
مازال قانون المرور الجديد يثير الجدل، والشد والمد بين وزارة الداخلية والنقل والسائقين، لاسيما الوزن الثقيل. بعد إعلان سائقي شاحنات الوزن الثقيل دخولهم في إضراب وتهديد سائقي الحافلات بالإضراب وذلك لإجحاف القانون الجديد، ورفع تسعيرة الوقود.
فردت وزارة الداخلية والنقل باجتماع، ضم رئيس ديوان الوزارة والمدير العام للحركية واللوجيستية، اجتماعًا تشاوريًا مع الشركاء الاجتماعيين الممثلين في المنظمة الوطنية للناقلين الجزائريين، الاتحاد الوطني للناقلين، الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين، الاتحاد العام للعمال الجزائريين والنقابة الوطنية للنقل بسيارات الأجرة، تحت لواء الاتحاد العام للعمال الجزائريين برئاسة الأمين العام لوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل بتكليف من الوزير “سعيد سعيود”. خاص ببيان أكد أن مشروع قانون المرور مازال قيد الدراسة ضمن المسار التشريعي المعتمد، ويبقى قابلًا للإثراء في ضوء الملاحظات والمقترحات المقدّمة، توضيحًا لما تم تداوله حول هذا الموضوع. كما تم التطرق إلى مسألة التسعيرة، حيث أُشير إلى أن هذا الملف سيتم دراسته بما يراعي الطابع الاجتماعي للخدمة العمومية وقدرة المواطن.
وللتوضيح أكثر حول أسباب قانون المرور الجديد وصرامته، تواصلت يومية “البديل” مع الخبير “محمد خدام”، مدير أسبق بالمعهد الجزائري للتقييس، الخبير في المسؤولية المجتمعية للمنظمات إيزو 26000، فكان هذا الحوار:
كيف كانت قراءتك الأولى لمقترح قانون المرور الجديد؟
يعكس قانون المرور الجزائري الجديد، رغبة في تعزيز السلامة المرورية وتنظيم سلوك السائقين، من منظور اجتماعي، يمكن تحليل هذا القانون كاستجابة لتزايد حوادث العنف على الطرق، ومحاولة لإعادة تأكيد قيمة الحياة البشرية، وشكل من أشكال تنظيم حركة المرور. مع ذلك، فإنه يثير أيضًا تساؤلات حول حرية التنقل، وإدارة الفضاء العام، وقضايا السلطة والسيطرة.
البعض رأى أنه قانون صارم، كان لابد من تهيئة كل الظروف ثم إعلانه. ما رأيك؟
هذا سؤال مهم جدا، قانون المرور الجديد في الجزائر يهدف إلى تحسين السلامة المرورية، لكن تطبيقه في ظل ظروف غير ملائمة قد يكون صعبا.
*تحليل الوضع*:
– الطرق في الجزائر تعاني من مشاكل كبيرة، مثل سوء الصيانة، نقص الإشارات المرورية وازدحام المرور.
– وسائل النقل العمومي ليست كافية ولا موثوقة، مما يدفع الناس إلى استخدام السيارات الخاصة.
– التوعية المرورية للسائقين والمشاة ليست على المستوى المطلوب.
– تطبيق القانون دون تهيئة الظروف، قد يؤدي إلى زيادة الضغط على السائقين والمشاة، وزيادة حوادث المرور.
– من جهة أخرى، تأجيل تطبيق القانون قد يؤدي إلى استمرار الوضع الحالي، وعدم تحسين السلامة المرورية.
ما هي أسباب حوادث المرور؟
تُعدّ حوادث المرور مشكلةً خطيرةً تُهدد الصحة والسلامة العامة، وتؤثر على ملايين الأشخاص. فيما تتعدد الأسباب. لكن السرعة المفرطة، وتعاطي الكحول والمخدرات، والقيادة المشتتة، وعدم الالتزام بقوانين المرور هي الأسباب الرئيسية. كما تُساهم حالة الطرق السيئة والمركبات المعيبة في تفاقم الوضع. أما العواقب فهي وخيمة: الموت، الإصابات الخطيرة، التكاليف الاقتصادية الباهظة، والأثر النفسي البالغ على الضحايا وعائلاتهم. تُشير الإحصاءات إلى أن حوادث الطرق تُعدّ من الأسباب الرئيسية للوفاة في جميع أنحاء العالم.
الجزائر تعرف أرقاما مرعبة في حصيلة الضحايا والخسائر المادية. كيف تفسر ذلك؟
الأرقام مُقلقة، لكن بالإمكان تغييرها. كل ما يتطلبه الأمر هو اتخاذ القرارات الصائبة وتطبيق الإجراءات اللازمة لحماية الأرواح.
حيث تواجه الجزائر ارتفاعًا مُقلقًا في انعدام الأمن على الطرق في عام 2024. الأرقام مُثيرة للقلق حقًا: 20,359 حادثًا أسفرت عن إصابات في الأشهر التسعة الأولى، ما يُمثل زيادة بنسبة 7.44 بالمائة مُقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. وقد أسفر ذلك عن 2,894 حالة وفاة، بزيادة قدرها 3.3 بالمائة و27,775 إصابة.
ويُعدّ الخطأ البشري مسؤولية عن 96 بالمائة من الحوادث، ويرجع ذلك أساساً إلى السرعة الزائدة والقيادة المتهورة. وينتج عن ذلك معدل وفيات يبلغ 10 وفيات يومياً، وهو رقم هائل. وتشير التقديرات إلى أن عدد الوفيات سيتجاوز 3700 حالة وفاة، وعدد الإصابات سيبلغ 35556 إصابة خلال عام 2024، مسجلاً بذلك زيادة كبيرة بنسبة 15.06 بالمائة في الحوادث مقارنةً بعام 2023. ولا تزال خطورة الحوادث، التي غالباً ما تشمل وسائل نقل الركاب، هي المشكلة الرئيسية، مما يُخلّف خسائر بشرية فادحة.
كيف يمكن مواجهة هذه الآفة؟
من الواضح أنه لا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين السلامة المرورية في الجزائر. ويُعدّ رفع مستوى الوعي، وتعزيز القوانين وإنفاذها، وتحسين البنية التحتية للطرق، من بين السبل التي يُمكن استكشافها للحدّ من هذه الأرقام المأساوية.
لكن الأمل موجود الوقاية ممكنة، التوعية والتثقيف العام، والتشريعات واللوائح، وتحسين البنية التحتية، والتكنولوجيا، كلها سبلٌ للحد من حوادث الطرق. لقد حان الوقت لاتخاذ خطوات ملموسة للقضاء على هذه الآفة. يجب على الحكومات والمنظمات والأفراد العمل معًا لجعل الطرق أكثر أمانًا.
بما أنك خبير في المسؤولية المجتمعية للمنظمات إيزو 26000، كيف اعتماد معيار ISO 39001 ؟
في ظل هذا الوضع، يُمكن أن يكون اعتماد معيار ISO 39001 أداةً قيّمةً لتحسين السلامة المرورية في الجزائر. إذ يوفر هذا المعيار الدولي إطارًا لأنظمة إدارة السلامة المرورية، مما يُمكّن المنظمات من الحد من عدد الوفيات والإصابات الخطيرة الناجمة عن حوادث الطرق.
يركز المعيار الجزائري NA/ISO 39001 على وضع سياسة واضحة وملتزمة للسلامة المرورية، وتحديد أهداف وغايات قابلة للقياس لتحسين السلامة المرورية، وأخيرًا، تحديد المخاطر ووضع خطط لإدارتها.
فوائد ISO 39001:
يُمكن أن يُحقق تطبيق معيار ISO 39001 فوائد عديدة، منها:
1- الحد من الحوادث: تحسين السلامة المرورية وتقليل عدد الوفيات والإصابات الخطيرة.
2- تعزيز السمعة: إظهار الالتزام بالسلامة المرورية وتحسين سمعة المؤسسة.
3- توفير التكاليف: تقليل التكاليف المتعلقة بحوادث الطرق وتحسين الكفاءة التشغيلية.
اتخذت الجزائر خطواتٍ حثيثة لتحسين السلامة المرورية، لا سيما من خلال سنّ قوانين وأنظمة للحدّ من حوادث الطرق. ويُمكن أن يُشكّل اعتماد معيار ISO 39001 أداةً قيّمة لتعزيز هذه الجهود وتحسين السلامة المرورية في البلاد.
يُعدّ معيار 2012: إيزو 39001 المعيار الرائد في مجال السلامة المرورية، إذ يُحدّد نظام إدارة السلامة المرورية للحدّ من الوفيات والإصابات الخطيرة الناجمة عن حوادث المرور. وينطبق هذا المعيار على المؤسسات العامة والخاصة التي تتعامل مع حركة المرور، مع التركيز على السرعة وحالة المركبات ويقظة السائقين.
ما هي أهم معايير السلامة المرورية في الجزائر؟
فيما يلي أهمّ معايير السلامة المرورية الجزائرية (NA/ISO):
ـ إيزو 39001: 2012 أنظمة إدارة السلامة المرورية – المتطلبات والإرشادات الخاصة بالاستخدام.
ـ إيزو 39002: 2020 إدارة سلامة الرحلات – إرشادات سلامة التنقل اليومي.
ـ ISO/SAE 21434:2021: الأمن السيبراني للمركبات على الطرق ـ المتطلبات والإرشادات الخاصة بهندسة الأمن السيبراني.
ـ ISO/PAS 8800:2024: الذكاء الاصطناعي – متطلبات السلامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في المركبات.
ـ ISO 3888-2: المركبات على الطرق – اختبار تجنب العوائق – الجزء 2: إجراءات الاختبار.
ـ ISO 16750-3: المركبات على الطرق – المتطلبات البيئية واختبارات المعدات الكهربائية والإلكترونية – الجزء 3: الأحمال المناخية.
وعليه، فإن تبني هذه المعايير يساهم في تنظيم إدارة مخاطر الطرق، وتحسين السلامة، وخفض التكاليف الناجمة عن الحوادث. كما أنها توفر إطارًا لأنظمة إدارة السلامة المرورية، مما يُمكّن المؤسسات من تقليل عدد الوفيات والإصابات الخطيرة الناجمة عن حوادث الطرق. من الضروري أن تتبنى السلطات والمؤسسات الجزائرية هذا المعيار لتحسين السلامة المرورية وإنقاذ الأرواح.
ما هو الحل الأمثل حسب تصورك؟
أرى أن الحل الأمثل يمكن في ضرورة تهيئة الظروف بشكل تدريجي، مع تطبيق القانون بشكل متدرج، مع مراعاة الظروف المحلية، أي:
– على الحكومة الجزائرية أن تضع خطة شاملة لتحسين السلامة المرورية، تشمل تطوير البنية التحتية، وتحسين خدمات النقل، وتثقيف السائقين والمشاة.
– تطبيق القانون بشكل متدرج، مع مراعاة الظروف المحلية، وتهيئة الظروف بشكل تدريجي.
– على الحكومة أن تعمل على تحسين وسائل النقل العمومي، وتشجيع استخدامها، لتقليل الضغط على الطرق.
كلمة أخيرة:
السلامة المرورية حق أساسي، وقد حان الوقت لاحترامها.
حاورته: ميمي قلان



