حوار

المسرحي “محمد ميهوبي” يوضح نظريته المسرحية لـ”البديل”:

"المسرح التكنولوجي يدمج العلم والتكنولوجيا في صميم العملية المسرحية"

يواصل الفنان المسرحي “محمد ميهوبي”، نضاله المستميت لإثبات نظريته المستحدثة في عالم المسرح والمتعلقة بـ “المسرح التكنولوجي”، التي يربط فيها بين الأداء الحركي فوق الخشبة والمفاهيم العلمية، كدليل على أن تلك الحركات ليست اعتباطية وإنما تخضع هي الأخرى لقوانين التكنولوجيا.

ولتوضيح مفاهيم هذه النظرية المسرحية الجديدة، أجرت يومية “البديل” حوارا مع مبتكرها، هذا نصه: عندي مسرحية عنوانها س ع ص إنتاج سنة 1996.

كيف جاءتك فكرة “المسرح التكنولوجي”؟

انطلقت فكرة المسرح التكنولوجي عند “ميهوبي” من تجربة ميدانية طويلة امتدّت لأكثر من 4 عقود على خشبة المسرح، حيث لاحظ أن المسرح لم يعد مجرد فن للفرجة، بل هو منظومة متكاملة من المهن والمعارف والعلوم.

ومن خلال البحث والتجريب، توصّل “ميهوبي” إلى قناعة أساسية، مفادها أن المسرح، مثل باقي المجالات، لا يمكن أن يبقى معزولًا عن التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم.

ماذا تقصد تحديدا بالمسرح التكنولوجي، في وقت يعرف المسرح التكنولوجي بأنه يدمج التكنولوجيا الرقمية ضمن المسرح التقليدي أو المتعارف عليه؟

اعتمد “ميهوبي” في بحثه على التحليل والمقارنة (القياس)، فربط بين الأداء المسرحي ومفاهيم علمية مثل الحركة، الزمن، الطاقة، الإيقاع، الضوء، الصوت والفضاء. ومن هنا بدأ في تحويل المفاهيم المسرحية من أفكار تجريدية إلى صيغ قابلة للفهم والقياس، مستعملًا المعادلة، الرمز والتقنية كوسائل توضيحية وتربوية.

كما لاحظ “ميهوبي”، أن تكوين الممثل والمخرج والتقني لا يمكن أن يكتمل دون معرفة بأساسيات التكنولوجيا، لأن السينوغرافيا، الإضاءة، الصوت، الديكور، والإيقاع الركحي كلها عناصر تخضع لقوانين علمية دقيقة. لذلك اقترح المسرح التكنولوجي كمنهج بحث وتكوين، يهدف إلى عقلنة العملية المسرحية دون أن يفقدها بعدها الجمالي والإنساني.

ألم تكفي عناصر المسرح التقليدي لإيصال الفكرة أو تبليغ الرسالة، حتى اتجه “ميهوبي” للبحث عن عناصر أخرى لدعم رؤيته؟

المسرح التكنولوجي عند “ميهوبي” هو اتجاه مسرحي فكري وعلمي، يقوم على إدماج العلم والتكنولوجيا في صميم العملية المسرحية، لا كوسائل تزيينية أو مؤثرات تقنية فقط، بل كأساس للفهم والتكوين والإنجاز.

ينطلق هذا التصور، من فكرة أن المسرح ليس فناً عاطفياً محضاً، بل منظومة دقيقة تخضع لقوانين تشبه قوانين الطبيعة، ويمكن تحليلها وتفسيرها بالاعتماد على الرياضيات والفيزياء والميكانيك والكهرباء والبصريات والهندسة.

في هذا السياق تتحول الخشبة إلى فضاء بحث وتجريب، ويصبح الممثل باحثاً ومحللاً قبل أن يكون مؤدّياً، إذ يفهم الحركة كطاقة، الإيقاع كزمن، التوتر كشدّة، والأداء كنتيجة لمعادلة واضحة. ويعتمد المسرح التكنولوجي على تبسيط الفعل المسرحي عبر معادلات مثل: المحاكاة = تقليد + خيال + أداء، مما يجعل اللعب المسرحي فعلاً قابلاً للفهم والتعليم لا مجرد ممارسة غامضة.

كما يرى “ميهوبي”، أن الركح نظام منظم يُقرأ وفق إحداثيات (X وY)، وأن الفضاءات فوق الخشبة عددها N حسب الوظيفة والحركة، وليس تقسيمًا ثابتًا أو اعتباطيًا. وبما أن المسرح يجمع عدة مهن وتقنيات كالإضاءة والصوت والسينوغرافيا والتدريب، فإنه يحتاج بالضرورة إلى التكنولوجيا لضبط الدقة والجودة.

وهدف هذا التوجه، هو كسر الحاجز بين الفن والعلم، وتبسيط المسرح للطلبة والجمهور، وجعل المسرح أداة فهم وتربية وإنتاج معرفي، لا فرجة فقط، حيث يصبح التطوير المسرحي نتيجة طبيعية لفهم قوانينه العلمية.

ما هي نقاط ارتكاز “محمد ميهوبي” في دعم فكرة المسرح التكنولوجي؟

المسرح التكنولوجي عند “ميهوبي” لا يلغي الخيال ولا الإبداع، بل ينظّمهما ويمنحهما أدوات جديدة للفهم والتجسيد. وهو مسرح يسعى إلى تقريب المعرفة من المتفرج، وكسر الحاجز بين الفن والعلم، وبين الممثل والمتلقي، خاصة في المجال التربوي والشبابي. وهكذا، وُلد المسرح التكنولوجي كخيار فكري وفني، يواكب العصر، ويجعل من المسرح فضاءً للبحث، للتجريب، وللتعلم، وليس فقط للعرض.

يعيش المسرح اليوم لحظة جماد أي أنه لا يعرف حركية مثل زمان، لماذا؟

يعود ضعف مستوى عدد كبير من العروض المسرحية، إلى غياب البحث الجاد والمستمر في الممارسة المسرحية، وإلى عدم مواكبة التحوّلات الفكرية والجمالية والتكنولوجية التي يعرفها المسرح المعاصر. كما ساهم الاعتماد على التقليد الأعمى لعروض أجنبية، دون فهم عميق لمرجعياتها أو تكييفها مع الواقع الثقافي والاجتماعي المحلي، في إفراغ العمل المسرحي من هويته الخاصة.

إنّ هذا النهج القائم على الاستنساخ بدل الإبداع، جعل بعض العروض تفتقد إلى العمق، وتكرّر أشكالاً جاهزة لا تعبّر عن قضايا المجتمع ولا تطوّر لغة مسرحية أصيلة

كلمتي الأخيرة هي أمنية صادقة ونابعة من تجربة عمرها عقود:

أن يُفهم المسرح التكنولوجي ويُبسَّط ويُعمَّم، وأن يحظى بالاعتراف العلمي والفني، ويُدرَّس في الجامعات والمعاهد بوصفه مشروعًا بحثيًا ومعرفيًا يخدم الإنسان والمجتمع.

في السنوات الأخيرة، تراجع مستوى المسرح الجزائري والدليل عدم تحقيقه لجوائز كثيرة مثلما كان في السابق، هل يعود هذا إلى ضعف النص أم ضعف الأداء؟

يمرّ المسرح الجزائري اليوم بأزمة حقيقية ومعقّدة، ليست ناتجة عن فقر في الإبداع أو غياب الطاقات الفنية، بل عن مجموعة من الأسباب المتداخلة. في مقدّمتها ابتعاد الجمهور عن الفضاء المسرحي، وضعف آليات التوزيع والترويج، وغياب النقد المسرحي الجاد القادر على التقييم والتوجيه.

إضافة إلى فقدان المناخ المسرحي العام، الذي كان يخلق حركية ثقافية وتواصلاً حيّا بين الفنان والجمهور. هذه العوامل مجتمعة، جعلت المسرح يعيش في عزلة، رغم أهميته كفنّ فكري وجمالي يعكس قضايا المجتمع ويساهم في وعيه وتطوّره.

كلمة أخيرة؟

أتمنى أن يستعيد المسرح الجزائري دوره الاجتماعي الحقيقي، وأن يصبح فضاءً للتفكير والنقد والبناء، لا مجرد عرض عابر.

وأن ينال الفنان الجزائري حقه في ظروف عمل كريمة، تضمن له الاستقرار، والإبداع، والعيش بكرامة من فنه.

وأخيرًا، أتمنى أن نكون جميعًا مؤسسات، فنانين، وجمهورًا في مستوى هذا الوطن، وفي مستوى طاقاته الإبداعية الهائلة، حتى يظل الفن مرآة واعية للمجتمع وقوة تغيير إيجابية فيه.

من هو المسرحي “محمد ميهوبي”؟

“محمد ميهوبي”، هو فنان مسرحي جزائري من مدينة وهران، ممثل وكاتب ومخرج ومكوّن وباحث في الفنون المسرحية، بدأ رحلته مع الخشبة منذ بداية الثمانينيات، وراكم تجربة فنية تجاوزت 4 عقود من العمل المتواصل.

يُعد من الرواد الأوائل في الجزائر في فن المونودراما والستاند- أب والارتجال المسرحي، وهو أول من نظّم مباريات الارتجال المسرحي، وأول من أسّس مسرح الجيب في وهران.

أسّس فرقة مسرح “عمال وهران”، ويقود اليوم مشروع المسرح التكنولوجي الذي يقوم على إدماج العلم والتكنولوجيا في جوهر العمل المسرحي، حيث يصبح المسرح منظومة منظمة تخضع لقوانين يمكن تحليلها وفهمها. كما أنّه أستاذ في الميكانيك منذ سنة 2000، وحاصل على دبلوم في البيداغوجيا والتنشيط الثقافي، ما مكنه من الجمع بين الجانب العلمي والتربوي والفني في مساره.

قدّم عشرات العروض والمونودرامات، وشارك في ملتقيات وندوات داخل الجزائر وخارجها، منها معهد العالم العربي بباريس، ودرّب أكثر من 1200 ممثل، مساهِمًا في تكوين أجيال كاملة من الفنانين، ليُعد اليوم من الأسماء البارزة والمؤثرة في المسرح الجزائري المعاصر فكريًا وفنيًا وبيداغوجيًا.

حاورته: ميمي قلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى