خاص

الزلابية وقلب اللوز… حكاية نكهة جزائرية تتجدّد مع كل رمضان

مع حلول شهر رمضان المبارك، تستعيد المدن الجزائرية نبضها الخاص، وتلبس الأسواق الشعبية حلتها المميزة، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات الزبائن، وتفوح في الأرجاء روائح الحلويات التقليدية التي تعلن عن قدوم موسم الذكريات والحنين. وفي مقدمة هذه الحلويات، تتربع الزلابية وقلب اللوز على عرش المائدة الرمضانية، باعتبارهما رمزين أصيلين من رموز الهوية الغذائية والثقافية الجزائرية.

منذ الساعات الأولى من النهار، تبدأ الحركة تدب في محلات صناعة الحلويات، حيث ينشغل الحرفيون بتحضير كميات معتبرة لتلبية الطلب المتزايد. مشهد الأيادي التي تعجن، والأواني التي تغلي بالقطر، وأحواض الزيت الساخن التي تُقلى فيها الزلابية، يعكس أجواء استثنائية لا تعرفها هذه المحلات إلا في هذا الشهر الفضيل.

 

إقبال قياسي وطوابير لا تنتهي

 

وقبيل آذان المغرب بساعات قليلة، تشهد هذه المحلات اكتظاظا غير مسبوق، إذ تتشكل طوابير طويلة من المواطنين، من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، في انتظار دورهم لاقتناء الزلابية وقلب اللوز. هذا الإقبال اللافت، يؤكد مدى تعلق الجزائريين بهذا النوع من الحلويات، رغم ارتفاع أسعارهما نسبيا مقارنة بباقي أيام السنة.

يقول السيد “عبد القادر”، موظف وأب لثلاثة أطفال: “مهما كانت الظروف، لا يمكن أن تمر مائدة الإفطار دون زلابية وقلب اللوز. تعودنا عليهما منذ الصغر، وأصبحا جزء لا يتجزأ من أجواء رمضان داخل بيوتنا”. فيما ترى السيدة “فاطمة”، ربة بيت، أن هذه الحلويات تحمل طابعا عاطفيا خاصا: “مجرد رؤية الزلابية تذكرني بطفولتي وبلمة العائلة حول المائدة”.

 

حرفة متوارثة بين الأجيال

 

داخل ورشات التحضير، يتوارث الحرفيون أسرار هذه الصناعة من جيل إلى آخر، حيث تُحفظ الوصفات التقليدية بعناية فائقة. ويؤكد أحد صناع الحلويات، أن نجاح الزلابية وقلب اللوز يكمن في احترام المقادير الدقيقة وطريقة التحضير الصحيحة، قائلا: “الزلابية تحتاج إلى خبرة كبيرة في التحكم في درجة حرارة الزيت، بينما يتطلب قلب اللوز دقة في المزج والخبز حتى نحصل على القوام المثالي”.

ويضيف المتحدث، أن رمضان يشكل ذروة النشاط التجاري بالنسبة لهم، حيث تصل ساعات العمل إلى أكثر من 14 ساعة يوميا، من أجل توفير منتوج طازج يلبي أذواق الزبائن، مؤكدا في الوقت ذاته أن المنافسة الشديدة في السوق تفرض عليهم تحسين الجودة باستمرار، والحرص على النظافة وسلامة المنتوج.

 

بين الجودة وارتفاع الأسعار

 

ورغم الشعبية الكبيرة للزلابية وقلب اللوز، إلا أن ارتفاع أسعارهما أصبح محل نقاش واسع وسط المستهلكين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. إذ تتراوح أسعار الزلابية وقلب اللوز بين ولايات الوطن، حسب جودة المنتوج وتكاليف المواد الأولية.

وفي هذا السياق، يبرر بعض التجار هذا الارتفاع بغلاء أسعار الزيت، السكر، اللوز وماء الزهر، إضافة إلى تكاليف اليد العاملة والكهرباء، مؤكدين أن هامش الربح يبقى معقولا مقارنة بحجم الجهد المبذول. وعن سعر قلب اللوز الأكثر مبيعا في الشهر الفضيل، فيتراوح سعر القطعة بين 60 دينارا للعادي و100 دينار للمحشو باللوز، أو بالشوكولاطة، أما سعر الزلابية فلقد قفز  من 260 دج إلى 300 دج للكلغ.

من جانب آخر، يحذر مختصون في التغذية من الإفراط في استهلاك الحلويات الرمضانية، لما تحتويه من نسب عالية من السكريات والدهون، والتي قد تؤثر سلبا على صحة الصائم، خاصة مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم.

وفي هذا الصدد، ينصح أخصائيو التغذية بضرورة الاعتدال، حيث يمكن الاستمتاع بالزلابية وقلب اللوز بكميات معقولة، مع الحرص على تنويع النظام الغذائي والإكثار من شرب الماء وتناول الفواكه.

 

الزلابية.. حلوى بألف عام وحكاية

 

لا يكاد يحلّ شهر رمضان في الجزائر حتى يفوح عبق الزيت الساخن والسكر المكرّمل من كل حيّ وزقاق، وتصطف الطوابير أمام محلات الحلوى التقليدية، في مشهد يعكس ارتباطا وجدانيا عميقا بين الجزائريين وحلوى الزلابية، التي تتجاوز قيمتها حدود الطعام لتصبح جزء من الهوية والذاكرة الجماعية.

حيث يكتنف أصل تسمية “الزلابية” غموضٌ تاريخي، تتشابك حوله الروايات وتتضارب. فثمة من يردّها إلى الفنان الأندلسي الموهوب “زرياب”، “أبو الحسن علي ابن نافع”، مغني بلاط قرطبة الأموية في مطلع القرن التاسع الميلادي، حسب بعض الروايات القديمة” إذ يُقال إن الاسم ليس سوى تحريف لـ”الزِّرْيَابِيَة” نسبة إليه، بعد أن رحل إلى المغرب العربي ومرّ الاسم بتحولات لغوية حتى استقر على صيغته الحالية.

في المقابل، تروي رواية شعبية ظريفة أن طباخاً أُمر بإعداد الحلوى فلم يجد في مطبخه سوى الزيت والسكر والدقيق، فعجنها وقلاها، وحين رأى شكلها الغريب صاح مستغفراً: “إنها زلةٌ بيَ!”، فأُطلق عليها اسم “زلة بي” الذي تحوّل مع الزمن إلى “زلابية”.

لا تقف قصة الزلابية عند حدود الطهي والمذاق، بل تمتد لتلامس صفحات من تاريخ الكفاح الجزائري. فقد وصفها بعض المشاركين في ثورة التحرير الكبرى بين عامَي 1954 و1962 بـ”الأكلة المجاهدة”، إذ كانت الأسر الجزائرية تُهديها للثوار في الجبال وخلف قضبان السجون، ولا سيما سجن “سركاجي” العتيق الذي شهد أحداثاً دامية في تاريخ البلاد.

يرى الباحثون في تاريخ الحضارة الأندلسية، أن الزلابية تحمل من الأصالة ما يجعلها صامدة عبر أكثر من 10 قرون دون أن تفقد جوهرها. ويلفت إلى أن أسلوب تحضير عجينتها وطريقة طهيها لا تختلفان كثيراً عمّا وصفته كتب التراث الطهوي العربي الإسلامي القديمة، في إشارة لافتة إلى عمق هذا الموروث الحضاري الذي يمتد من دمشق وبغداد إلى القيروان وتلمسان وقرطبة.

غير أنه، مع الوقت ومرور السنين وتشابك الأيادي، لا يغفل الإشارة إلى ظاهرة سلبية تتمثل في تحريف بعضهم لوصفات التحضير الأصيلة طمعاً في تحقيق هوامش ربحية أعلى، مستغلين المناسبات الدينية.

 

في قلب الحياة اليومية

 

بين أزقة حي “الحمري” و”لاباستي” وغيرها من الأسواق الشعبية بوهران، تبدو الزلابية أكثر من مجرد حلوى؛ إنها طقس رمضاني متوارث. يقول المواطن “هواري” الذي وجدناه يتسوّق أمام أحد المحلات: “منذ أن كنت صغيراً وأنا أرى الزلابية على مائدة رمضان، فكبرت مع هذه الصورة”.

أما صاحب المحل “قادة”، فيؤكد أن عمله لا ينقطع طوال العام، لكن رمضان يظل فصلاً استثنائياً بامتياز، حيث تتضاعف الطلبات وتمتد طوابير الزبائن، قادمين من أحياء شتى جذبهم صيت الجودة والموقع المتميز لمحله.

وتكشف هذه الصناعة، عن وجهها الاجتماعي أيضاً، إذ تُوفّر فرص عمل موسمية للشباب العاطل، فما إن يطلّ هلال رمضان حتى تنبثق محلات جديدة من كل مكان، ويتحوّل بعض أصحاب المهن الأخرى إلى باعة للزلابية والشامية ، مستثمرين بركة الشهر الفضيل وما يدرّه من عائد وافر في ثلاثين يوما.

تبقى الزلابية وصبع القاضي  في نهاية المطا،ف أكثر من مجرد خيوط عجين مقلية في الزيت ومغمورة في القطر؛ إنها قصيدة حضارية كُتبت في الأندلس وتُتلى حتى اليوم على موائد الجزائريين، كلما أذّن المؤذن لصلاة المغرب في رمضان.

 

ذاكرة جماعية ورمز للهوية

 

لا تقتصر مكانة الزلابية وقلب اللوز على كونهما مجرد حلويات، بل تجاوزت ذلك لتصبحا جزء من الذاكرة الجماعية والتراث اللامادي للمجتمع الجزائري. فحضورهما الدائم على موائد الإفطار، وفي الزيارات العائلية، وتبادل الأطباق بين الجيران، يعكس عمق الروابط الاجتماعية التي يكرسها شهر رمضان.

كما تشكل هذه الحلويات جسرا يربط الأجيال ببعضها البعض، حيث يتناقل الأبناء شغف الآباء والأجداد بنفس الطقوس والعادات، في صورة جميلة من صور الاستمرارية الثقافية.

ومع كل موسم رمضاني، تتجدد الحكاية، وتبقى الزلابية وقلب اللوز عنوانا للفرح والدفء والحنين، ونكهة لا تغيب عن موائد الجزائريين، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت أنماط العيش. إنها قصة عشق بين شعب وحلوياته، تختصر في تفاصيلها البسيطة عمق الهوية وأصالة التقاليد.

إعداد: ج.ايمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى