
تعد أسواق ولاية تيسمسيلت، خلال الشهر الفضيل، من أبرز الأماكن التي يعكس فيها المجتمع الجزائري، صورة التلاحم الأسري والتضامن بين أفراده. وبالرغم من الأجواء الروحانية التي تميز شهر رمضان، فإن الحركية التجارية تتزايد بشكل ملحوظ مع اقتراب موعد الإفطار لكن، في وسط هذه الحركية، يبرز مشهد مميز وغير تقليدي في أسواق المدينة، حيث نرى أطفالا يقفون خلف الطاولات الصغيرة التي تعرض مختلف السلع الرمضانية التقليدية مثل أوراق البوراك، خبز المطلوع والشاربات، وغيرها من المواد الغذائية، هؤلاء الأطفال لم يكونوا هناك لسبب ترفيهي أو لقضاء وقت الفراغ، بل كانوا هناك لسبب أكبر من ذلك مساعدة عائلاتهم في مصاريف الشهر الكريم.
أسواق تيسمسيلت.. حركية تجارية قبل الإفطار
تعتبر أسواق ولاية تيسمسيلت، خاصة السوق المعروف بـ”سوق الدرب العتيق” في قلب العاصمة، من أبرز المواقع التجارية التي تشهد حركية كبيرة في رمضان، قبل ساعات قليلة من موعد الإفطار، يصبح السوق مليئا بالمواطنين الذين يتوافدون لشراء المواد الغذائية الأساسية لمائدة الإفطار، تتنوع المنتجات المعروضة، حيث تجد الخضار والفواكه، اللحوم، والحلويات المحلية مثل القطايف، بالإضافة إلى منتجات خاصة بشهر رمضان مثل البوراك والمطلوع.

و في هذا الزحام، ينتشر عدد من الأطفال الذين يشكلون جزء من النشاط التجاري في السوق، فهم يعرضون سلعهم على طاولات صغيرة يضعون عليها أوراق البوراك، خبز المطلوع، أو حتى بعض المشروبات الرمضانية مثل الشاربات، هؤلاء الأطفال يظهرون بشكل لافت للنظر وسط جموع الباعة الأكبر سنا، حيث يستعرضون بضاعتهم بنشاط وحيوية، آملين أن ينالوا إعجاب الزبائن.
المتجول في السوق يلاحظ بلا شك، الحضور الواضح للأطفال الذين لا يتجاوزون أعمارهم العشر سنوات، وهم يعرضون منتجاتهم على الطاولات الصغيرة. ولعل أول ما يلفت الانتباه، هو جدية هؤلاء الأطفال في أداء عملهم، إذ يحاول كل منهم ترتيب بضاعته بعناية فائقة، وتقديمها بطريقة تجذب الزبائن، يتسمون بالحماس ويحاولون لفت الأنظار بطريقة لطيفة. لكن وراء هذه الحركية، تكمن أسباب أعمق من مجرد بيع المنتجات.
عند سؤال هؤلاء الأطفال عن سبب تواجدهم في السوق، يجيب البعض منهم بأنهم هنا لمساعدة عائلاتهم في تحمل مصاريف الشهر الكريم، في العديد من الأسر، يزداد العبء المالي في رمضان بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما يدفع الأسر إلى البحث عن طرق إضافية للتأقلم مع هذه الضغوط، وهنا يأتي دور الأطفال، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على المشاركة في النشاط التجاري العائلي، من أجل المساهمة في تحقيق بعض العائدات التي تخفف من وطأة تكاليف الشهر.
أهمية البوراك والمطلوع في المائدة الرمضانية
تعتبر أوراق البوراك وخبز المطلوع، من المأكولات الأساسية التي تتربع على مائدة الإفطار في العديد من الأسر خلال شهر رمضان، إذ يتم تحضير البوراك محشيا باللحم أو الدجاج، ويقدم ساخنا مع السلطة والمشروبات الرمضانية. من جهته، يعد الخبز المطلوع، الذي يخبز على الطريقة التقليدية، جزء لا يتجزأ من وجبة الإفطار في الكثير من العائلات التيسمسيلتية، لذلك يزداد الطلب على هذه المنتجات في أسواق رمضان.
ويحرص الكثير من المواطنين على شراء البوراك والمطلوع بشكل خاص من هذه الأسواق الشعبية، سواء لتحضيرها في المنزل أو حتى للاستمتاع بها في جلسات الإفطار العائلية، وقد أصبح هؤلاء الأطفال جزء لا يتجزأ من هذا النشاط التجاري، حيث يعرضون هذه السلع الرمضانية التي تشهد إقبالا كبيرا من قبل المتسوقين.

أعباء فوق كاهل الأطفال
قد يظن البعض أن الأطفال في مثل هذه السن يجب أن يمضوا وقتهم في اللعب واللهو، لكن واقع هؤلاء الأطفال يختلف تماما، فمنذ ساعات الظهيرة وحتى موعد الإفطار، تجدهم في السوق يواجهون تحديات عدة، يقفون تحت أشعة الشمس في أيام رمضان، بينما هم في انتظار الزبائن لشراء ما يعرضونه، ينتظر هؤلاء الأطفال الزبائن أحيانا لفترات طويلة، يتنقلون بين الطاولات، يرفعون أصواتهم لمناداة المارة، في محاولات متكررة لجذب الانتباه إلى منتجاتهم، هؤلاء الصغار يعملون بجدية وإصرار، محاولين إتمام مهمتهم على أكمل وجه رغم صغر سنهم، بعضهم يضطر للبقاء في السوق لفترات طويلة من أجل جمع المال لمساعدة العائلة في شراء مستلزمات رمضان، بينما يسعى آخرون لتأمين مصروفات العيد أو حتى شراء ملابس جديدة.
الأطفال والمال.. رحلة من المسؤولية المبكرة
إن وجود هؤلاء الأطفال في السوق لا يقتصر على مجرد عرض السلع وبيعها، بل يمثل بداية لمسؤولية مبكرة يتحملها هؤلاء الصغار في حياتهم اليومية، من خلال هذا النشاط يتعلم الأطفال أساسيات العمل التجاري، حيث يبدأون في فهم قيمة المال والتعامل مع الزبائن.
بالإضافة إلى ذلك، فهم يصبحون جزء من المسؤولية العائلية. وبالرغم من أن هذا الدور قد يكون متعبا بالنسبة لهم، إلا أنهم يشعرون بالرضا عندما يرون أن مساهمتهم تساعد في تخفيف العبء عن كاهل الأسرة، البعض منهم يصرح بأنهم يعملون من أجل المساهمة في تلبية احتياجات أسرهم، بينما يؤكد آخرون أنهم يتمنون أن يساهموا في توفير بعض المال لشراء ملابس العيد، أو حتى المساهمة في شراء مستلزمات الإفطار.
مشهد هؤلاء الأطفال في أسواق تيسمسيلت أصبح صورة مألوفة لكل من يرتاد السوق في أيام رمضان، فقد أصبحوا جزء من الحياة اليومية للمتسوقين الذين اعتادوا رؤيتهم في أماكن محددة داخل السوق، هؤلاء الأطفال الذين يعملون بجد وبابتساماتهم البريئة، يساهمون بشكل أو بآخر في حركة السوق ويدخلون أجواء رمضان من زاوية أخرى، زاوية مليئة بالجدية والعمل والتضامن.
ورغم بساطة هذا النشاط التجاري، إلا أنه يكشف عن عمق التلاحم العائلي في المجتمع، حيث يتحمل الأطفال رغم صغر سنهم، جزء من الأعباء التي قد يواجهها الكبار، هؤلاء الأطفال يقدمون نموذجا من التضحية والعطاء، حتى وإن كانوا في مراحلهم الأولى من الحياة. وفي خضم الحركية الكبيرة التي تميز أسواق تيسمسيلت خلال رمضان، يبقى مشهد الأطفال الذين يبيعون البوراك والمطلوع مثالا حيا على التضامن العائلي في أوقات الشدة، هؤلاء الصغار لا يعرضون فقط سلعا بسيطة، بل يقدمون صورة إنسانية مؤثرة تعكس رغبتهم في مساعدة أسرهم ومساهمتهم في مواجهة التحديات اليومية.
إعداد / جطي عبد القادر



