
يأتي شهر رمضان الكريم على المسلمين في أرض الغربة، بشعور فياض لنسماته الفواحة وسط الأهل والأحباب بديار البلد الأم، فيحول شوق اللمة العائلية بين الفرحة بقدوم شهر الصيام، وقضاء أيامه بعيدا عن النفحات المميزة بالأرض الأم.
ويبقى الاجتهاد في خلق أجواء عائلية بأرض الغربة من طرف المسلمين، أكبر وأهم خطوة يلجأ إليها المغتربون لتمضية شهر رمضان في جو أخوي، عائلي يضم أكبر عدد من الجالية، انتشر الابتسامة وتمسح دمعة الشوق وتخفف من لوعة الفراق. وفي هذا الصدد، حاولت يومية “البديل” التعرف أكثر على طريقة تمضية شهر رمضان بالغربة، فكان لها اتصال مع “يوسف هبة”، الشاب اليمني والمخرج احتضنته الجزائر هاربا من آلة الموت باليمن سنة 2010، متخرجا منها بشهادة الدكتوراه من جامعة مستغانم، حاملا لتجربة مهمة في عالم السينما، أهمها فيلم “قلب الأم” الذي كان من إخراجه وقد أبدع فيه، ليغادرها نحو بلد الأحلام “العم سام”، لتحقيق أحلامه من هناك.
“أبو خالد وليد علاية” اليمني الذي يحافظ على اللمة الرمضانية
ولدى تواصل يومية “البديل” الجزائرية مع اليمني الدكتور المغترب بالأراضي الأمريكية، دلنا على شخص له سمعته الراقية والمنتشرة بين الجالية اليمينة وباقي الجاليات العربية، على غرار الجالية الجزائرية المقيمة بأرض الفرص (الولايات المتحدة الأمريكية)، هو الأستاذ “أبو خالد وليد علاية”، الذي انتقل إلى أمريكا في عمر صغير، وكبر بها واندمج في مجتمعها، إلا أنه بقي وفيا للتقاليد اليمنية لاسيما خلال المناسبات، على غرار شهر رمضان الكريم الذي يتميز بتقاليد خاصة، أهمها اللمة خلال الإفطار وعيش أجواء السهرة التي تزيد من تعارف وتقارب الأشخاص الصائمين الذين يحضرون إلى مائدة الإفطار التي يحضرها طيلة شهر الصيام لفائدة الجالية اليمينة، وباقي الجاليات العربية.

الأطباق التقليدية تزين مائدة الإفطار والمسابقات توثق رباطهم مع أرض اليمن
وفي هذا الصدد، ذكر الأستاذ “أبو خالد وليد علاية”، ليومية “البديل” الجزائرية أن شهر رمضان في الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة بمدينة “نيويورك” يعتبر من أجمل الأشهر التي تمر عليه، لأنه مناسبة يجتمع فيها الأهل والجالية اليمنية والأصدقاء والبعض من الجاليات العربية والإسلامية.
تناول الإفطار، يشمل الأطباق اليمنية التقليدية، على غرار “الشفوت. العصيدة. السنبوسه. الأرز. السمك أو اللحم أو الدجاج والشربة”، بعدها التحلية التي تتنوع يوميا، مثل طبق اسمه “بنت الصحن مع العسل” أو أطباق يتم تحضيرها في المنزل.
وبعد أداء صلاة التراويح، يجتمع الحضور في الشهرة التي لا تخلو من العودة بالذاكرة إلى الماضي وتقاليدهم ببلدانهم الأصلية والتعريج على يومياتهم هناك، إضافة إلى التنكيت والحماس الذي تخلقه تلك المسابقات الفكرية والأدبية بين الحاضرين الذين ينقسمون إلى فوجين، كل فوج يسعى ليكون الأكثر بداهة وسرعة في إيجاد الإجابة الصحيحة، بعدما يكون التحضير مسبقا للأسئلة من قبل لجنة التحكيم المكونة من أكاديميين، ويشمل نموذج الأسئلة ثقافة عامة تاريخية، عربية، إسلامية ورياضية، وهي عبارة عن سلسلة طيلة أيام رمضان، ليتم الإعلان عن الفائز في نهاية رمضان. بينما بالنسبة لجوائز المسابقة، فهي مقدمة من قبل المتسابقين، يدفع كل فريق مبلغا ماليا، حيث يتم التبرع به للأيتام والأسر الفقيرة والمحتاجة في اليمن.
وفيما يخص العلاقات اليمنية الجزائرية، فقد ذكر الأستاذ “أبو خالد وليد علاية”، أنها وطيدة ووثيقة مستمرة عبر التاريخ الإسلامي، من أيام الفتوحات الإسلامية، حيث استقر عدد كبير من اليمينيين في الجزائر إلى يومنا هذا، مذكرا أن الدكتور “يوسف هبة” في كل مرة يسافر بهم خلال لقاءاتهم الأخوية إلى الجزائر ليمنحهم معلومات ومعطيات تكشف عن جمال الجزائر وتنوع ثقافتها وتقاليدها ورقي شعبها.
الدكتور “يوسف هبة” يمني المنشأ، جزائري الهوى
ورغم أن هذه اللقاءات اليومية تعيد إحياء علاقة اليمنيين بأرضهم، إلا أن الدكتور “يوسف هبة”، الذي لا ينسى معروف الأستاذين “أبو خالد وليد علاية” و”صلاح الدين الروحاني”، نظير المساعدة التي تلقاها ومازال من طرف منذ وطئت قدميه أرض أمريكا سنة 2023، بعدما قضى 13 سنة غربة في أرض بلد المليون ونصف المليون شهيد (الجزائر)، التي مازال يحن إلى هواءها إلى اليوم.
حيث ذكر الدكتور “يوسف هبة” ليومية “البديل”، أن الحنين إلى رائحة رمضان بالجزائر لا يفارقه، حتى أنه أصبح مدمنا على شراء تمر “دقلة نور” الجزائري كل يوم وإحضاره إلى اللمة اليمنية، لأنه يذكره بأجواء ما قبل الآذان التي كانت تشهدها سوق “عين الصفراء” بمدينة مستغانم الجزائرية التي قضى فيها أجمل أيامه، وهي تعج بالمواطنين وسط صراخ الباعة، ناهيك عن طبق “الكرانتيكا” الذي مازال يفتقده.
في حين يحاول مؤانسة نفسه، بتجريب تحضير طبق “الكسكس” المطلوب للسحور لدى الجزائريين. مضيفا أن ما عاشه بالجزائر لا يمكن محوه أو القفز عليه، لأن تلك المرحلة هي التي مهدت لمستقبله، فقد درس الجامعة بمستغانم وتخرج بشهادة الدكتوراه، إضافة إلى فتح باب العمل أمامه وتسهيل كل الظروف ليكون أستاذا بجامعتها ومخرجا يمارس مهنته بكل اقتدار، فقد استطاع إخراج فيلم “قلب الأم”، الذي يعتبره هدية للجزائر وفرصة أبان فيها عن قدراته ومهاراته التي صقلها بكلية الفنون.
ناهيك عن الدفء الأسري الذي لاقاه، فعوضه عن اشتياقه لأهله ومدينته “الحديدة” باليمن السعيد، الذي فارقه فارا من جحيم الحرب، بينما مازال يتذكر الأطباق الرئيسية لأهل اليمن، وهي السمك بأكثر من نوع والفتة مع العسل البلدي والأرز.. فكانت الجزائر بيته الثاني، الذي لم يشعر فيه يوما بالغربة، بل أصبح فردا من الجزائريين، الذين كانوا يتنافسون على الفوز بمشاركته لعائلاتهم المناسبات، على غرار شهر رمضان الكريم، الذي كان ينزل فيه كل يوم عند أسرة صديق.
مسلسل “المهاجر” يروي 60% من حياة المخرج “يوسف هبة”
وبالحديث عما إذا كان مازال يتواصل مع أصدقائه بالجزائر، فقد أكد الدكتور “يوسف هبة” ليومية “البديل”، أن علاقاته مع الجزائر لم تنقطع يوما، لأن ما عاشه بها يعتبر مرحلة مهمة في مسيرته الحياتية والمهنية، خاصة وأن هناك أشخاصا عوضوا غياب الأسرة الحقيقية له، على غرار البروفيسور “عبد القادر مالفي”، الذي يعتبره الأخ والأب والصديق الذي مازال إلى جانب إلى اليوم، يتواصل معه فيخفف عليه مرارة الغربة ويرفع من معنوياته ويرسم له الخطوط العريضة من أجل استكمال مشواره المهني، إضافة تواصله مع بقية أصدقائه وأحبائه الجزائريين.
أما فيما يخص مدى متابعته للأعمال الفنية الجزائرية خلال هذا رمضان، فقد رد الدكتور “يوسف هبة” أنه وفي حلقات مسلسل “المهاجر” للمخرج “إدريس بن شرنين”، الذي يعتبر زميله وصديقه وقد كانا بنفس الدفعة الجامعية، مع الإشارة إلى أن المسلسل يمثل 60 بالمائة من قصة حياته الحقيقية، مثنيا على طاقم العمل ومشجعا للوجوه الجديدة.
وقد كانت فرصة الحديث مناسبة لتذكره لموقف إنساني قام به الجزائري معه عندما كانا طالبين ب المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ببرج الكيفان بالجزائر العاصمة، وهو دعمه بمبلغ مالي كان في أمسّ الحاجة له دون أن يطلب منه ذلك، وهي الخصلة التي يتمتع بها معظم الجزائريين في علاقاتهم مع غيرهم، إضافة إلى الوفاء، راجعا بذاكرته إلى أيام رمضان التي كان كل يوم ينزل فيها ضيفا على عائلة أحد أصدقائه، فإنهم يطلبون منه مرافقة صديق أو اثنين من معارفه الذين أبعدتهم الغربة عن أهاليهم.
وفي ختام تواصلهم، فقد تمنوا رمضانا كريما لكل الشعوب والجاليات الإسلامية في كل بقاع العالم، داعين الله أن يحفظ الجزائر وينزل سكينته على اليمن السعيد ويعيد البسمة والوحدة لشعبه ويعم السلام في العالم وتنعم البشرية بالطمأنينة والسكينة، شاكرين يومية “البديل” الجزائرية على فتحها نافذة التواصل مع محبيهم ومعارفهم الذين مازالوا يسكنون أرواحهم رغم آلام البعاد.
إعداد: ميمي قلان



