حوار

“العامل الجزائري بحاجة لتجسيد مضمون اللوحات الاعلانية ميدانيا”

بمناسبة عيد العمال، الخبير "محمد خدام" لـ"البديل"

احتفى  العمال الجزائريون على غرار باقي عمال العالم بيومهم، الذي يجددون فيه عزمهم على مواصلة النضال للاستفادة من الحقوق التي يضمنها لهم قانون العمل، ويستقبلهم المسؤولون بالورود وكلمات التمني، بأن يكون المستقبل أفضل وتتحسن أوضاعهم أكثر.

ولأن المشرع الجزائري لم يترك الفرصة لصاحب العمل، أو المسؤول عن الورشة لهضم حقوق العامل، أمام ترسانة القوانين التي تعزز كل مرة، سواء بالتعديل أو الحذف والتغيير بما يخدم مصلحة العامل، ضمانا لتقاعد مريح وتأمين صحي واجتماعي، إضافة إلى أجرة توفر له حاجاته الأساسية، فإن مصالح مفتشية العمل، تعمل بكثافة لمراقبة مدى تطبيق المؤسسات على اختلاف انتمائها وقطاعها، لشروط العمل ومدى توفير الظروف المناسبة للشغل. وهو ما تكشفه حزمة الإعذارات والإنذارات التي توجهها لتلك المؤسسات المتقاعسة، والتي تصل أروقة العدالة أحيانا.

ولمناقشة الموضوع بدقة، تواصلت جريدة “البديل”، مع الخبير في المسؤولية المجتمعية للمنشآت “محمد خدام”، وأجرت معه هذا الحوار:

 

كيف ترى واقع الشغل بالجزائر؟

الجزائر كلها ورشات، فرص العمل متاحة، لكن يبقى العامل يشتكي من عدة نقائص رغم الترسانة القانونية التي يوفرها المشرع الجزائري، ومسايرته للتعديلات والحذف، وتعزيز المواد التي تحافظ كرامة وسلامة العامل صحيا، جسديا ومهنيا، من خلال التركيز على ضرورة توفير تجهيزات الوقاية، الأجرة، المراقبة الطبية، التأمين…

إلا أن الكثير من رؤساء العمل، خاصة في القطاع الخاص، يضربون القوانين

بعرض الحائط، ويستغلون العامل دون تأمين يضمن له حقوقه ولا ظروف عمل مناسبة، خاصة في المهن الشاقة كالبناء، التي تشهد وجودا كبيرا للأشخاص بدون تصريح ولا تأمين وبأجور زهيدة.

 

في هذه الحالة، لماذا لا يشتكي العامل، ولا يذهب إلى مفتشية العمل؟

العامل الجزائري مُلِمٌّ بحقوقه، فهو يعلم أنه يحق له الحصول على إجازة، راتب مناسب وأمان وظيفي. كما يعلم في المقابل، أن المطالبة بالتغيير قد تُكلِّفه وظيفته، فهناك مثلا عاملات نظافة غير مصرّح بهن، باعة متجولون وعمال البناء، الذين يتقاضون أجورهم يوميًا، والمهندسون المستقلون الذين يعملون بدون عقود، وسائقو النقل.

فالعامل الجزائري “يعرف القانون” كحقه في 30 يوم إجازة، وأجر العمل الإضافي، وعقد دائم بعد عقدين محددي المدة. ورغم أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، قد تعرض لهذه المعلومات، وشرحها عبر مواقع الاتصال الاجتماعي، ونوقشت حتى في المقاهي، إلا أن ذهن العامل ما زال مقتنع بفكرة “المطالبة بشيء ما، تعني المخاطرة”.

 

ما المقصود بخوفهم من المخاطرة؟

العامل دائم الخوف من اتخاذ خطوة قد تصبح عكسية له، فهو يتخوف من مخاطرة عدم التجديد، أو التهميش، أو الفصل تحت ستار سوء سلوك جسيم. في الشركات والمؤسسات الجزائرية، غالبا ما تُعتبر الحقوق منّة من صاحب العمل، وليست حقا مكتسبا. لذا، بعض العمال لا يستغلون عطلتهم كاملة ولا يحتجون، ليس عن جهل، بل عن حسابات. خاصة وأن الكثير من العمال يشتغلون بعقود مؤقتة، مما يجعلهم أمام خطر الطرد.

وفي سياق آخر، هناك عمالا لا يملكون عقد عمل ولا اشتراكا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لذا ليس لديهم ما يتفاوضون عليه، لأنهم غير معترف بهم قانوناً. وآخرون يعملون بعقود قصيرة الأجل، أو عمل مؤقت، أو من خلال برنامج الوكالة الوطنية للتوظيف، وهو ما يجعل مدة عملهم تتراوح بين 30 و90 يوما، لذا يتجنبون التفاوض على الوظيفة في ظل احتمال فصلهم غدا.

 

هناك نقابات للدفاع عن حقوق العامل، هل تؤدي دورها كاملا؟

هناك عديد النقابات العمالية اليوم، لكنها ليست كلها مسؤولة وتقوم بدورها النضالي للدفاع عن العامل وكسب مزايا لفائدته، فقد بدأ معظم العمال يتجاهلون العمل النقابي، لأنهم أصبحوا مقتنعين أن بعض النقابات تستغل منتسبيها لقضاء مآرب البعض على حساب المصلحة الجماعية، وهو ما يجعل العامل يفقد الثقة ويتجنب الخوض في ما يحتاجه، بل يركز على أداء عمله، والحصول على أجرته في نهاية الشهر. في حين، أن دور النقابة هو الدفاع عن حقوق العمال وتحقيق مكاسب أكثر لهم، مقابل الجهد الذي يبذلونه لأجل نجاح وتحقيق مداخيل.

 

ما هو دور مفتشية العمل؟

هيئة تفتيش العمل “مسلحة نظريا، لكنها مثقلة بالأعباء عمليا”. رغم كل ما تقوم به من خرجات ميدانية، إلا أنها تبقى مطالبة بحماية المبلغين، حماية لهم من الطرد التعسفي في حال اكتشافهم من طرف رؤساء العمل، وتنظيم الخرجات الفجائية، للوقوف على الظروف الحقيقية للعمال. لأن الخرجات الفجائية للورشات، الشركات والمؤسسات، يجعل أصحاب العمل دائمي التخوف، فيضطرون إلى تحسين ظروف العمل والتكفل القانوني بالعامل، لأن الإخلال بقانون العمل يجرهم إلى أروقة العدالة.

 

 نتحدث عن المسؤولية الاجتماعية للشركات، ومعيار  ISO 45001، والرفاهية في العمل. كيف هو الواقع بنظرك؟

الواقع العملي يسبق المفهوم، فالموظفون يقارنون الخطابات بالواقع في نهاية كل شهر، تتحدث إليهم عن “جودة الحياة العملية” بينما يعملون 55 ساعة، ويتقاضون أجر 40 ساعة فقط. تقدم لهم ميثاق المسؤولية الاجتماعية للشركات، وهم لا يملكون قفازات، تعرض عليهم حصص يوغا يوم الخميس وهم يعانون من آلام الظهر يوم الاثنين، فالرفاهية بدون تعويض عادل، إهانة والمسؤولية الاجتماعية للشركات بدون أجر لائق، مجرد تسويق.

العمال الجزائريون عقلانيون، يصدقون ما يرونه، سيدركون المسؤولية الاجتماعية للشركات، عندما يحصلون على أجر العمل الإضافي، وعندما تُغطى تكاليف النقل، وعندما لا يعني حادث العمل كارثة مالية، ينطبق هنا هرم ماسلو للاحتياجات، فلا يمكنك التأمل على معدة فارغة.

 

مع سنة 2026، ما هي أهم المطالب التي تحسن من واقع عالم الشغل؟

سيختفي الشك عندما تصبح ظروف العمل حقيقة واقعة. فالحقيقة الواقعية، هي ما يُغيّر حياة الناس دون الحاجة إلى بيان صحفي.

يرى الموظفون الحقيقة عندما يرتفع صافي رواتبهم، وعندما يقلّ وقت تنقلهم، وعندما يتوقف مديرهم عن الصراخ، وعندما تقلّ الحوادث. وهذا يتطلب 3 إجراءات لتحقيق ذلك بسرعة: أولا: تعميم عقد العمل المفتوح مع فترة تجريبية طويلة، وإلغاء إعادة تصنيف عقود العمل محددة المدة تلقائيًا. هذا يُنهي انعدام الأمن الوظيفي المُتأصل. ثانيا: إنشاء صندوق لضمان الأجور، تموّله الشركات، يدفع للموظفين في غضون 15 يومًا في حالة النزاع، حتى لا يُتركهم بطء النظام القضائي في حالة فقر مدقع. ثالثا: إلزام الشركات بنشر مؤشرات اجتماعية.

علنًا، معدلات عقود العمل محددة المدة، الحوادث، وفجوة الأجور بين الجنسين. الشفافية هي خط الدفاع الأول. في اليوم، الذي يصبح فيه المطالبة بالتغيير أرخص من التزام الصمت، ينتهي الاغتراب، وينتهي معه الشك. المنشآت والمؤسسات مطالبة اليوم بالعمل بالمواصفات الجزائرية، خاصة المتعلقة بالمسؤولية المجتمعية ايزو 26000.

 

ما الذي وصلت إليه كخلاصة؟

الخلاصة باختصار هي: “العامل الجزائري لا يطلب المستحيل. إنه يطلب فقط أن ينزل القانون من لوحة الإعلانات إلى ورشة العمل.”

حاورته: ميمي قلان 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى