
في زمن أصبحت فيه الجامعات تُقاس بمدى حضورها في منصات البحث العلمي العالمية، يبرز اسم البروفيسور” بوسهلة عبد المؤمن أنيس”، كواحد من الوجوه الأكاديمية الجزائرية التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الدولية بفضل التميز العلمي والإنتاج البحثي الرصين.
فمن مدينة سيدي بلعباس، حيث كانت البداية، إلى التصنيف ضمن أفضل اثنين بالمائة من الباحثين في العالم لأربع سنوات متتالية، يروي هذا المسار قصة باحث آمن بأن المعرفة هي الاستثمار الحقيقي، وأن النجاح العلمي لا يتحقق إلا بالإصرار والعمل الدؤوب.
ولد الأستاذ الباحث “عبد المؤمن أنيس بوسهلة “يوم 23 مارس 1987 بمدينة سيدي بلعباس، وشق طريقه الأكاديمي بخطوات ثابتة، حيث تحصل سنة 2009 على شهادة مهندس دولة في الهندسة المدنية، تخصص البناء المدني والصناعي، قبل أن ينال سنة 2015 شهادة دكتوراه العلوم في تخصص الهياكل والمواد من جامعة جيلالي ليابس بسيدي بلعباس.
ولم تتوقف مسيرته عند حدود التحصيل العلمي، بل واصل بناء مشروعه البحثي حتى رُقي إلى رتبة أستاذ سنة 2022 بموجب القرار الوزاري رقم 820 المؤرخ في الأول من جويلية 2022، مرفقًا بتهاني وزير التعليم العالي والبحث العلمي تقديرًا لما قدمه من أعمال علمية استثنائية.
ويعد البروفيسور “بوسهلة” اليوم من أبرز الباحثين الجزائريين في الهندسة المدنية وعلوم المواد، إذ يشتغل في مجال النمذجة متعددة المقاييس وتحليل سلوك المواد المتقدمة، وخاصة المواد المتدرجة وظيفيًا والمواد المركبة، وهي مجالات علمية دقيقة تشكل أساسًا لتطوير الصناعات والهياكل الهندسية الحديثة.
وقد تُوج هذا المسار بعدة تكريمات وطنية ودولية، أبرزها إدراجه ضمن قائمة أفضل 2% من الباحثين في العالم وفق تصنيف Elsevier بالتعاون مع جامعة ستانفورد للأعوام 2021 و2022 و2023 و2024، إلى جانب حصوله على وسام الاستحقاق من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والجائزة الكبرى لأكاديمية العلوم والتكنولوجيا في فئة الباحث الشاب، فضلاً عن تحقيق معامل هيرش (H-Index) بلغ 82، وهو من أعلى المؤشرات العلمية وطنياً.
وفي هذا الحوار الخاص، يحدثنا الأستاذ الباحث” عبد المؤمن أنيس بوسهلة” عن رحلته العلمية، وأسرار النجاح، وواقع البحث العلمي في الجزائر، ورؤيته لمستقبل الجامعة الجزائرية.
بداية، من هو البروفيسور عبد المؤمن أنيس بوسهلة؟ وكيف كانت انطلاقة رحلتكم العلمية؟
بدايةً أشكركم على هذه الاستضافة الكريمة.
أنا “بوسهلة عبد المؤمن أنيس”، أستاذ في الهندسة المدنية بجامعة جيلالي ليابس بسيدي بلعباس، وأشتغل في مجال النمذجة متعددة المقاييس وتحليل سلوك المواد المتقدمة، خاصة المواد المتدرجة وظيفيًا والمواد المركبة.
بدأت رحلتي العلمية بشغف كبير نحو البحث والتطوير، وكان هدفي منذ البداية الجمع بين الجانب النظري والتطبيقات الهندسية الحديثة، لأن البحث العلمي الحقيقي يجب أن ينعكس على الواقع ويسهم في تطوير الصناعة والهندسة.
مسيرتكم الأكاديمية كانت حافلة بالنجاحات، كيف تلخصون أبرز محطاتها؟
بعد حصولي سنة 2009 على شهادة مهندس دولة في الهندسة المدنية تخصص البناء المدني والصناعي، واصلت مساري الأكاديمي إلى غاية نيل شهادة دكتوراه العلوم سنة 2015 في تخصص الهياكل والمواد.
عملت أستاذًا باحثًا بالمركز الجامعي أحمد زبانة بغليزان بين سنتي 2013 و2019، حيث تمت ترقيتي إلى رتبة أستاذ محاضر “أ” سنة 2017، ثم التحقت بجامعة جيلالي ليابس بسيدي بلعباس أستاذًا باحثًا منذ ديسمبر 2019، قبل أن أرسم أستاذًا سنة 2022.
كما تقلدت عدة مسؤوليات بحثية، بداية بعضوية مخبر المواد والهيدرولوجيا، ثم رئاسة فريق بحث بمخبر المحاكاة والنمذجة متعددة المقاييس، وأشرف اليوم على مشروع بحث بمخبر التميز “تميز” للمواد والهيدرولوجيا.
تم اختياركم ضمن أفضل الباحثين الشباب في الجزائر، كما نلتم الجائزة الكبرى لأكاديمية العلوم والتكنولوجيا. ماذا يعني لكم هذا التكريم؟

هذا التتويج يمثل شرفًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية أكبر.
أعتبره تكريمًا لكل من ساهم في تكويني من أساتذة وباحثين ومؤسسات جامعية، وليس إنجازًا شخصيًا فقط.
كما أنه يمنحني دافعًا إضافيًا لمواصلة البحث والإبداع، وخدمة الجامعة الجزائرية، والمساهمة في رفع مستوى البحث العلمي في بلادنا.
أنتم أيضًا مصنفون ضمن أفضل 2% من الباحثين في العالم لأربع سنوات متتالية. كيف يتحقق مثل هذا الإنجاز؟
التصنيفات العالمية تعتمد على معايير دقيقة، أهمها جودة النشر العلمي، وعدد الاستشهادات بالأبحاث، والتأثير العلمي، والانفتاح على التعاون الدولي.
بالنسبة لي، هذا التصنيف هو ثمرة سنوات من العمل المتواصل، والالتزام بالمعايير الدولية في البحث العلمي، كما أنه يعكس الحضور المتزايد للجامعة الجزائرية في المحافل الأكاديمية العالمية.
حققتم معامل هيرش بلغ 82، وهو رقم لافت. ماذا يمثل لكم هذا المؤشر؟
معامل هيرش ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو مؤشر على مدى تأثير الأبحاث العلمية في المجتمع الأكاديمي.
وصولي إلى هذا الرقم يعكس حجم الاستشهادات بالأبحاث المنشورة، وهو مسؤولية تحفزني على المحافظة على جودة الإنتاج العلمي أكثر من الاهتمام بالأرقام.
من يقف وراء هذا النجاح؟
لا يوجد نجاح فردي وراء كل باحث أساتذة ومؤسسات وزملاء دعموا مسيرته. كما أن الاجتهاد والاستمرارية، واختيار مواضيع بحثية ذات قيمة علمية، والانفتاح على التعاون الدولي، كانت كلها عوامل أساسية في هذا النجاح.
لكم علاقة علمية مميزة مع الأستاذ تونسي، ماذا أضاف لكم؟
كانت تجربة ثرية ومؤثرة للغاية .تعلمت منه الكثير، ليس فقط في الجانب الأكاديمي، وإنما أيضًا في منهجية التفكير العلمي، والانضباط، واحترام أخلاقيات البحث، والإيمان بأن الباحث الحقيقي يتعلم كل يوم.
ما هي أهم المقاييس التي تقومون بتدريسها؟
أدرّس عدة مقاييس في الهندسة المدنية، من بينها:
- ميكانيك المواد.
- تحليل الهياكل.
- الاهتزازات.
- أخلاقيات المهنة.
- الملكية الفكرية.
وأعتبر تدريس أخلاقيات المهنة والملكية الفكرية من أهم المقاييس، لأنه يساهم في تكوين باحث مسؤول يحترم القيم العلمية.
ماذا عن أبرز إنجازاتكم البحثية؟
نشرت العديد من الأبحاث في مجلات علمية دولية مرموقة، خاصة في مجالات الاستقرار والانحناء والاهتزاز للمواد المتقدمة.
وتسهم هذه الدراسات في تطوير فهم علمي أعمق لسلوك المواد، كما تقدم حلولًا هندسية مبتكرة يمكن استثمارها في مجالات البناء والصناعة.
شاركتم مؤخرًا في مؤتمر دولي، ماذا أضاف لكم؟
كانت المشاركة فرصة مهمة لتبادل الخبرات مع باحثين من مختلف دول العالم، وعرض آخر نتائج أبحاثنا.
كما خرج المؤتمر بعدة توصيات تدعو إلى توسيع التعاون العلمي الدولي، وهو ما أعتبره أحد أهم مفاتيح تطوير البحث العلمي.
كيف تنظرون إلى واقع البحث العلمي في الجزائر؟
هناك تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، لكن لا تزال توجد تحديات تتعلق بالتمويل، والإجراءات الإدارية، والحاجة إلى بيئة بحثية أكثر مرونة.
الباحث الجزائري يمتلك الكفاءة والطموح، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدعم والمرافقة حتى يحقق أفضل النتائج.
ما هي رسالتكم إلى الطلبة والباحثين الشباب؟
أنصحهم بالإيمان بقدراتهم، والاجتهاد، والصبر، وعدم الخوف من الفشل.
كما أدعوهم إلى متابعة الأبحاث العالمية، وتطوير مهارات اللغة والتواصل العلمي، والانفتاح على التعاون الدولي، لأن هذه العناصر أصبحت ضرورية للتميز في عالم البحث.
كلمة أخيرة…
أؤمن بأن النجاح ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، بل هو رحلة مستمرة من التعلم والعطاء.
وأدعو كل شاب جزائري إلى الثقة في نفسه، والعمل بجد، لأن الجزائر تزخر بالكفاءات، وهي بحاجة إلى علم أبنائها لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.
شكراً لكم على هذه الاستضافة، وأتمنى التوفيق لكل الباحثين الشباب في مسيرتهم العلمية.
فتحي مبسوط



