روبرتاج

عيد عاشوراء في تلمسان..

 عاداتٌ متجذّرة وأجواءٌ تعيد الروح إلى البيوت العتيقة

 يحـيي الجزائريون يــوم عاشوراء بعادات وتقاليد مميزة، توارثوها جيلا بعد جيل، وعاشوراء مناسبة دينية تطل علينا في كل عاشر من شهر محرم، في التقويم الهجري، ويسمى عند المسلمين، بيوم عاشوراء، كونه يصادف العاشر من محرم، ويسميه البعض هكذا، لربطه بإخراج الزكاة، خصوصا عند الجزائريين، الذين يسمونها بـ “العـشور” كـيوم يتم فيه إخراج الزكاة، وهو يوم أيضا تحرص العائلات الجزائرية على إحيائه على طريـقـتها الخاصة.

ويـرتـبـط هــذا الــيوم بالعــديد من الأحداث والتواريخ، ومن هنا يكتسب هذا اليوم أهميته، فـكلمة عاشوراء تعني العاشر في اللغة العربية، ومن هنا أتت التسمية، وعلى الرغم من أن بعض علماء المسلمين لديهم عرض مختلف لسبب تسمية هذا اليوم بعاشوراء إلا أنهم يتفـقـون في أهمية هذا اليوم…

تعــدّ عاشوراء من بين أهم المناسبات الدينية التي يحتفل بها العالم الإسلامي أجمع، كما وقعت العديد من الأحداث التاريخية في هذا اليوم، فقـد ورد أن سيدنا آدم عليه السلام تاب في هذا اليوم، وفيه استوت سفينة سيدنا نوح على الجودي، وهو اليوم الذي خرج فيه يوسف من السجن ورد فيه بصر يعقوب ورد فيه يوسف على يعقوب، وهو اليوم الذي كانت فيه النار برداً وسلاماً على إبراهيم ونجا فيه الله إبراهيم من النار، وهو اليوم الذي نزلت فيه على عيسى مائدة من السماء، وهو اليوم الذي غفر الله به لداوود، و وهو اليوم الذي وهب فيه سليمان الملك…

يوم له أبعاد روحية لارتباطه بقصة نبينا موسى عليه السلام وسعيه لتخليص بني إسرائيل من طغيان فرعون لقوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنود فغشيهم من اليم ما غشيهم وأظل فرعون قومه وما تعدى)، بعـد ما أوحى الله إلى سيدنا موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه فضربه فتفرق أثنا عشر طريقا وصار الماء كالجبال العالية عن يمين الطرق ويسارها وأيبس الله طريقهم التي انـفـرت عنها الماء، وعندما تجبر فرعون أمر الله البحر فالتطم عليهم ليغرقـوا كـلهـم.

لقـد ظلت العائلة التلمسانية تعـيش وتمارس كثير من عاداتها وتقاليدها حاضرا كما مارستها وعاشتها في الماضي، ولم تر فيها أبدا عائق من عوائق التقدم العائلي، بل اعـتبرتها رمزا للأصالة وللتمسك وللإنتماء، فبالرغم من المشاكل والصعوبات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وبالرغم من اقتحام نماذج احتفالية جديدة، فإن العائلة التلمسانية محافظة على الظاهرة الاحتفالية بالأعياد ماضيا وحاضرا والإصرار عليها مرتبطة في أبعادها الاجتماعية والثقافية بمرجعية دينية وذلك لما يصاحب هذه الممارسة من أعمال خيرية اجتماعية جماعية، فالاحتفالية فرصة للقاء والتقارب والتماسك الاجتماعي من جهة، ومن جهة أخرى فرصة لإثبات الذات الجماعية وإثبات الهوية الثقافية، يترك المرء يحس بمعنى العيد ومعنى الاحتفالية في الذاكرة الشعبية التي تحتفظ بجغرافية زمانية وثقافية واجتماعية لكل عيد ولكل حفلة فمن عيد الفطر – إلى عيد الأضحى ثم باقي الأعـياد الأخرى : كيوم عاشوراء – المولد النبوي – الأسبوع – الولادة – الختان أو الطهارة – الخطوبة – الزواج – عيد الميلاد – رأس السنة الميلادية – رأس السنة الهجرية – الناير- الذهاب إلى الحج أو العودة منه – النجاح في الامتحانات – ختم الولد للقرآن – صوم الأطفال لأول مرة – الدخول والتنقل إلى الدار الجديدة – أعياد خاصة بالأولياء…فالظاهـرة الاحتفالية بهذه الأعــياد يتعدى في حقيقة الأمر الجرد الإحصائي لكل الأعياد وما يصاحب كل عيد من تحضيرات مادية ومعنوية كالطبخ الخاص أي كل عيد تخصص له مأكولات وأطباق خاصة، وكذا اللباس التقليدي، حيث أنه لكل مناسبة لباس خاص بـها.

 

فــرصـة للـتـقـرب مـن الله والمساجد تفتح أبوابها لوضع  “العْشور” أو زكاة الأموال

سوف نحاول الوقـوف على مظهر من مظاهر إحدى هذه العادات الدينية وهي عادة الاحتفال بيوم عاشوراء والتقاليد العائلية والذي استمر حيا منذ القديم حتى الوقت الحاضر الذي زادها قوة وحيوية، حيث تشكل هذه المناسبة بالنسبة لساكنة تلمسان، والذي يصادف العاشر من شهر محرم، مناسبة لإحياء طقوس مفعمة بتقاليد وعادات توارثتها الأجيال في هذه المنطقة التي يغلب عليها طابع التشبث بالأصالة التلمسانية العريقة وتجعل العائلات من هذه المناسبة، التي دأبت على الاحتفال بها، موعدا سنويا يتيح فرصة للاحتفال بطقوس وعادات متجذرة في المنطقة تروم رسم الابتسامة على وجوه الأطفال وإشراكهم فرحة هذا اليوم مع ما يقتضيه من واجب تعزيز وترسيخ التضامن والتكافل بين جميع فئات المجتمع المحلي الذي يحرص على التشبث بتراثه العريق، كما يشكل هذا اليوم “يوم عاشوراء” بالنسبة لساكنة تلمسان مناسبة للصيام والعبادة وترسيخ قيم التضامن الاجتماعي عن طريق منح الفقراء والمحتاجين مقدارا من المال كنوع من الزكاة، إذ خلال جولتنا، التقينا مع الحاجة فاطمة، 75 سنـة ربة بيت، أكدت أنها تحرص رفقة عائلتها على صوم هذه المناسبة، ومن جهته، يقول محمد، أب لطفلين، أنه عـلّم أبناءه فضل صيام هذه المناسبة وجعلهم يتمسكون بدورهم بذلك، وفي سياق متصل، كشف منير، أن الصوم هو العمل الوحيد الذي ثبت عن الرسول، الذي أراد بذلك نصرة سيدنا موسى، حيث قال أن المسلمين أحق بموسى من اليهود، فقام بصوم هذا اليوم وأمر أصحابه بذلك.

هـذا ويعتبر بعض التجار والباعة بالمنطقة التجارية العتيقة لمدينة تلمسان مثل “القصارية وسيدي حامد” و”المدرس”عـيد عاشوراء الذي يحل على الأمة الإسلامية في العاشر من محرم من كل سنة هجرية بالفرصة السانحة لتزكية الأموال وانتعاش الأعمال، من أجل تطهير أموالهم عن طريق توزيع زكاتهم العينية أو النقدية على الفقراء والمساكين، فيما يفضل البعض الآخر توجيه تلك الأموال لصندوق الزكاة قبل أن توزع على مستحقيها من قبل الجهات المعنية، إذ تفتح المساجد طوال اليوم في مختلف المدن والقرى لتمكين النّاس من وضع “العْـشور” أي زكاة أموالهم بعد أن مر عليها الحول، وتوزيعها على الفقراء وتسهيل زواج الشباب ودفع ديون المحتاجين.

وبالمقابل يغتنم الفقراء الذين استلموا نصيبهم من أموال الزكاة كرم السوق و”رحمته” الموسمية بغية اقتناء حاجاتهم من ألبسة وأقمشة وأحذية ومختلف اللوازم المعروضة، فضلا عن ذلك تتميز هذه المناسبة بزيارة المقابر للترحم على الموتى وتبادل الزيارات بين الأهل والأحباب وشراء الفواكه الجافة ولعب للأطفال وممارسة بعض الطقوس المرتبطة بأجواء احتفالات هذه المناسبة، كما تكتسي شوارع وأسواق تلمسان منذ بداية شهر محرم حلة خاصة إيذانا بالاستعدادات التي يخصصها أهل المنطقة لاستقبال مناسبة عاشوراء حيث تكثر محلات بيع الفواكه الجافة أو ما يصطلح عليه محليا بأصحاب “الفاكية” التي تعتبرها الأسر شرطا ضروريا للاحتفال.

 

طبق الكسيسي أو البركوكــس بــ “الـخـلـيـع”  أكلات الشعـبية تتبعها الأسرة التلمسانية

ومن الطقوس التي اعـتادت الأسر التلمسانية على ممارستها تخليدا ليوم عاشوراء إعداد أطباق محلية، حيث تـتـفـن ربات البيوت التلمسانية في تحضير أشهر الأكلات التقليدية، وفي هذا قالت من الحاجة فاطمة، جـرت العادة في أسرتي منذ كانت طفلة، إعداد طبق الكسيسي أو البركوكــس بالقـديد “اللحم المملح” أو المعروف لدى البعض بـ “الـخـلـيـع”، وهو جزء من أضحية العيد الأضحى المبارك، ونقوم بتمليحه وتجفيفه لمدة من الزمن تحت أشعة الشمس، وحين يأتي موعد طبخه، يتم نقعه في الماء لمدة من الوقت، للتخلص من ملوحـته، وأضافت أن تطور التكنولوجيا وتواجد الثلاجات جعل العائلات تتخلى عن القيام بتقـديد اللحم، لكن شخصيا لازلت محتفظة بهاته العادة، وسأورثها لأبنائي وحفيداتي، وعلى صعيد مماثل قالت السيدة فتيـحة، اعـتـدت تحضير في يوم عاشوراء طبق “الـرشـتـة و”التريد بالدجاج أو اللحم” وطبق “الشرشم” وهو حساء من القمح والفـول أو حمص يضاف إليه القــديد وبعض التوابل، وأجمل ما في الأمر اجتماع أفـراد الأسرة ليلة عاشورء، ونقوم بتحضير ما يسمـى بـ “العــشـا” مميز يقـدّم بعد صلاة المغرب ليلة عاشوراء، حتى نعطي لهذا اليوم طعمه الخاص، عادات وتقاليد أخرى عـبر الوطن، تقاطعت كلها في تحضير الأطباق الشعبية احتفاء بهذا اليوم العظيم، فضلا عن ذلك توزيع الفواكه الجافة على أفراد العائلة والمعروفة عـند أهل تلمسان، وكذا صناعة الحلويات، كما تحرص بعض العائلات أيضا على إعداد “السفنج” و”مسمن” صبيحة يوم عاشوراء وتقديمهما مع الفواكه الجافة المكونة من التمر واللوز والتين والزبيب، كما تقمن النساء في ليلة عاشوراء بوضع الحناء لكل أهل البيت خاصة البنات حتى تحن قلوبهن، إلى جانب التزين بقص خصلة من الشعر حتى يطول بسرعة حسب اعتقادهن، وكذلك بوضع الكحل ولبس أجمل الملابس والتعطّـر، وهـكـذا تكون عاشوراء فرصة ووسيلة في نفس الوقت لتوطيد الروابط العائلية والاجتماعية وإصلاح ذات البيـن، وإن انقرضت بعض العادات الآن وأصبحت في طيّ النسيان بحكم تغير المعايير الاجتماعـية، في حين لايتذكر منه سوى أنه يوم للراحة مدفوعة الأجر لتبقى الحكمة من الصوم والاحـتـفال أرفـع من هـذا كـلّــه.

اعداد:ع. أمير  

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى