حوار

في حوار مع خبير المسؤولية الاجتماعية للشركات، “محمد خدام” لـ”البديل”:

"نجاح رؤية الجزائر 2050 تعتمد على نجاح التكنولوجيا الرقمية والطاقات المتجددة"

تسهر الدولة الجزائرية على تسخير كل إمكانياتها المادية والبشرية، من أجل “الانتقال من بلد مستهلك إلى بلد منتج”، هذه الخطوة التي لن تتحقق بين ليلة وضحاها وإنما تحتاج إلى ميكانيزمات وآليات قوية، مبنية على معطيات ومعلومات حقيقية ودقيقة، ومشاريع برامج بنية تحتية صلبة، في ظل التغيرات الدولية في كل المجالات.

ولأن الانتقال إلى بلد منتج، يفرض التحول من اقتصاد “الريع”، الذي يرتكز على البترول والنفط إلى إنتاج خارج قطاع المحروقات، تنفيذا للاستراتيجية التي يسعى رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” إلى تنفيذها، وللإلمام بالفكرة وتوضيح الرؤية، تواصلت يومية “البديل” مع خبير المسؤولية الاجتماعية للشركات، “محمد خدام”، وأجرت معه هذه المقابلة:

 

 

مرحبا، تطمح رؤية الجزائر 2050 ، إلى بناء اقتصاد منتج، متنوع وتنافسي، لماذا يُعدّ هذا التحوّل عن نموذج الريع، ضروريًا اليوم؟

أهلا، لأن النموذج الحالي قد بلغ حدوده الهيكلية، فالاعتماد على دورات النفط لتمويل النمو يجعل البلاد عرضةً لتقلبات الأسعار العالمية، وبيئة دولية غير مستقرة ومجزأة. هدف رؤية 2050 واضح، فهو بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على النفط والغاز، منفتح على الصناعة والزراعة ذات القيمة المضافة العالية والخدمات والتكنولوجيا الرقمية والطاقات المتجددة، إنها تهدف إلى خلق وظائف مستدامة وتوليد ثروة خارج نطاق الريع، لجعل الاقتصاد أقل عرضةً للصدمات الخارجية.

 

 

 عمليًا، ما هي التكلفة السياسية والاقتصادية لهذا التحوّل؟

إن الانتقال من اقتصاد سلبي إلى اقتصاد يستوعب ويتكيف، يتطلب تغييرًا جذريًا. فمن الضروري جذب الاستثمارات الخاصة، فتح القطاعات المغلقة حاليًا، تدريب الكفاءات المناسبة وضمان إطار قانوني مستقر، وهذا يستلزم مفاضلات صعبة بين المصالح القائمة والديناميكيات الجديدة.

لذا، لم يعد السؤال الحقيقي هو سرد الإصلاحات، بل تحديد كيفية إدارة هذا التحول في سياق وطني ودولي يزداد تعقيدًا.

 ذكرتم سياقًا يتسم بقيود متعددة، ما أبرزها اليوم؟

إنها قيود تراكمية ومتداخلة، بين قيود مالية مع تقلص هوامش الميزانية، وقيود اجتماعية مع تزايد التوقعات، وقيود ديموغرافية تُثقل كاهل سوق العمل، فضلًا عن الاضطرابات التكنولوجية التي تتطلب وتيرة تكيف متسارعة، وبيئة جيوسياسية غير مستقرة.

في ظل هذه الظروف، تصبح استراتيجية التغيير المفاجئ وهمًا، فالاختلالات المتراكمة على مدى عقود، هيكلية ومترابطة.

تتحدثون عن “صحوة متأخرة ولكنها حقيقية”، ما الذي يُغيره هذا بالنسبة لتنفيذ الإصلاحات؟

يتطلب الأمر التخلي عن وهم الحلول السريعة، لن تنجح أي استراتيجية للخروج من الأزمة دون نهج تدريجي ومتماسك ومستدام.

يجب أن نتجاوز منطق التدابير المنعزلة لنتبنى رؤية شاملة، حيث يُصمم كل إصلاح في سياق الإصلاحات الأخرى وبنظرة طويلة الأجل

أين ترون العقبة الأولى التي يجب تجاوزها؟

إنها سياسية وإدارية، يكمن التحدي الذي تواجهه رؤية 2050 ، في أجهزة الدولة نفسها أكثر من الأسواق، لا يزال الجهاز الحكومي يكافح لإدارة الإصلاحات متعددة الأبعاد.

نلاحظ وجود هيكل تنظيمي مجزأ، تنسيق غير كافٍ بين الوزارات، رقمنة غير متكافئة، متابعة غير كافية للمشاريع ونقص في المهارات التقنية الأساسية.

مع ذلك، يتطلب التحول عكس ذلك، أي نوع من الإدارة ينبغي أن نبني؟

الأمر يستدعي إدارة قادرة على استدامة العمليات على المدى الطويل، توفير الخبرات، استباق المخاطر وضمان التنفيذ المستمر للسياسات العامة. بدون بناء هذه القدرات، ستظل أفضل الاستراتيجيات مجرد وثائق غير فعالة. يجب على الدولة أن تنتقل من دور المدير اليومي إلى دور المخطط الاستراتيجي والمنفذ الموثوق.

هل الإصلاحات الاقتصادية مترابطة حقًا؟ هل يمكنك توضيح هذه النقطة؟

بالتأكيد، تحدد السياسة المالية التوازن النقدي، وتحدد الإصلاحات المالية القدرة على تمويل الاقتصاد الحقيقي، ويعتمد نجاح السياسات الصناعية على بيئة الأعمال، وجودة البنية التحتية، ونظام التعليم، والحوكمة ككل. وعندما لا تتكامل هذه العناصر، تنشأ تناقضات وآثار متضاربة، مما يُفشل الجهود المبذولة.

هل يُعدّ غياب التنسيق بين الوزارات عائقًا رئيسيًا؟

نعم، وهو أمر لا مفر منه. ففي مثل هذه الشبكة المعقدة، يُؤدي غياب التنسيق إلى جمود، إبطاء التقدم وتبديد الجهود. وتُصبح استراتيجية التحول مُعرّضة للتعثر، ليس لقلة النوايا الحسنة، بل لأن كل جهة تعمل في اتجاه مختلف.

 

ما هو الشرط اللازم لكي تتجاوز رؤية 2050، كونها مجرد مجموعة من التدابير القطاعية؟

إنها تتطلب قيادة استراتيجية حقيقية، وهذا يعني تحديد أولويات الأهداف، وضمان اتساق السياسات العامة، واتخاذ خيارات اقتصادية واجتماعية حاسمة، ووضع العمل الحكومي على مسار مستقر وشفاف للجهات الفاعلة الاقتصادية.

وهنا تحديدًا، تكمن مشكلة الاقتصادات في مرحلة الانتقال: الحفاظ على المسار الصحيح رغم تغير الظروف الاقتصادية، التحولات السياسية، الضغوط الاجتماعية والصدمات الخارجية.

ما هي الرسالة الأخيرة التي توجهونها لصناع السياسات، بشأن فرص نجاح هذه الرؤية؟

الرسالة أو وجهة النظر، تشير إلى أنه بدون بوصلة وتنفيذ منضبط، تصبح الرؤية مجزأة، وتفقد مصداقيتها، وتستسلم في نهاية المطاف لضغوطات المدى القصير، ولن تؤتي مغامرة الابتعاد عن السعي وراء الريع ثمارها، إلا إذا تمكنت الدولة من فرض وتيرة الإصلاحات وتماسكها في مواجهة الجمود والمصالح الراسخة، وذلك بتحويل الإدارة نفسها إلى محرك للتغيير، بدلاً من كونها عائقًا هيكليًا.

كما أشكركم على تناول جريدة “البديل” لهذا الموضوع الذي أصبحت كل القطاعات تركز جهودها لإنجاح تنفيذه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى