
يعد الفن التشكيلي، أحد أهم أشكال التعبير الإبداعي التي تعكس مشاعر الإنسان، وتترجم رؤيته للحياة والجمال، ومن بين الوجوه الفنية الشابة، التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الثقافية بولاية تيسمسيلت، يبرز إسم الفنان التشكيلي والنحات على الخشب “مصباح رشيد”، الذي شق طريقه في عالم الإبداع بعصامية وإصرار، مستندا إلى موهبة إكتشفها منذ سنوات الدراسة الأولى، قبل أن يصقلها بالممارسة والمشاركة في مختلف التظاهرات الثقافية المحلية والوطنية.
في هذا الحوار، يفتح لنا الفنان “مصباح رشيد” نافذة على بداياته الفنية، وأبرز أعماله، وطموحاته المستقبلية، كما يتحدث عن واقع الفن التشكيلي وأهمية المحافظة عليه باعتباره جزءا من الهوية الثقافية للمجتمع.
بداية، نرحب بكم عبر صفحات جريدة “البديل”، وندعوكم إلى تقديم نبذة عن شخصكم الكريم للقراء؟
شكرا لكم على هذه الاستضافة الطيبة، أنا “مصباح رشيد”، فنان تشكيلي عصامي من ولاية تيسمسيلت، أمارس فن النحت على الخشب الذي أعتبره امتدادا طبيعيا للفن التشكيلي، أعمل منذ سنوات على تطوير موهبتي الفنية من خلال التعلم المستمر، والمشاركة في مختلف الأنشطة والتظاهرات الثقافية، أؤمن بأن الفن رسالة نبيلة، ووسيلة راقية للتعبير عن الأفكار والمشاعر والقيم الإنسانية.
متى اكتشفت موهبتك الفنية؟ وكيف كانت أولى خطواتك في هذا المجال؟
يمكنني القول إن علاقتي بالفن بدأت منذ مرحلة الطفولة، في سنوات الدراسة الابتدائية ، حيث كنت أخصص جزء كبيرا من وقتي، لمحاولة تجسيد ما أراه أو أتخيله على الورق، ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الهواية جزء من حياتي اليومية، إلى أن وجدت الفرصة المناسبة لتطويرها، من خلال الانخراط في الأنشطة الثقافية والشبابية، فقد التحقت بدار الشباب “بويليس عمر”، ثم بدار الثقافة “مولود قاسم نايت بلقاسم” بمدينة تيسمسيلت، وهناك بدأت أتعرف أكثر على تقنيات الرسم وأساليبه المختلفة.
ما الذي جذبك إلى الفن التشكيلي تحديدا دون غيره من الفنون؟
الفن التشكيلي بالنسبة لي عالم واسع، يمنح الفنان حرية كبيرة في التعبير، فمن خلال اللوحة يمكن نقل فكرة أو إحساس أو موقف دون الحاجة إلى الكلمات. كما أن هذا الفن، يسمح للفنان بالتواصل مع مختلف شرائح المجتمع مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم. لقد وجدت نفسي في هذا المجال لأنه الأقرب إلى شخصيتي وإلى طريقة تفكيري، حيث أستطيع عبر الألوان والخطوط والأشكال، أن أترجم ما أشعر به وما أراه في محيطي بطريقة إبداعية ومباشرة.
إلى جانب الفن التشكيلي، تمارسون أيضا النحت على الخشب، كيف جاءت هذه التجربة؟
النحت على الخشب من الفنون الجميلة التي استهوتني كثيرا، لأنه يمنح الفنان فرصة تحويل قطعة خشبية بسيطة إلى عمل فني يحمل قيمة جمالية ومعنوية ، بدأت اهتمامي بهذا الفن بدافع الفضول، والرغبة في اكتشاف مجالات إبداعية جديدة، ثم تطور الأمر تدريجيا إلى ممارسة فعلية، فالنحت يحتاج إلى الصبر والدقة والتركيز، وهو يختلف عن الرسم من حيث الأدوات والتقنيات، لكنه يشترك معه في الجانب الإبداعي والقدرة على التعبير الفني، لذلك أعتبر أن ممارستي للنحت، أضافت الكثير إلى تجربتي التشكيلية وساعدتني على تطوير رؤيتي الفنية.
ما هي الأدوات التي تعتمد عليها في إنجاز أعمالك الفنية؟
تختلف الأدوات بحسب طبيعة العمل الفني المراد إنجازه، لكن بشكل عام أستخدم العديد من الوسائل والتقنيات، من بينها الألوان الترابية، الألوان المائية والألوان الزيتية، إضافة إلى أقلام الرصاص الخاصة بالرسم، فلكل أداة خصوصيتها وجماليتها. كما أن لكل تقنية تأثيرا مختلفا على العمل الفني، لذلك أحاول دائما إاختيار الأدوات التي تتناسب مع الفكرة التي أرغب في تجسيدها، ومع الرسالة التي أريد إيصالها من خلال اللوحة.
ما المواضيع التي تستلهم منها أعمالك الفنية؟
أستلهم أعمالي من الحياة اليومية ومن البيئة التي أعيش فيها، فأنا أرسم المناظر الطبيعية التي تعكس جمال الطبيعة الجزائرية، كما أرسم البورتريهات والشخصيات الإنسانية التي تحمل في ملامحها قصصا وتجارب مختلفة، وفي أحيان كثيرة، تكون اللوحة انعكاسا لمشاعر أو أحاسيس داخلية، حيث أحاول ترجمة ما يدور في خاطري إلى أشكال وألوان، تمنح المتلقي فرصة للتأمل واكتشاف أبعاد جديدة للعمل الفني.
هل هناك أعمال أو لوحات تعتز بها بشكل خاص؟
بصراحة، أعتز بكل الأعمال التي أنجزتها، لأنها تمثل مراحل مختلفة من مسيرتي الفنية، كل لوحة تحمل جزء من شخصيتي ومن تجربتي، وكل عمل فني يروي قصة معينة أو يوثق لحظة خاصة من حياتي، لكن تبقى الأعمال المرتبطة بالتراث المحلي والطبيعة الجزائرية من أكثر الأعمال قربا إلى قلبي، لأنها تعكس هويتنا الثقافية، وتبرز الجمال الذي تزخر به مناطقنا المختلفة.
ماهي أبرز التظاهرات الفنية والثقافية التي سجلت فيها حضوركم؟
الحمد لله، كانت لي مشاركات عديدة على المستوى المحلي والوطني، فعلى المستوى المحلي شاركت في عدة أنشطة وتظاهرات نظمتها دار الثقافة “مولود قاسم نايت بلقاسم” بتيسمسيلت، حيث ساهمت في إنجاز جداريات، ورسم بورتريه لشهيد، وتحصلت على المرتبة الأولى، إلى جانب أعمال فنية متنوعة في مجال الفن التشكيلي.
أما على المستوى الوطني، فقد كانت لي مشاركة في تظاهرة الأسبوع الثقافي بولاية المسيلة، وهي تجربة مهمة سمحت لي بالاحتكاك بفنانين من مختلف ولايات الوطن وتبادل الخبرات والتجارب معهم. هذه المشاركات، ساهمت بشكل كبير في تطوير مستواي الفني، ومنحتني فرصة عرض أعمالي أمام جمهور أوسع، كما شجعتني على مواصلة العمل والاجتهاد لتحقيق المزيد من الإنجازات.
ماذا أضافت لكم هذه التظاهرات من الناحية الفنية والإنسانية؟
المشاركة في التظاهرات الثقافية لا تقتصر على عرض الأعمال الفنية فقط، بل تشكل مدرسة حقيقية للتعلم واكتساب الخبرة. فمن خلالها، يتعرف الفنان على أساليب جديدة في العمل وعلى تجارب متنوعة لفنانين آخرين. كما تساهم هذه اللقاءات، في بناء علاقات إنسانية وثقافية مهمة، وتفتح آفاقا جديدة للتعاون وتبادل المعرفة، لذلك أعتبر أن كل مشاركة كانت بمثابة محطة تعليمية ساعدتني على تطوير نفسي فنيا وفكريا.
أشرتم إلى حصولكم على عدد من الشهادات التكوينية والتأهيلية في مجالات فنية مختلفة، فهل تطلعوننا على أبرزها؟
نعم، حصلت على عدد من الشهادات التكوينية والتأهيلية في مجالات فنية مختلفة، من بينها شهادة تكوين في التصوير الفوتوغرافي، وشهادة تأهيل في النحت، إضافة إلى شهادة تكوين في مجال السينوغرافيا. أؤمن بأن الفنان يحتاج دائما إلى التكوين المستمر وتطوير مهاراته، لأن الفن مجال متجدد ومتطور باستمرار، لذلك أسعى إلى الاستفادة من كل فرصة تمكنني من اكتساب معارف جديدة تثري تجربتي الفنية.
ما أهمية التكوين بالنسبة للفنان؟
التكوين يلعب دورا أساسيا في صقل الموهبة، فالموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق النجاح إذا لم تدعم بالمعرفة والتدريب والممارسة المستمرة. ومن خلال التكوين، يكتسب الفنان أدوات جديدة تساعده على تحسين أدائه وتوسيع آفاقه الإبداعية، كما تمكنه من مواكبة التطورات الفنية الحديثة والاستفادة من التجارب الناجحة.
كيف تنظرون إلى واقع الفن التشكيلي اليوم؟
الفن التشكيلي في الجزائر يزخر بالطاقات والمواهب الشابة القادرة على تقديم أعمال متميزة، لكن هذه المواهب تحتاج إلى المزيد من الدعم والفضاءات التي تسمح لها بالتعبير عن إبداعاتها. كما أن نشر الثقافة الفنية بين مختلف فئات المجتمع، يبقى أمرا مهما من أجل تعزيز مكانة الفن، وإبراز دوره في التنمية الثقافية والحفاظ على الهوية الوطنية.
ما هو طموحكم المستقبلي في هذا المجال؟
أطمح إلى تطوير تجربتي الفنية بشكل أكبر، وأن أرتقي بأعمالي من المستوى المحلي إلى فضاءات أوسع على المستويين الوطني والدولي. كما أسعى إلى المشاركة في معارض وتظاهرات عالمية، تسمح لي بالتعريف بإبداعاتي وبالثقافة الجزائرية، وأتمنى أن أواصل التعلم واكتساب الخبرات، وأن أقدم أعمالاً تترك أثرا إيجابيا لدى الجمهور، وتعكس الصورة الحقيقية للفن الجزائري.
في رأيكم، كيف يمكن الحفاظ على الفن التشكيلي وتطويره؟
أرى أن المحافظة على الفن التشكيلي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الثقافية والفنانين والجمهور، ويتحقق ذلك من خلال دعم المبادرات الفنية، وتشجيع المواهب الشابة، وتنظيم المعارض والورشات التكوينية، إضافة إلى تعزيز حضور الفن في المؤسسات التربوية والثقافية، الفن التشكيلي ليس مجرد هواية أو نشاط ترفيهي، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع ورمز من رموز هويته الحضارية، ولذلك يجب المحافظة عليه وتثمينه.
كلمة أخيرة لقراء جريدة “البديل”؟
أشكر جريدة “البديل” على هذه الالتفاتة الإعلامية، وعلى اهتمامها بالمبدعين والفنانين، كما أتوجه بالشكر إلى القائمين على دار الثقافة “مولود قاسم نايت بلقاسم” وإلى دار الشباب “بويليس عمر” بتيسمسيلت، نظير ما يقدمونه من دعم وتشجيع للمواهب الشابة، وأدعو الشباب إلى التمسك بأحلامهم والعمل على تطوير مواهبهم مهما كانت الصعوبات، لأن الإبداع الحقيقي يولد من الشغف والإرادة والمثابرة.
حاوره: جطي عبد القادر



