
ما إن تقترب من بلدية ثنية الحد بولاية تيسمسيلت، حتى يبدأ المشهد في التغيير تدريجيا، الطرق ترتفع شيئا فشيئا، والغابات تتكاثف، ورائحة الطبيعة تسبقك إلى قلب الحظيرة الوطنية للأرز. هنا في هذا الركن الهادئ من الجزائر، تتحول الأرض إلى لوحة خضراء واسعة، ترتفع فيها الأشجار نحو السماء كأنها تحاول الإمساك بأطراف الغيوم.
عند مدخل الحظيرة، يستقبل الزائر مشهد غابة “المداد”، التي تعد القلب النابض لهذا الفضاء الطبيعي، أشجار الأرز الأطلسي تقف شامخة، جذوعها العريضة تعكس سنوات طويلة من المقاومة، وصفوفها الممتدة تشكل ممرات طبيعية تأسر الأنظار، الهدوء هنا ليس مجرد صمت، إنه موسيقى خفية تصنعها الرياح بين الأوراق، وخطوات الطيور التي تحلق فوق القمم. في هذه الغابة، يبدو الوقت أبطأ، وكأن المكان يرفض أن يخضع لإيقاع الحياة الحديثة، السير وسط الأشجار العالية يمنحك انطباعا بأنك في عالم بعيد، عالم بري لم تفسده يد الإنسان.
عائلات ومغامرون.. الكل يبحث عن لحظته الخاصة
خلال جولة عبر المسالك الغابية، تلتقي وجوها مختلفة، عائلات جاءت لتقضي نهاية أسبوع بعيدا عن ضجيج المدن، شبان يحملون حقائب التخييم، مجموعات تمارس رياضة المشي الجبلي، وآخرون يبحثون عن مكان مثالي لالتقاط صور تذكارية، الجميع يبدو منسجما مع المكان. فالغابة تمنح كل شخص اللحظة التي يبحث عنها، سواء كانت مغامرة أو راحة أو مجرد استنشاق هواء نقي، وتكتسي الحظيرة حركية كبيرة خلال العطل ونهاية الأسبوع، حيث يتحول الفضاء إلى ملتقى لعشاق الطبيعة من مختلف ولايات الوطن، الذين يختارون غابة المداد وجهة مفضلة لهم.
“عين الهرهارة” قطعة ساحرة وسط الغابة
من بين أجمل الزوايا التي تقودك إليها المسالك الطبيعية، تبرز منطقة “عين الهرهارة”، وكأنها واحة صغيرة تختبئ وسط الأرز والبلوط ، المياه تتدفق برفق، والصخور المكسوة بالطحالب تعكس جمالا هادئا لا يمكن تجاهله هنا، يختار الكثيرون التوقف، الاستراحة، أخذ صور أو حتى الاكتفاء بالجلوس في صمت للاستمتاع بالمشهد، يقول أحد الزوار الذين التقينا بهم: “إذا كانت الحظيرة كلها جميلة، فعين الهرهارة هي أجمل تفاصيلها”، وهو رأي يتفق عليه الكثير ممن اختبروا سحر هذا المكان.

طبيعة لا تختصر وثراء بيولوجي مذهل
الربورتاج داخل الحظيرة لا يكتمل دون الحديث عن ثرائها البيولوجي، فهي تضم ما يزيد عن 110 أنواع من الحيوانات المحمية، منها 17 نوعا من صنف الثدييات، 3 من الزواحف، 30 نوعا من الحشرات و29 آخر يخص الطيور.
في لحظة هدوء، قد تسمع حركة زاحف صغير بين الأعشاب، أو ترى سربا من الطيور ينتقل بين العالية، أو ربما تلمح ظلال حيوانات صغيرة تتحرك داخل الغابة. أما التنوع النباتي، فيتوزع بين أشجار الأرز الأطلسي والصنوبر الحلبي والبلوط الفليني والبلوط الأخضر، إضافة إلى الطحالب والنباتات الجبلية، هذا الخليط يمنح الغابة رائحة خاصة، وملمسا طبيعيا مختلفا، وإطلالات لا تشبه أي مكان آخر.
“رأس الراريت” القمة التي تكشف كل شيء
ولمحبي المغامرة ، تبقى قمة “رأس الراريت” الهدف الأبرز، على ارتفاع يصل إلى 1787 مترا، يقف المغامرون ليكتشفوا جمال الحظيرة من الأعلى، من هذه النقطة، يمكن رؤية امتداد الغابة وكأنها بحر ضخم من الأخضر، تتداخل فيه الظلال مع ضوء الشمس، الكثير من الزوار يقولون إن الوصول إلى هذه القمة يشبه الفوز بلحظة نادرة لا تنسى.

حكايات على لسان الزائرين
بين زائر جاء للمرة الأولى وآخر يتردد سنويا، تختلف القصص وتتشابه في حب المكان. أحد الآباء الذين التقينا بهم قال لنا “أزور الحظيرة كلما أردت أن أرتاح نفسيا، يكفيني المشي نصف ساعة بين الأشجار لأشعر بأنني شخص آخر”، أما مجموعة من الشباب الذين كانوا يستعدون لنصب خيمتهم فقالوا “هنا نتعلم معنى المغامرة… الطبيعة هي أفضل مدرسة.”
جهود ولائية لتعزيز السياحة بالمنطقة
كل هذه الخصائص الطبيعية والمقومات البيئية التي تنفرد بها الحظيرة الوطنية للأرز، جعلت السلطات الولائية بتيسمسيلت، وعلى رأسها والي الولاية السيد “بوزايد فتحي”، تسهر على تطوير القطاع السياحي، من خلال إيلاء أهمية وأولوية كبيرة لهذا الفضاء السياحي الفريد.
وقد أصبحت المنطقة بفضل هذه الجهود، مقصدا سنويا لعدد كبير من الزوار، خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث يتوافد إليها المواطنون بحثًا عن المتعة والفرجة، واكتشاف هذا الجمال الأخاذ الذي أبدع الخالق في صنعه، ومع كثافة هذه الزيارات، تبرز الحاجة إلى تعزيز المسالك وتحسين الفضاءات المخصصة للعائلات، وهو ما تعمل عليه السلطات بشكل تدريجي، هذه المؤهلات السياحية الكبيرة تجعل من الحظيرة فضاء يستحق التثمين والاكتشاف، ووجهة مثالية لكل من يرغب في قضاء أوقات من الراحة والاستجمام وسط مناظر طبيعية خلابة تنبض بالحياة.
الحظيرة أكثر من مجرد غابة
ما يجعل الحظيرة الوطنية للأرز مميزة، ليس فقط جمالها، بل روحها، ذلك الإحساس العميق بالسكينة الذي يرافقك في كل خطوة، إنها فضاء يجمع بين الطبيعة النقية والتاريخ البيئي والرغبة الإنسانية في اكتشاف الجمال. بالنسبة للكثيرين، أصبحت الغابة متنفسا وملاذا، وطريقة للعودة إلى الذات بعيدا عن الضغوط اليومية، وعندما تغادر هذا المكان، تشعر وكأن جزء منك بقي هناك ربما هو اشتياق للهدوء، أو رغبة في العودة مجددا، وهذا بالضبط ما يجعل هذا الفضاء الطبيعي فريدا إنه لا يكتفي بأن يدهشك، بل يترك في داخلك رغبة دائمة في العودة.
جطي عبد القادر



