خاص

زيارة “بابا الفاتيكان” بعيون جامعيين وباحثين

وجه رسائل إلى العالم وزار مسقط رأس الأب الروحي للمسيحية بعنابة

ستبقى الزيارة التاريخية التي أداها بابا الفاتيكان “ليون 14” إلى الجزائر، والاستقبال المميز الذي حظي به من طرف رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” هذه الأيام، تسيل الكثير من الحبر العالمي لأشهر وحتى سنوات قادمة، لما لها من أهمية وتأثير، ليس على الصعيد المحلي والإقليمي فقط، وإنما على المستوى الدولي والعالمي، لاسيما وأنها جاءت في ظروف استثنائية تشهدها البشرية، من اضطرابات وحروب واختلافات في عدة مناطق كآسيا، الشرق الأوسط، إفريقيا…، ناهيك عن لجمها لأولئك الذين كانوا يفترون على الجزائر واتهامها بالتضييق على الحريات الدينية، ومحاولتهم الضغط على الجزائر بملف “الأقليات”، رغم أن الدستور الجزائري يضمن حرية التدين.

وللخوض أكثر في أهمية هذه الزيارة وتأثيرها على الجزائر والعالم، والعالمين المسلم والمسيحي خاصة، وأثر ذلك على الإنسانية، تواصلت يومية “البديل” مع ثلة من الدكاترة الجامعيين في مختلف التخصصات، وجمعت هذه التصريحات الحصرية:

“العربي بوعمامة” (أستاذ الاتصال السياسي، مدير مخبر الدراسات الاتصالية والإعلامية بجامعة مستغانم)

اعتبر البروفيسور “العربي بوعمامة”، أستاذ الاتصال السياسي، مدير مخبر الدراسات الاتصالية والإعلامية بجامعة مستغانم، زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، ولاسيما محطة كنيسة القديس “أوغسطين”، ضمن حدث ذي أبعاد مركبة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى مستوى الفعل الاتصالي الرمزي، الذي يعيد تموقع الجزائر في المشهدين الإقليمي والدولي.

 ففي هذا التوقيت الحساس دوليًا، حيث تتفاقم الأزمات الجيوسياسية وتتعمق الفجوة بين الشمال والجنوب، تبرز الزيارة كرسالة مشتركة بين الجزائر والفاتيكان حول أولوية السلام والعدالة الاجتماعية، بما يعكس تقاطعًا في الرؤية الأخلاقية والسياسية، ويعزز ما يُعرف في حقل الاتصال السياسي بـ “القوة الناعمة”.

 أما محليًا، فهي استعادة واعية للذاكرة الحضارية، من خلال استحضار شخصية “أوغسطينوس”، بما يؤكد أن الجزائر لم تكن هامشًا في التاريخ، بل كانت فضاءً منتجًا للفكر الإنساني. مردفا أنه يمكن قراءة خطاب “عبد المجيد تبون”، رئيس الجمهورية، بوصفه خطابًا متعدد الطبقات: إذ يؤسس أولًا لسردية هوية تربط بين “أوغسطين” و”الأمير عبد القادر”، بما يعكس استمرارية تاريخية من الفكر إلى المقاومة” ثم إلى الدولة الوطنية.

 كما يطرح ثانيًا، منظومة قيمية قائمة على العدالة والسلام، واضعًا الجزائر ضمن فاعلين يسعون إلى إعادة التوازن الأخلاقي في النظام الدولي؛ ويبعث ثالثًا برسائل جيوسياسية واضحة، خاصة من خلال التقاطع مع مواقف الفاتيكان تجاه القضية الفلسطينية، بما يعزز مصداقية الخطاب الجزائري دوليًا.

أما على مستوى التأثير الحضاري، فاعتبر الأستاذ “بوعمامة” الزيارة تساهم في إعادة صياغة العلاقة بين العالمين الإسلامي والمسيحي ضمن منطق الحوار بدل الصدام، حيث تقدم الجزائر نموذجًا لإدارة الاختلاف الديني في إطار التعايش، وتعيد في الوقت نفسه إدماج شمال إفريقيا في الوعي المسيحي العالمي، باعتباره أحد منابعه التاريخية.

ومن جهة أخرى، تجني الجزائر مكاسب رمزية ودبلوماسية وإعلامية، إذ تعزز صورتها كوسيط حضاري وجسر بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وتوظف رصيدها التاريخي في خدمة حضورها الدولي، فضلًا عن إعادة تثمين مواقعها الثقافية والدينية. وبخصوص زيارة البابا إلى مدينة عنابة تحديدًا، فهي تحمل دلالة خاصة، حسب محدثنا، لأنها ليست مجرد محطة جغرافية، بل فضاء رمزي يمثل «هيبون» القديمة، حيث تشكل فكر أوغسطين، ما يجعل الزيارة استدعاءً للجذور الإفريقية للمسيحية واعترافًا بدور الجزائر في إنتاج الفكر الإنساني، مختتما تدخله بالقول، أن هذه الزيارة تكشف أن الجزائر لا تتحرك فقط كدولة في الحاضر، بل كسردية حضارية ممتدة، من أوغسطين إلى الأمير عبد القادر، ومن المقاومة إلى الاستقلال، ومن التاريخ إلى الحاضر، بما يؤهلها للعب دور “واسطة العقد” في عالم يبحث عن جسور بدل الجدران.

البروفيسور “حيرش سمية” (أستاذة الفلسفة السياسية بجامعة وهران)

أكدت البروفيسور “حيرش سمية”، أستاذة الفلسفة السياسية بجامعة وهران، أن الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان “ليون الرابع عشر” إلى الجزائر تكشف المكانة الاستراتيجية الهامة التي تتمتع بها الجزائر.

مردفة في تصريحها ليومية “البديل”، أن هاته الزيارة تحمل أبعادا أمنية، ثقافية، تاريخية وسياسية مهمة، لاسيما رسالة البابا التي وجهها إلى العالم مباشرة من جامع الجزائر، التي تكرس رسالة السلام والعيش معا، وذلك من خلال نظرته حول حوار الأديان، والجميع يعلم أن الإسلام هو السباق من خلال نصوصه وإقراره بحقوق الإنسان خاصة العيش المشترك، إضافة إلى أن الجزائر هي مسقط رأس القديس “أوغستين” الذي توفي في 430م الفيلسوف اللاهوتي، المنظر الأكبر للفلسفة المسيحية اللاهوتية وأحد أعمدة الكنيسة الكاثوليكية برعاية “بابا الفاتيكان” في روما، صاحب نظرية السيفين حين فصل بين السلطة الروحية (السماء) والسلطة الزمنية (الأرض) في كتابه، ما يعني أن الجزائر أرض الحضارات، ولها دورا مهما في إرساء وترسيخ دورها الديبلوماسي والأمني في حوار الحضارات، وتعزيزا للاستقرار الإقليمي والعالمي في ظل التهديدات الأمنية وتوتر بؤر الصراع في الشرق الأوسط، خاصة الحرب الأمريكية -الإيرانية.

وأنهت البروفيسور “حيرش” تدخلها، بأن زيارة البابا تعكسها روابط أواصر السلام اليوم من خلال جوار الحضارات وحوار الأديان، لأن كل الأديان تشترك في السلام وفكرة العيش معا.

الدكتور “محمد مساهل” (أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة قسنطينة)

وفي رده على أسئلة يومية “البديل”، حول أهمية الزيارة التي يقوم بها بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر وتداعياتها، فقد اعتبرها الدكتور “محمد مساهل”، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة قسنطينة، ذات أهمية كبرى على المستويين المحلي والدولي.

موضحا أن البابا “ليون الرابع عشر”، يعتبر شخصية كبيرة لها رمزيتها ومكانتها عالميا، وزيارتها لها انعكاس على المحلي الجزائري، يؤكد أن الجزائر بلد الحضارات، ملتقى الثقافات، الإيديولوجيات والأديان، ما يؤهلها لتبقى أرضا حاضنة للسلام والتعايش.

 أما على المستوى الدولي، فيرى الأستاذ “مساهل”، أنه في ظل التوترات والتشنجات التي يشهدها العالم في مختلف المناطق وبين عديد الدول، لاسيما الشرق الأوسط، فالجزائر تنادي وطالما زادت بالسلام واحترام الشعوب وحق هاته الشعوب في تقرير مصيرها، وفي كل فرصة تعيد نفس المناداة حتى بالمنابر الدولية كالأمم المتحدة.

مردفا أن البابا تكلم عن ذلك في خطابه وذكر بأننا موجودين بأرض السلام والجزائر، قد عانت من ويلات العشرية السوداء، وبقيت واقفة بفضل رجالها ونسائها، ورسالة البابا من الجزائر إلى العالم كانت واضحة، بأن هناك شعوبا تريد العيش بسلام، مذكرا إياهم بأن وجوده بالجزائر له أهمية في مقدمتها كرامة الإنسان والحقيقة وأهمية بناء السلام في العالم، وكلمته بالجامع الأعظم هذه المنارة الدينية تقر بترسيخ حوار الأديان والثقافات. مشيرا أن الجزائر، تسعى لتقوية علاقاتها مع الفاتيكان، والكل يعلم مكانة وقداسة الفاتيكان في العالم، وبالتالي هي رسالة ديبلوماسية مهمة للدولتين.

واختتم الأستاذ “مساهل” رده بالتأكيد على أن هذه الزيارة هي رد على بعض الجهات الغربية، التي تتهم الجزائر بمسألة التضييق على الحريات الدينية. وعليه، فإن هذه الزيارة هي رسالة بأن الجزائر تحترم باقي الدول وهي أرض لتعايش الديانات وتحترم ممارسة الشعائر الدينية التي يكفلها الدستور، وبالتالي لا وجود لملف اسمه “الأقليات الدينية”، الذي تحاول بعض الدول الضغط به على الجزائر. كما أنها زيارة تكرس المنطقة العربية كجسر للتواصل وتكريس قيم الحوار والعدالة في عالم تتكاثر فيه الخلافات والتحديات. مردفا أن الجزائر طالما كانت مفتاح حل الكثير من الخلافات، فقد كانت ثورتنا دوما فاعلة في المحيط العربي ومحيطها الإسلامي والدولي.

“أ.د. جيلالي المستاري” (مدير بحث بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية “كراسك” وهران)

ومن جهته، وفي تواصله مع يومية “البديل”، ذكر “د. جيلالي المستاري”، مدير بحث بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (كراسك) وهران، أن لزيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر التاريخية إلى الجزائر دلالتين مهمتين.

وأضاف أنها تأتي لأهم مذهب في الديانة المسيحية، وهو الكاثوليكية إلى بلد ذي أغلبية مسلمة بها نسبة قليلة من المسيحيين، فهي جسر أو رسالة لتواصل الإسلام والمسيحية في العالم خاصة بين ضفتي المتوسط (أوروبا وإفريقيا) والعالم العربي، بالذات في زمن الخطابات الصدامية وأشكال الكراهية والتطرف العنيف الموجود، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تحيل إلى معاني التسامح، الاحترام والتقدير.

 ناهيك عن المسألة الثقافية، التي تبرز أن الجزائر صحيح بلد مسلم، وتاريخه الإسلامي ضارب في الذاكرة والهوية الجماعية للمجتمع الجزائري، لكن على مستوى الطمبولوجيا، يمكننا القول أنه لدينا “ذاكرة لذاكرة قديمة، لكنها ذاكرة مسيحية”، هناك القديس أوغستين، ودور ولو أنه كان دورا استعماريا لروما، لكن “أوغستين” كان يمثل الكنيسة للمسيحيين، للكنيسة الإفريقية أو للكنيسة شمال إفريقية، كان له مريدين، إذن للجزائر ذاكرة متعددة.

مردفا، أن ذلك يكشف دور الجزائر الايجابي كبلد منفتح ينطلق من الفاتيكان، ليساهم في نصرة الشعوب المظلومة وإحقاق الحق ومساعدة الشعوب على تحقيق مصيرها، ناهيك عن دور الجزائر كوسيط، والاهمية التي تكتسيها اليوم الوساطة في عصر الحروب الدائرة سواء في أوكرانيا والحرب الأمريكية- الإيرانية والشرق الأوسط…. والضغوط والخطاب المتطرف يحتاج اليوم إلى تحالفات لتعيد الأمور إلى نصابها.

وأضاف الاستاذ “مستاري”، أن بابا الفاتيكان أشاد خلال هذه الزيارة إلى الجزائر، أن تعدد الميراث الثقافي والحضاري لهذا الشعب يجعله يتجه للمستقبل بقلب سليم. وهو ما يجعل الجزائر مؤهلة للقيام بالوساطة ليس فقط بين الدول والشعوب، بل حتى بين المجتمعات المحلية والأديان والطوائف بما يخدم الإنسانية.

وخلص الأستاذ “مستاري”، إلى أن أهم نتيجة إيجابية تجلبها زيارة البابا أنها تعبر عن ديبلوماسية روحية عالية المستوى، وتعيد للجزائر مكانتها التي كانت سابقا كبلد منفتح مستقر، له القدرة على الوساطة والتفاوض لتجاوز المروق والأزمات بين الشعوب والدول.

وتبقى هذه الزيارة التاريخية للبابا ليون الرابع عشر، تؤكد أن الجزائر دولة منفتحة قائمة بوسطيتها واحترامها لسيادة الدول وتقدير الشعوب وسعيها الدائم لإحلال السلام والطمأنينة في العالم عبر التعايش.

إعداد: ميمي قلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى