خاص

السهرات الرمضانية بين دفء الماضي وبرودة الحاضر…

حكاية زمن تغيّر

ما إن يُرفع أذان العشاء وتُؤدّى صلاة التراويح، حتى كانت الأحياء الجزائرية، إلى وقت قريب، تنبض بحياة خاصة، عنوانها السهرات الرمضانية التي تجمع العائلات والجيران في أجواء يطغى عليها الدفء الإنساني والبساطة والفرح. سهرات صنعت الذاكرة الجماعية، ورسمت ملامح الطفولة والشباب، وكانت فضاءً للتواصل، وتبادل الأحاديث، وإحياء التقاليد الاجتماعية التي ميّزت رمضان الجزائري لعقود طويلة.

غير أنّ هذه الصورة، التي لا تزال حاضرة في أذهان الكثيرين، بدأت تتلاشى تدريجيا، لتحلّ محلها أنماط جديدة من السهر، فرضتها التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، فغيّرت شكل العلاقات، وبدّلت طقوس الليالي الرمضانية، وأثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل هذه العادات.

 

حين كانت السهرة موعدا لا يُفوّت

في الماضي، كانت السهرة الرمضانية طقسا يوميا شبه مقدّس، يبدأ مباشرة بعد صلاة التراويح. يخرج الرجال إلى الساحات والأرصفة، يحملون كراسيهم البسيطة، ويتحلقون في حلقات ودّية لتبادل أطراف الحديث، واحتساء الشاي والقهوة، ولعب الدومينو والورق والشطرنج.

في المقابل، تجتمع النساء داخل البيوت أو في باحات المنازل، يتبادلن الأطباق والحلويات، ويتجاذبن أطراف الحديث حول شؤون الأسرة والحياة اليومية. أما الأطفال، فكان لهم نصيبهم من هذه السهرات، حيث تعلو أصوات ضحكاتهم في الأزقة، وهم يلعبون الكرة أو “الغميضة”، تحت أنظار الكبار، في أجواء يسودها الأمان والطمأنينة.

يستحضر “الحاج مصطفى”، سبعيني من سكان الأحياء القديمة، تلك الأيام قائلا:

 “كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر، ليس فقط للصيام، بل للسهرات التي تجمعنا بالجيران والأقارب. كنا نشعر أننا عائلة واحدة، نتقاسم الفرح والهمّ، ونتقارب أكثر.”

 

السهرات… مدرسة اجتماعية بامتياز

لم تكن السهرات الرمضانية مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل شكّلت مدرسة اجتماعية غير مباشرة، يتعلم فيها الصغار قيم الاحترام، آداب الحديث، روح التضامن وحسن الجوار. كما كانت فرصة لحل الخلافات، وتقوية الروابط الأسرية، وبناء جسور الثقة بين سكان الحي الواحد.

وكانت هذه اللقاءات البسيطة تُسهم في ترسيخ قيم العيش المشترك، وتعزيز روح الجماعة، في مجتمع يقوم أساسا على التآزر والتكافل.

 

لمسة خاصة بوهران… حين يلتقي عبق البحر بدفء رمضان

في وهران، عروس الغرب الجزائري، كانت للسهرات الرمضانية نكهة خاصة، تمتزج فيها نسائم البحر بأصوات الضحكات، وتمتد الجلسات العائلية من الأزقة العتيقة لسيدي الهواري والمدينة الجديدة إلى كورنيش عين الترك ومرسى الحجاج. هناك، كان الشاي بالنعناع يُحضّر على عجل، وتُقدّم الفاكهة والحلويات، بينما يتبادل الجيران أطراف الحديث في أجواء يسودها الود والتقارب.

أما المقاهي الشعبية، فكانت تتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة، تحتضن جلسات السمر، ولعب الدومينو، ومتابعة السهرات التلفزيونية، وسط أجواء من المرح والألفة. غير أن هذه الصور بدأت تتراجع بدورها أمام زحف الهواتف الذكية وسهرات الشاشات، ليغدو الكورنيش اليوم أكثر هدوء، وتغلق الأزقة أبوابها باكرا، في مشهد يعكس عمق التحولات التي طالت نمط العيش الوهراني.

 

تحولات عميقة وسهرات بطعم مختلف

اليوم، تغيّرت ملامح السهرات الرمضانية بشكل لافت. فالكثير من الأحياء باتت تغرق في هدوء غير مألوف بعد التراويح، بينما انشغل أغلب الأفراد بهواتفهم الذكية، وشاشات التلفاز، ومنصات التواصل الاجتماعي.

داخل البيوت، يجلس أفراد العائلة في الغرفة نفسها، لكن كل واحد منهم غارق في عالمه الافتراضي، يتصفح هاتفه، أو يتابع مسلسله المفضل، أو ينخرط في محادثات رقمية، ليغيب الحوار الحقيقي، وتقلّ لحظات التفاعل المباشر. تقول السيدة “نوال”، ربة بيت: “كنا في السابق نزور بعضنا البعض يوميا في رمضان، أما اليوم فكل واحد منشغل بهاتفه. حتى الأطفال لم يعودوا يلعبون في الخارج كما كنا نفعل.”

 

وسائل التواصل الاجتماعي… سهرات افتراضية بدل الواقعية

لا يمكن الحديث عن تراجع السهرات الرمضانية التقليدية دون التوقف عند التأثير العميق لوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة. فالهواتف الذكية، ومواقع التواصل، وتطبيقات الترفيه، خلقت نمطا جديدا من السهر، يعتمد على التفاعل الافتراضي بدل اللقاءات الواقعية.

فأصبح الكثيرون يفضلون قضاء ساعات طويلة في تصفح “فيسبوك” و”تيك توك” و”إنستغرام”، أو متابعة المسلسلات والبرامج، بدل الخروج للجلوس مع الجيران أو زيارة الأقارب. ويرى مختصون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة أدت إلى تراجع الروابط الاجتماعية المباشرة، وتعويضها بعلاقات رقمية سطحية، لا تحقق نفس الإشباع العاطفي ولا نفس الدفء الإنساني.

 

التكنولوجيا… نعمة تحوّلت إلى سلاح ذي حدّين

رغم الفوائد العديدة التي جلبتها التكنولوجيا، من تسهيل التواصل وتسريع وتيرة الحياة، إلا أن الإفراط في استعمالها خلال رمضان ساهم في إضعاف الطابع الاجتماعي للشهر الفضيل.

فبدل أن تكون وسيلة للتقارب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى عامل عزلة، حيث بات كل فرد يعيش في فقاعة رقمية، منفصلا عن محيطه القريب. ويؤكد مختصون في علم النفس أن هذا النمط الجديد من السهر قد يؤدي إلى الشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين، الذين حُرموا من أجواء اللعب الجماعي والتفاعل المباشر.

إلى جانب التكنولوجيا، ساهمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية في تراجع السهرات التقليدية، حيث فرضت وتيرة الحياة السريعة وضغوط العمل وتكاليف المعيشة نمطا جديدا من العيش، جعل الكثيرين يفضلون الراحة في بيوتهم بدل الخروج للسهر.

كما ساهم توسّع المدن وتغيّر نمط السكن من الأحياء الشعبية إلى العمارات السكنية المغلقة في إضعاف علاقات الجوار، وتقليص فرص اللقاء والتجمع.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه …هل يمكن استعادة روح السهرات الرمضانية؟

ورغم هذا التراجع الملحوظ، لا تزال بعض الأحياء تحافظ على جزء من هذه العادات، حيث يبادر السكان إلى تنظيم سهرات جماعية، أو لقاءات عائلية، أو جلسات شاي تقليدية، في محاولة لإحياء روح رمضان الأصيلة.

ويرى كثيرون أن استعادة هذه السهرات لا تتطلب سوى إرادة جماعية، والعودة إلى القيم البسيطة التي صنعت جمال رمضان في الماضي، من تواصل، وتراحم، وتقاسم للوقت والفرح. تبقى السهرات الرمضانية مرآة تعكس تحولات المجتمع الجزائري، بين ماضٍ دافئ تسوده البساطة، وحاضر سريع الإيقاع تحكمه الشاشات والتقنيات الحديثة. وبين الحنين والواقع، يظل السؤال مطروحا: هل ننجح في التوفيق بين متطلبات العصر والحفاظ على روح رمضان الاجتماعية؟ أم أن السهرات التقليدية ستبقى مجرد ذكريات جميلة تروى للأجيال القادمة؟..

إعداد: ج. ايمان

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى