الثـقــافــة

“الحاج محمد العنقة”…عميد أغنية الشعبي الجزائري

عندما تتأمل صورة الحاج “محمد العنقة”، يستوقفك ذلك الحضور الآسر؛ رجل يرتدي دائماً أبهى حُله، بالزي التقليدي العاصمي (الجبة والبرنوس) أو البدلة الرسمية الكلاسيكية الأنيقة. ملامح وجهه حادة وصارمة تعكس جدية الفنان الملتزم، تعلوها نظرة ثاقبة من عينين عاصرت تحولات تاريخية كبرى.

أما رفيقه الدائم الذي لا يفارقه، فهو آلة “الماندول ” (Mandole)، التي يحتضنها كجزء من جسده، ليرسم بها وبأصابعه الرشيقة لوحة موسيقية تنبض بالحياة.

لم يكن “العنقة” مجرد مغنٍّ، بل كان مؤرخاً اجتماعياً ومصلحاً بأسلوبه الفني. ولد في قلب أحياء القصبة العتيقة بالعاصمة في 20 ماي 1907 وتوفي بها في 23 نوفمبر 1978، واكتسب من أزقتها الضيقة حكمة “الحومة” والشارع.

هو رائد الموسيقى التقليدية الفولكلورية الجزائرية المسماة بـ”الشعبي”، ابتدأ تعليمه بالدراسة في 3 مدارس: “القرآنية”، “ابراهيم فتاح” و”بوزارياح”. إلا أنه انقطع عن الدراسة قبل بلوغه سن الحادية عشر، حيث كان عليه العمل لإعالة أسرته الفقيرة. وفي سن الثالثة عشر، خلال إحدى المهرجانات، لاحظ أداءه أحد رواد الأوركسترا، الشيخ “مصطفى نادور” الذي ضمه لفرقته وأعطاه دور “الطاردي” أو عازف الطبل. ومنذ ذلك الوقت، ابتدأ المسار الفني لـ”محمد العنقة”، حيث تعلم العزف على الماندولين، وهي الآلة الموسيقية التي رافقته طول مشواره الفني بعد ذلك.

ابتدأ “العنقة” التدريب مع الشيخ “سيد آه وليد لكحل”، واستمر ذلك لمدة 5 سنوات. بعد ذلك، أصبحت شركة “كولومبيا” أهم منتج لأعمال الحاج العنقة، وكان لذلك دور في تقديمه للجمهور عبر إذاعة الجزائر.

وفي سنة 1937 قام “العنقة” بإعطاء نفَس جديد لفرقته الموسيقية، حيث قام بجولة في الجزائر وأوروبا.ومع بداية الأربعينات، أصبح “العنقة” يدير القسم الموسيقي بإذاعة الجزائر، رافعا بذلك من قيمة “الشعبي”، وفي أواسط الخمسينات، عُيّن أستاذا في أكاديمية الجزائر الشهيرة، حيث كان يعطي دروسا في “الشعبي”.

 

الإرث والمكانة: “الشيخ” الذي لا يموت

ترك “الشيخ”، وهو اللقب الذي كان يناديه به عشاقه احتراماً لرصيده الضخم، ما يتجاوز 130  أسطوانة ومئات القصائد الخالدة، فكتب حوالي 360 أغنية مثل “الحمام اللي والفتو مشا عليا ،” “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا” ، “يا ولفي مريم”، ” قوم يا معشوقي”، مرسول فاطمة” و”سبحان الله يا لطيف”.

ولم يتوقف أثره عند الغناء، بل كان أستاذاً في المعهد البلدي للموسيقى بالجزائر العاصمة، حيث تخرجت على يديه أجيال من أعمدة الفن الشعبي مثل (الهاشمي قروابي، بوجمعة العنقيس وعمر الزاهي).

الحاج “محمد العنقة” لم يكن مجرد فنان مرّ على تاريخ الجزائر، بل هو رمز للهوية الثقافية الوطنية، ورجل نجح في جعل الموسيقى سلاحاً للحفاظ على اللغة العربية والروح الجزائري الأصيلة في وجه محاولات الطمس الثقافي. إنه باختصار… صوت الجزائر العميق.

ق.ث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى