة، أن باحثين جزائريين تمكنوا من تطوير شريحة إلكترونية عالية الدقة بمساحة لا تتجاوز 1 ملم مربع، موجهة للإدماج في البطاقات الإلكترونية، وفق ما أوردته وكالة “شينخوا”.

وتعتمد الشريحة، بحسب المعطيات المنشورة، على تقنية 65 نانومتر، وهي تكنولوجيا لا تزال مستخدمة عالميًا في عدة قطاعات لا تتطلب أحدث أجيال الرقائق، مثل البطاقات الذكية وبعض أنظمة السيارات والمعدات الطبية والأنظمة الصناعية. ويمنح هذا التوجه، الجزائر هامشًا أوليًا لدخول مجال تصميم الشرائح من بوابة التطبيقات العملية، المرتبطة بالخدمات اليومية، بدل المنافسة المباشرة في الشرائح فائقة التقدم.

جاء الإعلان بعد أشهر من تدشين أول معمل وطني لتصميم الرقائق الإلكترونية، داخل مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة، وهو معمل يشتغل على تكنولوجيات متعددة من بينها 65 نانومتر، مع برمجة الانتقال لاحقًا إلى تصميم رقائق بدقة 13 نانومتر موجهة لتطبيقات مثل البطاقات البيومترية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن وزارة التعليم العالي.

ويعد مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة، أحد أبرز الأذرع البحثية الجزائرية في هذا المجال، إذ يضم قسمًا متخصصًا في الإلكترونيات الدقيقة والنانو تكنولوجيا، بدأ نشاطه منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول لاحقًا إلى قطب بحثي وطني في تصميم الدوائر المتكاملة، والأنظمة الإلكترونية، وتقنيات الشرائح.

كما يتوفر المركز على منصة تكنولوجية للتصنيع الميكروي، تضم غرفة نظيفة بمساحة 470 مترًا مربعًا من فئة ISO 4، وتعمل وفق مسار تصنيع يعتمد تقنية CMOS  بدقة 1 ميكرومتر، مع قدرة معلنة تتجاوز 100 ألف شريحة سنويًا، إضافة إلى إمكانية إنتاج مكونات كهروميكانيكية دقيقة.

وتشير هذه البنية إلى أن المشروع لا يقتصر على إعلان رمزي، بل يستند إلى تراكم بحثي وتقني داخل المركز، خاصة أن منصة التصميم التابعة له تستهدف مساعدة الجامعات والمخابر والمؤسسات الصناعية على تطوير الدوائر الإلكترونية والأنظمة الدقيقة ولوحات الدوائر المطبوعة، بما يسمح ببناء منظومة محلية تدريجية في مجال الإلكترونيات الدقيقة.

اقتصاديا، يرتبط المشروع بعدة شراكات وطنية، إذ جرى توقيع اتفاقيات مع شركة النقد الآلي والعلاقات التلقائية بين البنوك ساتيم، بهدف إدماج هذه الشرائح في منظومة الدفع الإلكتروني، ومع المؤسسة الوطنية للصناعات الإلكترونية إيني، لتطوير التعاون في تصنيع المكونات الإلكترونية، ولا سيما الترانزستورات، وفق ما أوردته الإذاعة الجزائرية ووسائل إعلام محلية.

ويرى القائمون على المشروع، أن استخدام الشريحة في بطاقات الدفع وبطاقات الشفاء وغيرها من البطاقات الإلكترونية، قد يساهم في تعزيز حماية البيانات وتقليص تبعية الجزائر للموردين الأجانب في مكونات حساسة مرتبطة بالخدمات المالية والصحية والإدارية. كما يعزز هذا التوجه مفهوم السيادة الرقمية، الذي بات يرتبط ليس فقط بالبرمجيات ومراكز البيانات، بل أيضًا بالتحكم في العتاد الإلكتروني وسلاسل الإمداد.

وكانت مصادر إعلامية قد أشارت أيضًا، إلى أن المختبر الجديد قد يواكب إنشاء مؤسسات ناشئة في التكنولوجيات المتقدمة، في إطار محاولة ربط البحث العلمي بالصناعة وفتح المجال أمام خريجي الجامعات للمساهمة في مشاريع ذات طابع إنتاجي، بدل بقاء الابتكار محصورا داخل المخابر.

ورغم أهمية الخطوة، يبقى التحدي الأكبر أمام الجزائر في الانتقال من مرحلة التصميم والنمذجة والإنتاج المحدود إلى مرحلة التصنيع الصناعي واسع النطاق، وهي مرحلة تتطلب استثمارات ضخمة، وسلاسل توريد دقيقة، وشراكات تقنية متخصصة، ومعايير صارمة في الجودة والأمان.

وبين الطموح البحثي والحاجة الصناعية، يمثل هذا الإنجاز اختبارًا لقدرة الجزائر على تحويل المعرفة العلمية إلى منتجات قابلة للاستعمال في قطاعات حساسة، مثل الدفع الإلكتروني، الصحة، الأمن، الاتصالات، والسيارات، في وقت أصبحت فيه الشرائح الإلكترونية عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الرقمي الحديث.

بن عشور خديجة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى