
أصبح “طيف التوحد” يشكل تحديا للأسرة في الوقت الحالي، بعد انتشاره الواسع بين الأطفال، بينما أسبابه لم تحدد بدقة من طرف المختصين، وحتى كيفية التكفل به ماتزال تختلف، فيما تسعى جمعيات إلى الاهتمام بهذه الفئة لمساعدة العائلات على الاعتناء بالمصابين بهذه الحالة المرضية.
ولأن البعض يردون السبب الرئيسي للإصابة بالتوحد إلى تخلي الأسرة، خاصة الأم عن الاهتمام بصغيرها وتحويل تركيز اهتمامه إلى مشاهدة التلفاز أو ماضية وقته في اللعب بأجهزة الاتصال (الهواتف الذكية واللوحات الالكترونية…)، فيما يرده البعض إلى حالة تولد مع الطفل أو الوراثية وغيرها.
التقت جريدة “البديل”، الأستاذ “محمد مخنف”، الأخصائي النفساني ورئيس جمعية “شباب الباهية”، ومسؤول مركز التكفل بالأطفال ذوي الإعاقة ببلدية عين الترك، والذي يعتبر مشروع جمعية شباب الباهية ويتكفل بأكثر من 50 طفلا، فكان هذا الحوار:
ما هو طيف التوحد؟
التوحّد (اضطراب طيف التوحّد) هو حالة نمائية عصبية تظهر غالبًا في السنوات الأولى من عمر الطفل، وتؤثر على التواصل، التفاعل الاجتماعي والسلوك، وتختلف شدّتها من شخص لآخر، لذلك يُسمّى طيف.
وبتعريف مختصر: هو اضطراب يؤثر على طريقة فهم الشخص للعالم والتعامل مع الآخرين، ويستمر مدى الحياة، لكنه ليس مرضًا نفسيًا ولا معديًا.
ما أسباب انتشاره الكبير؟
أسباب انتشار التوحد من وجهة نظري كأخصائي نفساني، بما أن التوحّد اضطراب نمائي عصبي وليس مرضًا نفسيًا، لا يوجد سبب واحد، فالأمر يتعلق بالوراثة، إضافة إلى العوامل البيئية المبكرة وهو ما ينتج العامل الحاسم، فالتشخيص المبكر والدعم النفسي والسلوكي هو الأساس.
أما من وجهة نظر الأخصائيين النفسانيين، فإن ما يُلاحظ اليوم هو ارتفاع معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحّد أكثر من كونه “انتشارًا مفاجئًا لمرض جديد”، ويرجع ذلك إلى مجموعة عوامل متداخلة نفسية-عصبية- بيئية، وليس سببًا واحدًا مباشرًا.
البعض يرجع انتشاره إلى الاهتمام بوسائل التكنولوجيا (الألعاب الالكترونية، وسائل التواصل الاجتماعي…)، هل هذا صحيح؟
هو سؤال مهم ويتكرر كثيرًا، من وجهة نظر الأخصائيين النفسانيين والعلمية المختصرة، وسائل التكنولوجيا لا تُسبّب التوحّد، لكن قد تُساهم في ظهور الأعراض أو تضخيمها عند بعض الأطفال. وحسب التوضيح العلمي المبسّط: لماذا يربط البعض بين التوحّد والتكنولوجيا؟. ذلك لأن الطفل يقضي وقتًا طويلًا أمام الشاشات، فيقلّ تواصله البصري واللفظي، يظهر تأخر في الكلام أو عزلة اجتماعية.
وبحسب رأي الأخصائيين النفسانيين، فإن التوحّد اضطراب عصبي نمائي، موجود منذ الولادة، سببه وراثي وعصبي بالأساس. لا يمكن أن تُحدثه شاشة أو لعبة إلكترونية، فالتكنولوجيا عامل مُفاقِم وليس مُسبِّب، الإفراط في الشاشات خاصة قبل سن 3 سنوات قد: يؤخر تطور اللغة، يقلل التفاعل الاجتماعي، يضعف الانتباه، هذه الأعراض قد تشبه التوحّد لكنها ليست توحدًا حقيقيًا. ومنها نستخلص أن التكنولوجيا لا تُسبب التوحّد، لكن سوء استخدامها قد يُضعف النمو النفسي واللغوي ويُشبه أعراضه.
آخرون يرون أن الوسائل التكنولوجية تساهم في علاج هذا الداء؟ ما تعليقك؟
ليس صحيحا، فالأبحاث تقول أن الأسرة هي تشكل النسبة الأكثر في المعالجة والدمج الاجتماعي، وهذا بالموازاة مع أهل الاختصاص كالأخصائيين النفسانيين والأرطوفونيين والبيداغوجيين، زد إلى ذلك المؤسسات الاستشفائية والمراكز البيداغوجية والعيادات الخاصة والجمعيات المسيرة للمراكز التضامنية ببرامج ومناهج تساعد الطفل التوحدي للتجاوب.
هل تنازلت العائلة عن دورها في الاهتمام بأطفالها للوسائل التكنولوجية؟ ولماذا؟
التكنولوجيا الرقمية ليست خطيرة في حد ذاتها، لكن خطورتها تكمن في كثافة الاستخدام، نوعية المحتوى، غياب التوجيه الأسري، والطفل بحكم هشاشة نموه العقلي والنفسي يتأثر بها أكثر من الأولياء.
لا يمكن القول إن العائلة تنازلت كليًا عن دورها في الاهتمام بأطفالها لصالح الوسائل التكنولوجية، لكن يمكن القول أن دور العائلة تراجع جزئيًا في بعض الحالات، وذلك لأسباب متعددة، من وجهة نظر الأخصائيين النفسيين والتربويين تتعلق بـ:
ـ ضغوط الحياة اليومية:
وتيرة الحياة السريعة، عمل الأبوين لساعات طويلة، والإرهاق النفسي يجعل بعض العائلات تلجأ إلى الأجهزة الذكية كوسيلة لتهدئة الطفل أو شغله.
ـ سهولة الوسائل التكنولوجية:
الهواتف والألواح الإلكترونية متاحة وسهلة الاستخدام، وتوفر محتوى جذابًا للطفل، مما يجعلها بديلاً سريعًا للتفاعل المباشر أو اللعب المشترك.
ـ ضعف الوعي بمخاطر الإفراط:
بعض الأولياء يجهلون الآثار السلبية للاستعمال المفرط للتكنولوجيا، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، مثل تأخر اللغة وضعف التفاعل الاجتماعي.
ـ غياب البدائل التربوية:
قلة الفضاءات الترفيهية الآمنة، وضيق الوقت، تجعل التكنولوجيا الخيار الأسهل مقارنة بالأنشطة الحركية أو التربوية.
ـ الخلط بين التعليم والترفيه:
يعتقد بعض الأولياء أن كل محتوى رقمي مفيد، فيتركون الطفل لساعات أمام الشاشة دون توجيه أو مراقبة.
بصفتكم مختص ومتكفل بهذه الفئة من خلال جمعيتكم، كيف تستغلون التكنولوجيا في التعامل معهم؟
بصفتي مختصًا ومتطوعًا في جمعيتنا “شباب الباهية”، نستغل التكنولوجيا كأداة مساندة وتعليمية للتعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مع الحرص على توجيه الاستخدام وتحديد الوقت المناسب. الطريقة تكون على عدة مستويات:
ـ التعليم والتدريب:
نستخدم تطبيقات تعليمية تفاعلية لتقوية المهارات المعرفية واللغوية للأطفال، مثل ألعاب الحساب واللغة أو برامج التعلم البصري والسمعي، مع متابعة تقدم كل طفل.
ـ التواصل والتفاعل الاجتماعي:
الوسائل الرقمية تساعد الأطفال الذين يعانون صعوبات في التعبير أو التواصل، مثل استخدام لوحات التواصل الإلكترونية أو برامج النطق التفاعلي لتسهيل التعبير عن حاجاتهم ومشاعرهم.
ـ التحفيز الحركي والعلاجي:
نوظف بعض الألعاب التكنولوجية والحركات التفاعلية لتعزيز المهارات الحركية الدقيقة والكبرى، مثل أجهزة الألعاب التي تتطلب الحركة أو التوازن، مما يجمع بين المتعة والفائدة العلاجية.
ـ توعية الأهل ومتابعة الأطفال:
نستعمل التكنولوجيا في إرسال محتوى توعوي للأهالي حول أساليب التعامل، نصائح تربوية، وشرح التمارين التي يمكن القيام بها في المنزل لتعزيز تعلم الطفل.
ـ الترفيه الإيجابي:
نوفر محتوى رقميًا محدود الوقت للتسلية والترفيه، مع التأكد من أنه مناسبا لعمر الطفل ولا يضر سلوكياته أو صحته النفسية.
في وهران في انتظار إنهاء إنجاز المركز الجديد للتكفل بهذه الفئة، هل مازالت بحاجة إلى الاهتمام؟
نعم، حتى مع انتظار إنهاء المركز الجديد في وهران، تبقى هذه الفئة بحاجة إلى اهتمام مستمر ودعم دائم، وذلك لعدة أسباب:
ـ استمرار الاحتياجات اليومية:
الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون إلى متابعة تعليمية، علاجية ونفسية يومية، ولا يمكن الانتظار حتى افتتاح المركز الجديد لتلبية هذه الاحتياجات.
ـ الدعم الأسري والمجتمعي:
الأهالي يحتاجون إلى التوجيه والتثقيف حول طرق التعامل مع أطفالهم، والتكنولوجيا يمكن أن تساعد مؤقتًا في هذا المجال قبل الانطلاق الكامل للمركز.
هل توجد أساليب علاجية لهذه الفئة؟
نعم، توجد عدة أساليب علاجية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتم اختيار الأسلوب المناسب حسب حالة الطفل واحتياجاته الفردية. أبرز هذه الأساليب:
ـ العلاج السلوكي (Behavioral Therapy):
مثل تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، الذي يركز على تعليم مهارات جديدة وتقليل السلوكيات غير المرغوبة من خلال التعزيز الإيجابي.
ـ العلاج النفسي والتنموي:
يشمل جلسات العلاج النفسي، اللعب التفاعلي، والاستشارات الأسرية لمساعدة الطفل على التعبير عن مشاعره وتطوير مهاراته الاجتماعية.
ـ العلاج النطقي واللغوي (Speech Therapy):
يستهدف تحسين التواصل والكلام، ويستفيد منه الأطفال الذين يعانون من صعوبات في النطق أو اللغة.
ـ العلاج الوظيفي (Occupational Therapy):
يساعد الأطفال على تطوير المهارات الحركية الدقيقة والكبرى، والاستقلالية في الحياة اليومية، مثل الأكل، اللبس، أو استخدام الأدوات.
ـ العلاج الحسي (Sensory Therapy):
يعالج صعوبات المعالجة الحسية عند الأطفال، مثل حساسية الأصوات أو اللمس، من خلال أنشطة منظمة ومحسوبة.
كيف يمكن استغلال التكنولوجيا في مساعدتهم على الاندماج في المجتمع؟
يمكن استغلال التكنولوجيا لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ومساعدتهم على الاندماج الاجتماعي بعدة طرق، مع التأكد من أن الاستخدام يكون مراقبًا وموجهًا عبر:
ـ التواصل والتفاعل الاجتماعي:
استخدام تطبيقات وأجهزة تواصل بديلة للأطفال الذين يعانون صعوبة في الكلام أو التعبير، مثل لوحات التواصل الإلكترونية أو برامج النطق التفاعلي، تسهيل التفاعل مع الأقران من خلال ألعاب تعليمية جماعية على الأجهزة الذكية، مما يعزز المهارات الاجتماعية.
ـ التعليم المدمج:
توظيف تطبيقات تعليمية تساعد الطفل على اكتساب مهارات القراءة، الحساب، واللغة بطريقة ممتعة، مما يزيد ثقته بنفسه ويجعله أكثر استعدادًا للتفاعل المجتمعي، تقديم محتوى تعليمي مرئي وصوتي يناسب قدرات الطفل، بحيث يمكنه المشاركة في التعلم مثل باقي الأطفال.
ـ الترفيه الإيجابي:
الألعاب التفاعلية التي تحفز التفكير، الحركة، والتعاون الجماعي، مما يخلق بيئة آمنة للتجربة والتعلم الاجتماعي.
ـ دعم الأهالي والمربين:
منصات رقمية لإرشاد الأهالي والمعلمين حول طرق دمج الأطفال في المجتمع، وكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل صحيح لتعزيز مهاراتهم الاجتماعية والسلوكية.
ـ تسهيل الوصول للمجتمع:
استخدام تطبيقات الواقع المعزز أو الواقع الافتراضي لتدريب الأطفال على مواقف حياتية حقيقية، مثل التسوق أو ركوب المواصلات، مما يقلل من القلق ويزيد من استقلاليتهم.
وعليه فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن التفاعل البشري، لكنها أداة مساعدة قوية تمكن الأطفال من تطوير مهاراتهم الاجتماعية، التعلمية، والحركية، وبالتالي تعزيز اندماجهم في المجتمع بثقة واستقلالية.
هل يشفى المصاب بطيف التوحد نهائيا؟
التوحد ليس مرضًا يُشفى منه تمامًا، لكنه حالة يمكن إدارتها وتحسين جودة حياة الطفل بشكل ملحوظ من خلال العلاج المبكر والمتكامل والمستمر، مع دعم الأسرة والمحيط الاجتماعي.
هل من كلمة أخيرة؟
أخيرا يمكنني القول أن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وبخاصة المصابون بطيف التوحد، يستحقون رعاية مستمرة، دعمًا حقيقيًا، ودمجًا فعّالًا في المجتمع. التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة مساعدة، لكنها لا تغني عن الحب، التفاعل، والتوجيه البشري.
بالاهتمام المبكر والمتكامل، بالمعاملة الصبورة وبالشراكة بين الأسرة والمختصين، يمكن لهؤلاء الأطفال أن يتطوروا ويعيشوا حياة كريمة ومستقلة، ويصبحوا جزء فاعلًا ومبدعًا في المجتمع.
كما أشكر جريدة “البديل” على اهتمامها يمثل هاته المواضيع التي مازالت تحتاج إلى تكفل إعلامي من أجل تسليط الضوء عليها لبحث سبب التكفل بها ومعالجتها.
حاورته: ميمي قلان



