
صادف نهاية الحرب العالمية الثانية، 8 ماي 1945، وهو أيضا اليوم الذي قامت فيه الدولة الفرنسية المحتلة بقمع دموي لأولى المظاهرات السلمية من أجل جزائر حرة، والتي اقترفها الجيش الاستعماري في عديد مناطق الوطن (سطيف، قالمة وخراطة) راح ضحيتها 45 ألف، وهذا الماضي لا زال مغيبا.
إن المجازر التي قام بها الجيش الفرنسي، وعديد المليشيات الاستعمارية المتكونة من مدنيين من أصل أوروبي، قد خلفت عشرات الآلاف من الضحايا الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم، وإعدامهم بصفة عشوائية من أجل فرض النظام وترهيب السكان “الأهالي”، بشكل دائم، وذلك من أجل استعادة هيبتها في أوروبا والعالم.
حيث إنّ فرنسا الحرة (من الاحتلال الألماني)، كانت مستعدة لكل شيء لاستعادة مجد إمبراطورتيها. وفي داخل الأراضي الفرنسية، فإن هذا التاريخ أصبح يُمثّل أفراح السلام، الحرية والديمقراطية المسترجعة. أما بالنسبة للجزائريين، إنه الرعب، الدم والدموع التي تسبب فيها إرهاب الدولة، الهادف إلى تخليد القمع والاستغلال الاستعماري.
إنّ همجية الاستعمار الفرنسي في ذلك اليوم، وُصفت بغير مسبوقة، حيث استعملت كل الوسائل البشعة من أجل محاولة إيقاف الجزائريين، الذين كانت لهم الجرأة على التظاهر سلميا، حيث استخدم المحتل “عنف وإرهاب الدولة” بكل المقاييس والوصاف، مع ما رافقه من جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية على فظاعة الاستعمار.
تزامنت هذه المجازر الرهيبة، بشهر فقط من تبني المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، الذي صودق عليه في 26 جوان 1945 ، والمتضمنة لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن الأدهى والأمر هو عدم الاكتراث بالالتزامات المنصوص عليها في المقاومة، وتدرج في مسودة دستور 27 أكتوبر 1946 ، التي تؤكد أن فرنسا “مستبعدة كليا من أي نظام استعماري يقوم على الظلم، بحيث أنها تضمن للجميع الممارسة الفردية أو الجماعية للحقوق والحريات المطلوبة”.
حيث يقول أحد المؤرخين الفرنسين في هذا الصدد، “إن فرنسا الاستعمارية باختيارها قتل السكان قد تناست أيضا الأسس الفلسفية والسياسية والقانونية التي تم تبنيها لاحقا في التصريح العالمي لحقوق الإنسان، الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 بباريس”.
التقادم لا يسقط المسؤولية الدولية القانونية
إن هذه المجازر الاستعمارية، 8 ماي 1945، لا يمكن أبدا أن تسقط بالتقادم، ومن رابع المستحيلات أن تسقط المسؤولية الدولية القانونية للحكومة الفرنسية، عن الجرائم الوحشية التي ارتكبها الاستعمار ضد الجزائريين العزل قالمة، سطيف وخراطة، وذلك رغم مرور 81 سنة كاملة.
وبالتالي، فإنّ كل المحاولات الفرنسية للتنصل من المسؤولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، من إبادة جماعية، تقتيل وتجويع لا تستند إلى أي أساس قانوني، حتى وبعد وفاة الجناة من المسؤولين المباشرين على ارتكاب تلك الجرائم ومساعديهم واستحالة محاكمتهم، لكن الحكومة الفرنسية موجودة، وهي المسؤولة الحالية عن حبر الأضرار التي لحقت بالضحايا من المواطنين الجزائريين، وعليه، فإن جبر الضرر يكون بالاعتراف والاعتذار الرسمي ثم التعويض المادي. وهذا ما تلح عليه الجزائر من خلال ملف الذاكرة.
وفي نفس السياق، قال المؤرخ والصحفي الفرنسي “جيل منصورون”، وهو أيضا مندوب الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان على مختلف العوائق والموانع الواقعية والسياسية والقانونية، التي تقف لحد الآن أمام الاعتراف الحقيقي لفرنسا بجرائمها بالجزائر، بأنه:” لا بد من القيام بعمل حقيقي لدفع بعض القوى السياسية الفرنسية التي كانت لها يد من قريب أو من بعيد في تلك الجرائم من أجل قول الحقيقة “، مشيرا إلى وجود الكثير من “أعداء الاعتراف” في الأوساط الفرنسية . معتبرا بأن الشارع الفرنسي ما يزال يشهد لحد الآن حركية “إيجابية ” ومظاهرات سلمية من المدافعين عن حقوق الإنسان، لدفع الحكومة الفرنسية إلى قول الحقيقة والاعتراف بجرائمها.
رامـي الـحـاج



