
لم يعد حضور الجامعة الجزائرية في التصنيفات الدولية مجرد حلم مؤجل أو شعار يُرفع في المناسبات، بل أصبح واقعًا أوليًا، بدأ يتشكل مع دخول جامعات جزائرية إلى تصنيف “QS” العالمي حسب التخصصات.
هذا التطور، رغم أهميته الرمزية، يطرح سؤالًا أبعد من الاحتفاء بالإنجاز: هل نحن أمام بداية تحول حقيقي يضع الجامعة الجزائرية على طريق التموقع الدولي، أم أننا ما زلنا في حدود ظهور جزئي يحتاج إلى رؤية أعمق، حتى يتحول إلى صعود مستدام؟ ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف يمكن للجامعات الجزائرية أن تنتقل من تسجيل حضور أولي في التصنيفات العالمية إلى بناء مكانة مستقرة وتنافسية داخلها، وما الذي يجعل تصنيف “QS” مدخلًا مناسبًا، لفهم هذا المسار ورسم خارطة طريق قابلة للتنفيذ؟
بوادر الظهور الجزائري في تصنيف “QS”
دخلت الجامعة الجزائرية في الأشهر الأخيرة مرحلة تستحق التفاؤل، بعد الإعلان رسميًا عن تمكن جامعات جزائرية، لأول مرة، من الظهور في تصنيف “QS” العالمي، حسب التخصصات لسنة 2026. ويعود هذا التصنيف إلى مؤسسة “QS”، وهو اختصار لـ “Quacquarelli Symonds”، وهي مؤسسة بريطانية مستقلة متخصصة في تصنيفات التعليم العالي عالميًا ومقرها لندن.
وفي هذا السياق، برز حضور جامعة “هواري بومدين” للعلوم والتكنولوجيا في 3 تخصصات استراتيجية، فيما تمكنت جامعة “جيلالي ليابس” من التموقع ضمن قائمة أفضل 450 جامعة عالميًا في أحد التخصصات المصنفة. وهذا التطور، لا ينبغي النظر إليه كخبر احتفالي عابر، بل بوصفه مؤشرًا عمليًا على أن الجامعة الجزائرية بدأت تفتح لنفسها منفذًا حقيقيًا إلى الخريطة الأكاديمية الدولية من بوابة التميز التخصصي.
لماذا يبدو “QS” مناسبًا للجامعات الجزائرية؟
عند النظر إلى خريطة التصنيفات العالمية، تبرز 3 مراجع كبرى: (تصنيف التايمز للتعليم العالي، وتصنيف شنغهاي، وتصنيف QS العالمي للجامعات). غير أن لكل تصنيف فلسفته الخاصة.
فـ “التايمز” يركز بدرجة كبيرة على الجامعات البحثية، ويعتمد على 18 مؤشرًا موزع على 5 محاور كبرى. أما تصنيف “شنغهاي”، فيرتكز على مؤشرات بحثية صارمة، من بينها الحاصلون على “نوبل” و”فيلدز”، والباحثون الأعلى استشهادًا، والأبحاث المنشورة في مجلتي (Nature وScience).
في المقابل، يبدو “QS” أكثر مرونة بالنسبة إلى الجامعات التي لم ترسخ بعد حضورًا قويًا في التصنيفات العامة، لأنه يجمع بين السمعة الأكاديمية، وسمعة أصحاب العمل، والاستشهادات العلمية، والانفتاح الدولي، وبعض مؤشرات التوظيف والاستدامة. كما أن تصنيفاته حسب التخصصات تسمح بظهور الجامعات التي قد لا تبرز في التصنيف العام، لكنها تملك تميزًا حقيقيًا في مجال بعينه. ولهذا، فإن اعتماد “QS” نموذجًا للتحليل يبدو أكثر ملاءمة عند الحديث عن الجامعات الجزائرية، خاصة من زاوية التخصصات.
منهجية “QS” في تصنيف الجامعات
لا ينبغي فهم آلية “QS” على أنها تصنيف تلقائي شامل لكل الجامعات، كما لا تقوم على مجرد تقديم طلب إدراج بسيط من المؤسسة. فالتصنيف يرتبط بشروط أهلية وحدود دنيا تختلف بحسب كل تصنيف، ولا سيما في تصنيفات التخصصات المرتبطة بالنشر والسمعة والبرامج الأكاديمية المتاحة في المجال نفسه.
ومن أمثلة ذلك، أن “QS” يشترط في بعض التخصصات حدًا أدنى من الإنتاج العلمي المفهرس في “Scopus” خلال 5 سنوات؛ ففي علوم الأرض، يشترط ما لا يقل عن 80 بحثًا، بينما يرتفع هذا الحد في علوم الحاسوب إلى 140 بحثًا، فضلًا عن ضرورة وجود برنامج جامعي في التخصص وتخريج 3 دفعات على الأقل قبل اكتساب أهلية الظهور.
ومن ثم، فإن دور الجامعة لا يتمثل في “طلب التصنيف” فقط، بل في ضمان تمثيلها الصحيح عبر بيانات مؤسسية دقيقة، وهوية بحثية موحدة، وقدرة فعلية على تحويل الجودة الداخلية إلى حضور دولي مرئي وقابل للقياس.
خطوات عملية على المدى القريب:
(01)- تفعيل البنية المؤسسية للتصنيف: إذا كان فهم منهجية “QS” مدخلًا أساسيًا، فإن الخطوة العملية الأولى هي تحويل هذا الفهم إلى خطة مؤسسية دائمة، بدل الاكتفاء بردود الأفعال الموسمية عند صدور النتائج.
ولهذا، تحتاج كل جامعة إلى آلية واضحة تعنى بالجودة والبيانات والتصنيف، تتولى جمع المؤشرات، وتحيينها، وربطها بالتقارير السنوية وبالقرارات الأكاديمية. وتزداد أهمية هذا التوجه لأن الجزائر تمتلك أصلًا أرضية تنظيمية في مجال ضمان الجودة، بما تتضمنه من آليات للتقييم الذاتي والتحسين المستمر والتعاون الدولي والعلاقة بالمحيط السوسيو-اقتصادي.
ولذلك، فإن التحدي لا يكمن فقط في إنشاء هياكل جديدة، بل في توجيه البنية القائمة نحو بناء ملف مؤسسي متماسك للتصنيف، قائم على دقة البيانات والمتابعة المنتظمة وقابلية القياس دوليًا.
(02)- التركيز على التخصصات الواعدة: لا يبدو من الواقعي أن تحاول الجامعة تحسين موقعها في كل المجالات دفعة واحدة. ولهذا فإن التركيز على التخصصات الواعدة، يمثل الخطوة الأكثر عقلانية، لأن تصنيفات التخصصات هي الأقرب للجامعات التي لم تترسخ بعد في التصنيفات العامة.
فالجامعة تستطيع أن تبدأ من الحقول التي تمتلك فيها كتلة بحثية واضحة، أو سمعة أولية، أو علاقة أوثق بالصناعة والمجتمع. كما يمكن أن يشكل التصنيف العربي لـ”QS” مرحلة تمهيدية ذكية لبناء السمعة وتحسين المؤشرات واختبار الجاهزية قبل السعي إلى التوسع في التصنيف العالمي العام. وبهذا المعنى، لا يكون الصعود في التصنيف قفزة مفاجئة، بل مسارًا يبدأ من النقاط الأقوى والأكثر قابلية للبروز.
(03)- حوكمة البيانات وتوحيد الهوية المؤسسية: جزء مهم من ضعف الظهور الدولي لا ينتج عن ضعف البحث في ذاته، بل عن اضطراب البيانات. ففوضى الانتسابات المؤسسية، وتعدد صيغ كتابة اسم الجامعة، وغياب توحيد ملفات الباحثين ومعرّفاتهم. كلها عوامل تؤدي إلى تشتيت الرصيد البحثي وإضعاف أثره.
لذلك، يصبح من الضروري اعتماد اسم إنجليزي رسمي موحد للجامعة، وضبط الانتسابات المؤسسية للباحثين، وتعميم معرّف “ORCID”، ومتابعة الظهور الصحيح للأبحاث في “Scopus”. فالجامعة التي تترك رصيدها البحثي مبعثرًا تخسر جزءًا من أثرها من حيث لا تشعر، في حين أن الحوكمة الدقيقة للبيانات تمثل شرطًا أساسيًا للتمثيل العادل في التصنيف.
(04)- بناء شبكة بحث دولية ذات أثر: لا يكتمل هذا المسار من دون تعزيز شبكة البحث الدولية على نحو موجّه. فالشراكات التي تدعم حضور الجامعة في “QS” ليست مذكرات تفاهم بروتوكولية، بل تعاونات بحثية حقيقية تفضي إلى نشر مشترك، ومشاريع مخبرية ممتدة، وأطروحات مزدوجة الإشراف، وبرامج ما بعد الدكتوراه، وحركية فعلية للأساتذة والطلبة. فالتدويل، في منطق التصنيف، لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة الجامعة على بناء شبكات بحثية مستدامة ذات أثر ملموس.
(05)- تحويل العلاقة مع الاقتصاد إلى رصيد تصنيفي: لا تُقاس الجامعة بعدد ما تنشره فقط، بل كذلك بقدرتها على أن تجعل أرباب العمل يلمسون أثرها في نوعية خريجيها، وفي صلتها بالقطاعات الإنتاجية.
ولهذا، فإن تحويل العلاقة مع الاقتصاد إلى رصيد تصنيفي يمثل خطوة أساسية، ويتحقق ذلك عبر تتبع الخريجين، وتفعيل مجالس الشراكة مع أصحاب العمل، وتحيين البرامج وفق حاجات السوق، وتوسيع التدريب الميداني، وتشغيل دار المقاولاتية وحاضنات الأعمال، وتسويق نتائج البحث. فصورة الجامعة لدى سوق العمل جزء لا ينفصل عن تحسين موقعها في التصنيف.
(06)- إظهار الإنتاج العلمي على المنصات الرسمية: لا يكفي أن يُنجز الإنتاج العلمي ويُنشر، بل يجب أيضًا أن يكون مرئيًا ومنظمًا وسهل الوصول. لذلك، من المهم حثّ أعضاء هيئة التدريس وطلبة ما بعد التدرج على جعل أعمالهم وأبحاثهم المنشورة متاحة، سواء على الموقع الرسمي للجامعة أو عبر مستودع مؤسسي رقمي.
وينبغي أن تتحول المواقع الجامعية من واجهات إدارية جامدة إلى واجهات علمية حية تعرض المقالات المصنفة، والرسائل الجامعية، وروابط DOI، وصفحات الباحثين والمخابر والمشاريع البحثية. فالظهور الرقمي المنظم للإنتاج العلمي يعزز سمعة الجامعة، ويسهّل اكتشافها أكاديميًا، ويمنحها صورة أكثر احترافية في الفضاء العلمي الدولي.
(07)- توجيه البحث نحو الابتكار والقطاعات الإنتاجية: من المهم أيضًا دفع مواضيع التخرج ورسائل الماستر والدكتوراه نحو مشكلات المؤسسات الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية، مع إعطاء أولوية لبراءات الاختراع والابتكار التطبيقي.
فحين ترتبط البحوث الجامعية بحاجات الاقتصاد والمجتمع، يتحسن أثرها المهني والعلمي معًا، وتصبح الجامعة أقرب إلى منطق التصنيف الذي يربط بين المعرفة والتشغيل والأثر المجتمعي. ولذلك، فإن تشجيع المشاريع التطبيقية، ومرافقة الطلبة في تحويل بعض الأعمال إلى نماذج أولية أو براءات اختراع أو شركات ناشئة، يمثل رافعة مزدوجة للجامعة: أكاديميًا وتصنيفيًا.
د. عمر العربي من جامعة بشار



