
يعيش الرأي العام اليوم تقاسما وتجاذبات وسط المعلومات المتضاربة، في نقل أخبار وما يجري بخصوص الاعتداء الأمريكي على إيران وما يحصل بالشرق الأوسط، في ظل التطور الإعلامي ودخول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية عموما على الخط، مما جعل التأكد من صحة المعلومة وصدق المصدر أمرا صعبا، وفتح الباب أمام الجمهور ليتساءل حول مصداقية الصحفي، ومدى حيادة وسائل الإعلام في نقل الأخبار.
ولتوضيح بعض نقاط الظل، ومحاولة فهم ما يجري على الساحة الإعلامية، تواصلت يومية “البديل” مع الباحث الإعلامي والأستاذ الجامعي، الصحفي “غوثي شقرون”، وأجرت معه هذا الحوار:
ما تأثير الإعلام المزيف على الرأي العام؟
وظيفة وسائل الإعلام والاتصال بأنواعها، المطبوعة والسمعية البصرية والإلكترونية، تقديم معلومات وأخبار موضوعية دقيقة وصادقة، لكنها ليست محايدة بل تخدم أجندات الأنظمة. وهي تمارس الإعلام المزيف، بنشر الأخبار والمعلومات الكاذبة والمغرضة لأسباب دعائية، وتنقل معلومات الساسة المزيفة. لذلك، فالإعلام المزيف والمغالط هو نتيجة حتمية للكذب السياسي الصادر عن الحكام والمسؤولين عبر الزمان والمكان، فهو يضلل الرأي العام ويوجهه توجيها خاطئا بتغليف الحقيقة بالكذب. ومما يؤكد صحة القول في ملازمة الكذب للأخبار، هو المراجع والمؤلفات التي تناولت ظاهرة الكذب عموما والكذب الإعلامي خصوصا، نذكر كتاب “تاريخ الكذب” للفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا)، الذي تناول فيه نموذج الكذب السياسي وتقاطعه مع الكذب الإعلامي الذي يحتل مساحة واسعة في وسائل الإعلام والاتصال.
أما الكتاب الثاني “فن الكذب” للفيلسوف (أفلاطون)، كتاب “فلسفة الكذب” للمؤلف (محمد مهدي علام)، وكتاب “الكذب” لـ(سام هاريس). يقول “أوتفون بسمارك”: “يكثر الكذب عادة قبل الانتخابات وخلال الحرب وبعد الصيد”.
ما هو الفرق بين الإعلامي والصحفي؟
يرتبط معنى المفردتين بفقه لغوي وبتطور وسائل الأخبار والأساليب المستخدمة في ذلك، وأيضا بدخول اختصاصات في مهنة الصحافة والإعلام. وعليه، فقد ارتبط لفظ صحفي بالصحيفة “الجريدة المكتوبة”، وهي أقدم وسيلة ظهرت في أوروبا خلال القرن 16م.
وكانت الكتابة على الجلود وعلى حوامل مختلفة، كلخاف النخيل وأوراق البردي والصخور قبل ظهور الكتابة والطباعة. ورد لفظ الصحف في القرآن الكريم مرارا كقوله تعالى: “صحف إبراهيم وموسى”، سورة الأعلى. كما تناول الأدباء والشعراء اللفظ كقول “أبي تمام”: “بيضُ الصحائف لا سودُ الصحائف… في متونهن جلاء الشك والرّيب”. وعليه، فإن تسمية الصحفي نسبة للصحيفة وليس كل من يكتب على الصحائف صحفي. أما مفردة الإعلامي في معجم المعاني، هو من يمارس مهنة تأليف وإعداد وتحرير وجمع المعلومات، بهدف نشرها في وسائل الإعلام، وإن كان اللفظان مرادفان لبعضهما البعض في أغلب الأحيان.
ما مدى أهلية المصادر بالنسبة للصحفي؟
المصادر في الأخبار ضرورية ومهمة وهي أنواع، يمكن أن تكون شخصا طبيعيا أو مؤسسة أو وثيقة أو وكالة أنباء، وهي مصادر داخلية وخارجية، لابد أن تتوفر فيها الأهلية، بمعنى أن يكون المصدر مقربا من الحدث. عدم الارتكاز على المصادر يؤدي بالصحفي إلى المتابعة القضائية، وحق الرد التي يضمنها قانون الإعلام.
لكن ما نشاهده اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيما يعرف بالمواطن الصحفي لا يعتمد على المصادر الموثوقة بقدر ما يستعين بمصادر ضعيفة ومعلومات يلتقطها من الشارع أو عن بعد، حيث يقلب ويخلط الحقائق والقضايا والأحداث مما يسبب له متاعب قضائية. وعلى الصحفي المحترف، أن يتحرى الأخبار والمعلومات الصحيحة من الكاذبة وإن كانت الأخبار تخلط بين الصدق والكذب والعكس صحيح، لأن معظم وسائل الإعلام تمارس التزييف والتضليل لخدمة أجندة بذاتها.
كيف تبدو لكم الحرب الإعلامية بين الصهيوأمريكية وإيران؟
تعد المعلومات والصورة في الحروب سلاحا استراتيجيا فتاكا، لا يقل أهمية عن القوة العسكرية، حيث تُستخدم لصياغة الروايات وتشكيل الرأي العام، وتوثيق الانتهاكات، ورفع الروح المعنوية أو تحطيمها.
وقد تحولت وسائل الإعلام إلى أداة دعائية “بروباغندا ” قوية، واليوم وبفضل تطور تكنولوجيا الإعلام، ازدادت أهمية الصورة ونشر أو بث المعلومة، باعتبارها عاملا حاسما في الحروب والنزاعات. استخدمت أمريكا والكيان الصهيوني الإعلام كوسيلة دعائية ضد إيران، من خلال التضليل الإعلامي وتشويه الحقائق الميدانية. وجندت وسائل إعلامها لاستعمال أسلوب الدعاية والحرب النفسية والسيطرة على العقول.
وكانت أمريكا أول من مارس الإعلام الاستباقي منذ سنة 1989 ، عبر ما يعرف بالجيل الخامس، لتشويه الصورة النمطية للأنظمة المعادية لها، خاصة الحالة الإيرانية التي تشتغل أمريكا والكيان الصهيوني على تفتيتها وتأليب المجتمع الدولي عليها. كما أن الكيان المحتل، يمارس التزييف الإعلامي عبر وسائله لحجب الحقيقة عن المواطنين، والتقليل من الضربات الإيرانية الموجعة له في عقر داره، وكذلك لرفع معنويات الجنود الإسرائيليين.
ماذا عن التقييم الإعلامي الصهيوني والعربي؟
تستخدم الكتلة الصهيوأمريكية الإعلام كسلاح دعائي موازي، للقوة العسكرية في حربهما على الجمهورية الإسلامية الإيراني، حيث نرى ونسمع تصريحات كبار القادة وهم يستخدمون الصورة لتزيين سلوكاتهم وأفعالهم العدوانية على الآخر. وقد صار الإعلام سلاحا ذو حدّين يستعمل للخير كما للشر.
وفي تحليل خطابات المسؤولين الأمريكيين والصهاينة، نرى تكرار نفس السرديات النرجسية ذات التوجه العنصري. فقضية الإعلام عند الصهاينة من القضايا الحساسة والتشهير والدعاية كانتا من أهم الآليات والأدوات التي استعانت بها الحركة الصهيونية منذ نشأتها، ثم دولة الكيان، انطلاقا من قضايا عقائدية مصدرها التوراة والعهد القديم، الرامية إلى تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر.
وما يميز الإعلام الصهيوني، هو الرقابة الأمنية عبر توقيع اتفاقية مايو 1949، التي تلزم الصحف من نشر معلومات أمنية، قد تساعد العدو أو تضر بالدولة، والرقابة على المعلومات مبنية على التعاون بين الجيش ومسؤولي الصحافة، وقد حدد الطرفان قائمة المواد الممنوع نشرها أو بثها. لقد تفطنت إيران للدور الإعلامي في الصراعات المسلحة والنزاعات، حيث استخدمت هي الأخرى وسائل إعلامها منابر لتحطيم الروح المعنوية للعدو، وبث آثار الصواريخ في عمق إسرائيل الكبرى، مما دفع بالرئيس الأمريكي إلى الاعتراف بالحرس الثوري، في حسن استخدام الإعلام الوطني وتوظيفه في الدعاية، ورفع معنويات المقاتلين والشعب الإيراني على حد سواء.
هل مازال المواطن يملك الحق في الحصول على المعلومة؟
تنص معظم الدساتير والتشريعات الداخلية للأنظمة والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والقوانين العضوية، على حق المواطن في المعلومات والأخبار والأحداث، وهو حق أساسي يكفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية. ويشمل حرية البحث عن المعلومات واستقبالها ونقلها دون تدخل السلطة، وحق الفرد في تكوين الآراء الخاصة به عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وقد عبّر عنها قادة الرأي بالمشاركتية وحق المواطن في الإعلام. وقد تجاوز المواطن الأوروبي هذا السقف، وصار يطالب بحقه في الاتصال بمشاركة فعالة ومباشرة مع وسائل الإعلام في صناعة القرار، والتنظير لمشاريع المجتمع، باعتباره فردا من أفراده.
ما مدى تأثير استعانة القنوات الرسمية بالمواقع والوسائط الاجتماعية؟
عندما نتحدث عن المواقع الاجتماعية، فنحن أمام ظاهرة حديثة تولّدت عن الإعلام الجديد، فيما يعرف بالمواطن الصحفي، الذي غالبا ما يكون بعيدا عن مهنة الصحافة والإعلام، لكنه اتخذ زمام المبادرة، فراح يحرّر ويقدم معلومات في المواقع الاجتماعية.
فـ”المواطن الصحفي”، مصطلح حدثي تبلور إبستيمولوجيا لربطه بالمعنى والدلالة، والمفهوم الخاص بالحقل المعرفي الملائم له، بغض النظر عن مصادر الخبر. ولا شك أن المهتمين بحقل علوم الإعلام والاتصال، بدؤوا في تدقيق المفهوم وضبطه دلاليا وفكريا، ليصبح قيمة مضافة لمصطلحات الصحافة، بدليل أن القنوات الإعلامية الرسمية تستعين بالمعلومات والصور والبيانات التي تبثها مواقع التواصل، بل خصصت لها حيزا في برامجها للتواصل مع رواد هذه المواقع، ونشر وبث ما يقترحونه من أخبار ومعلومات.
وقد صارت المواقع الاجتماعية ملاذا لطلب المعلومة التي تتكتم عنها القنوات الرسمية بفعل الرقابة، وحجة المساس بكذا وكذا… وأدت المنافسة بين الرسمي والشعبي (الاجتماعي) إلى حرب سجال بين المواطن الصحفي والصحفي الرسمي في السبق وحرية البث والنشر.
هل مازال لوكالات الأنباء دورا مهما في الحروب؟
تلعب وكالات الأنباء دورا هاما في النزاعات المسلحة في نقل الأخبار وتوجيه الرأي العام العالمي، وصياغة سرديات النزاع والقيام بالدور الدعائي في كثير من الأحيان، وإن كانت مطالبة بالموضوعية في تغطية الحروب.
الظاهر أن هذه الوكالات العالمية، تحولت من الحياد إلى التحيز، كما حدث لوكالة “رويتز” خلال الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت إلى ذراع إعلامية للسياسة البريطانية والأمثلة كثيرة هنا وهناك. رغم وجود وكالات وطنية، لا تزال الدول تدفع رسوما باهظة، للحصول على أخبار من وكالات غربية، في مشهد يعكس اختلالا في السيادة الإعلامية ويبقى على التبعية المعرفية، ذلك أن الإعلام العربي يعيش أزمة بسبب فشل التوحيد والبقاء تحت وطأة التبعية للمحتوى.
بحيث لم تنجح الدول العربية والإسلامية في بناء وكالة أنباء موحدة، قادرة على منافسة الهيمنة الغربية. ويُذكر أن وكالات الأنباء العالمية على اختلاف مشاربها، هي مؤسسات صناعية للأخبار والمعلومات التي تسوقها لكافة الدول والأقطار عبر العالم، لعدم قدرتها على التغطية الإعلامية الميدانية من عمق الحدث، فيما يعرف بالمراسل الحربي.
وقد شرعت بعض القنوات الفضائية في التخلص من هيمنة وكالات الأنباء العالمية، بإرسال بعثة صحفية إلى مواقع النزاع لتغطية الحروب، وكافة المظاهر الإعلامية في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن التنافس في سوق الإعلام أصبح من مميزات هذا العصر، وصارت المخاطرة والمغامرة الإعلامية من البطولات التي يفاخر بها رجال ونساء المهن الإعلامية، من مصورين ومراسلين وصحفيين، وهم يستحقون كل الاحترام والتقدير لأنهم يساهمون في تعرية وفضح جرائم الحرب، وجرائم صناع قرار الحرب، وفضح كل من يصمت أمام المجازر التي تُرتَكب نهارا جهارا، وما صحفيي غزة الذين اغتالهم الكيان الصهيوني إلا مثالا حيا لذلك، واجهوا الموت من أجل قول الحق.
أخيرا، بما أنكم تُدرّسون بالجامعة، هل هناك تأثير للتكنولوجيا الرقمية على تفكير الطلبة الجامعيين؟
لا شك أن الباحث والطالب الجامعي، قد استفادا معرفيا من تكنولوجيا الإعلام والاتصال، من خلال المقاييس المدرجة في المنظومة البيداغوجية الجامعية، التي تشمل مقاييس الإعلام الجديد، ودراسة الوسائط الرقمية وفهم كيفية إنتاج واستهلاك المحتوى الرقمي. تركز المقاييس على التكنولوجيا والتحول الرقمي وأساليب قياس الجمهور ومجتمع المعرفة والتأثيرات القيمية ونظريات الإعلام والاتصال في البيئة الرقمية، وأخلاقيات الإعلام الجديد، وغيرها من المحاضرات والتطبيقات خلال سداسيات السنوات الجامعية من الليسانس إلى الماستر والدكتوراه.
والملاحظ من خلال تجربتي في التدريس الجامعي، أن نسبة كبيرة من الطلبة يعتمدون على بعض التطبيقات والبرامج الذكية التي أفرزها الذكاء الاصطناعي في إعداد البحوث، اعتمادا مفرطا عبر ثنائية “نسخ ـ لصق”، وهو مؤشر يساهم في تقليل الفكر النقدي والبعد الإبداعي لدى الطالب، وتوليد محتوى ضعيف أو متحيز لا يصلح للبحث العلمي الدقيق والموضوعي والمنهجي.
ثم أن كثيرا من هذه التطبيقات والمعلومات المقتبسة من الأنترنت، ليست مراجع ومصادر موثوقة، اللهم إلا إذا كانت صفحات أو مدونات أو مواقع لباحثين معروفين أكاديميا. كما أن هذه التطبيقات، تعتبر بيئة ملائمة للسرقة الأدبية التي تضر بحقوق المؤلف وانتهاك الملكية الفكرية وقيمة البحث العلمي.
زيادة على ذلك، يسبب الذكاء الاصطناعي أخطارا كثيرة، فهو لا يتحقق من المعلومات التي يقدمها، فهو يتنبأ بالكلمات بناء على الأنماط التي تعلمها، ويقدم بالضرورة معلومات خاطئة، مع أنها تبدو قابلة للتصديق وقد تكون هذه المعلومات على شكل مصادر وهمية أو بيانات غير دقيقة أو قضايا قانونية، لا وجود لها في الواقع.
حاورته: ميمي قلان



