
لليالي شهر رمضان في مدينة تيسمسيلت نكهة خاصة لا تشبه باقي أيام السنة ، حيث تتحول الأحياء والشوارع بعد الإفطار إلى فضاءات نابضة بالحياة تعكس روح التضامن والتقارب بين العائلات والأصدقاء، فمع إنقضاء ساعات الصيام الطويلة.
يبدأ سكان المدينة في نسج طقوسهم الرمضانية التي تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، بين زيارات الأقارب والسهرات العائلية واللقاءات في المقاهي وأداء صلاة التراويح في المساجد، وتعد هذه السهرات جزءا أصيلا من العادات الإجتماعية المتجذرة في المجتمع التيسمسيلتي، إذ يجد فيها المواطنون فرصة لتجديد صلة الرحم وتعزيز الروابط الإنسانية في أجواء يغلب عليها الدفء والحميمة، ولا تكتمل هذه الأجواء دون حضور الحلويات التقليدية والمشروبات الساخنة التي تضفي على اللقاءات الرمضانية طابعا خاصا يميز هذا الشهر الفضيل عن غيره من أشهر السنة.
مائدة الإفطار… بداية الأجواء الرمضانية
تبدأ الأجواء الرمضانية في تيسمسيلت مع لحظة الإفطار التي تجتمع فيها العائلات حول المائدة بعد يوم من الصيام، وتحرص الأسر على تحضير أطباق تقليدية ، حيث تتصدر الحريرة والسلطات والأطباق التقليدية قائمة الأطعمة التي تزين المائدة، وبمجرد الانتهاء من الإفطار، تدخل العائلات في مرحلة من الاسترخاء والهدوء تمتد لنحو ساعة أو أكثر، حيث يستعيد أفراد الأسرة نشاطهم قبل بدء السهرات الرمضانية التي تعد جزءا لا يتجزأ من تقاليد الشهر الفضيل في المدينة، هذه الفترة التي تلي الإفطار مباشرة تشكل لحظة انتقالية بين صخب المطبخ وحميمية السهرات الليلية،إذ يبدأ التحضير لتقديم المشروبات الساخنة والحلويات التي لا تخلو منها أي جلسة رمضانية.
القهوة والشاي… رفيقا السهرات الرمضانية
بعد مرور وقت قصير على الإفطار، تبدأ ربات البيوت في تحضير القهوة والشاي اللذين يعدان من أبرز مظاهر الضيافة في ليالي رمضان، وتقدم هذه المشروبات عادة إلى جانب مجموعة من الحلويات الشرقية التي تضفي على الجلسات العائلية طابعاخاصا، ومن بين الحلويات التي تحظى بشعبية واسعة لدى سكان تيسمسيلت، يبرز “قلب اللوز”و”السيڤار” وهما من الأصناف التي لا تغيب عن الموائد الرمضانية، ويحرص الكثير من المواطنين على اقتنائها من محلات متخصصة في الحلويات الشرقية، خاصة تلك التي اكتسبت شهرة واسعة بفضل جودة منتجاتها وإتقانها في إعداد هذه الأصناف التقليدية، هذه الحلويات لا تعد مجرد أطعمة تقدم بعد الإفطار، بل أصبحت جزءا من الهوية الرمضانية التي تعكس الذوق المحلي والتقاليد المتوارثة بين الأجيال.
محلات الحلويات… حركة تجارية متزايدة
مع اقتراب موعد الإفطار أو بعده بقليل، تشهد محلات الحلويات الشرقية في وسط مدينة تيسمسيلت حركة تجارية ملحوظة، فالمواطنون يتوافدون بأعداد كبيرة لاقتناء ما لذ وطاب من الحلويات التي تشتهر بها هذه المحلات، وتتكون أمام بعض هذه المحلات طوابير طويلة من الزبائن الذين ينتظرون دورهم للحصول على الحلويات المفضلة لديهم،ويعكس هذا الإقبال الكبير المكانة التي تحتلها هذه المأكولات في العادات الرمضانية، حيث لا تكتمل السهرة لدى الكثير من العائلات دون وجود طبق من الحلويات الشرقية إلى جانب الشاي أو القهوة، كما تحرص بعض المحلات على تنويع منتجاتها لتلبية مختلف الأذواق، ما يجعلها مقصدا لعدد كبير من المواطنين خلال الشهر الفضيل.

لا تقتصر السهرات الرمضانية في تيسمسيلت على الأجواء العائلية داخل المنازل، بل تمتد أيضا إلى الفضاءات العامة، وعلى رأسها المقاهي التي تشهد نشاطًا كبيرا خلال الليل، فبعد الإفطار، يتوجه العديد من الرجال إلى المقاهي المنتشرة في مختلف أحياء المدينة، حيث يجدون فيها مكانا مناسبا للقاء الأصدقاء وتبادل أطراف الحديث في أجواء يسودها الود والمرح، وتتحول هذه المقاهي خلال رمضان إلى فضاءات اجتماعية نابضة بالحياة، إذ يجتمع فيها المواطنون من مختلف الأعمار لتقاسم لحظات من الراحة بعد يوم من الصيام، وبين أكواب القهوة والشاي، تتواصل النقاشات حول مواضيع متعددة تتراوح بين الأخبار اليومية والذكريات القديمة والاهتمامات المشتركة.
ألعاب تقليدية تضفي أجواء من المرح
إلى جانب الحديث وتبادل الأخبار، يفضل بعض رواد المقاهي قضاء أوقاتهم في ممارسة الألعاب التقليدية التي تضفي على السهرات الرمضانية أجواء من المرح والتسلية، ومن بين هذه الألعاب تبرز لعبة “الدومينو”التي تحظى بشعبية واسعة بين فئات مختلفة من المجتمع، إذ يجتمع الأصدقاء حول طاولة واحدة لخوض جولات من المنافسة الودية التي تمتد لساعات، وسط أجواء من الضحك والتشجيع، وتشكل هذه الألعاب وسيلة للترويح عن النفس وتعزيز روح الصداقة بين المشاركين، كما تضفي على السهرات الرمضانية طابعا اجتماعيا مميزا يعكس روح التضامن والتقارب بين أبناء المدينة.
المساجد… محطة روحانية في قلب الليل
رغم تعدد مظاهر السهرات الرمضانية، تبقى المساجد الوجهة الأساسية للعديد من المواطنين بعد الإفطار، فمع حلول وقت صلاة التراويح، تتجه أعداد كبيرة من الرجال والنساء نحو بيوت الله لأداء هذه الشعيرة التي تعد من أبرز مظاهر العبادة خلال الشهر الفضيل، وتكتسي المساجد في تيسمسيلت خلال رمضان حلة خاصة، حيث تمتلئ بالمصلين الذين يجتمعون في أجواء روحانية مميزة تسودها السكينة والخشوع، وتمنح هذه اللحظات المؤمنين فرصة للتقرب إلى الله وتجديد الإيمان بعد يوم من الصيام، كما تشكل صلاة التراويح مناسبة للقاء الجيران والأصدقاء، إذ تتحول ساحات المساجد بعد انتهاء الصلاة إلى فضاءات للتبادل الودي والتحية بين أبناء الحي الواحد.
زيارات الأقارب… تجديد لصلة الرحم
إلى جانب المقاهي والمساجد، تفضل العديد من العائلات قضاء السهرات الرمضانية في زيارة الأقارب والأصدقاء، وتعد هذه الزيارات من العادات الاجتماعية الراسخة التي يحرص سكان تيسمسيلت على إحيائها خلال الشهر الفضيل، وغالبا ما تتنقل العائلات برفقة أطفالها إلى بيوت الأقارب، حيث يجتمع الجميع في أجواء مليئة بالمحبة والدفء، وتدور الأحاديث حول الذكريات العائلية والمواضيع اليومية، بينما تقدم الحلويات والمشروبات للضيوف في إطار من الكرم والضيافة، وتساهم هذه اللقاءات في تعزيز الروابط العائلية وإحياء روح التضامن بين أفراد المجتمع، وهو ما يمنح رمضان في تيسمسيلت طابعا اجتماعيا مميزا.
ولا تكتمل السهرات الرمضانية دون حضور الأطفال الذين يضفون على الأجواء حيوية خاصة، ففي أثناء زيارات الأقارب أو الخروج مع العائلة، يجد الأطفال فرصة للعب والمرح مع أقرانهم، ما يجعل من ليالي رمضان لحظات لا تنسى بالنسبة لهم، كما يشارك بعضهم في تحضيرات السهرة، سواء من خلال ترتيب الطاولة أو المساعدة في تقديم الحلويات والمشروبات، وهو ما يساهم في غرس قيم المشاركة والتعاون داخل الأسرة.

السحور… خاتمة السهرة الرمضانية
مع اقتراب ساعات الليل الأخيرة، تبدأ العائلات في العودة إلى منازلها استعدادا لتحضير وجبة السحور التي تشكل محطة مهمة قبل بداية يوم جديد من الصيام، وتحرص الأسر في تيسمسيلت على أن تكون هذه الوجبة خفيفة ومغذية في الوقت ذاته، حيث غالبا ما تتكون من أطباق تقليدية مثل الحريرة أو الكسكس بالحليب المزين بحبات الزبيب، كما تقدم بعض الفواكه إلى جانب هذه الأطباق لتوفير الطاقة اللازمة للصائمين خلال النهار، وتجمع هذه الوجبة أفراد الأسرة مرة أخرى حول المائدة، في لحظة هادئة تسبق أذان الفجر، حيث تختتم السهرة الرمضانية بأجواء من الطمأنينة والاستعداد ليوم جديد من الصيام.
رمضان في تيسمسيلت… روح اجتماعية متجددة
تعكس السهرات الرمضانية في تيسمسيلت صورة حية للتقاليد الاجتماعية التي لا تزال محافظة على حضورها رغم تغير أنماط الحياة، فبين مائدة الإفطار، وزيارات الأقارب، وأجواء المقاهي، وصلاة التراويح في المساجد، تتشكل لوحة اجتماعية تجمع بين الروحانية والدفء العائلي، هذه العادات لا تمنح الشهر الفضيل طابعا مميزا فحسب، بل تسهم أيضا في تعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، وفي كل ليلة رمضانية، تتجدد هذه المظاهر لتؤكد أن رمضان في تيسمسيلت ليس مجرد شهر للصيام، بل مناسبة لإحياء الروابط الإنسانية والاجتماعية التي تشكل جوهر الحياة المشتركة بين الناس.
جطي عبد القادر



