
تسير الجزائر بخطى مدروسة نحو تشجيع السياحة والعمل، على ترسيخ الثقافة السياحية لدى المواطن الجزائري، من خلال العمل على وضع آليات وميكانيزمات، تسمح بتطوير هذا القطاع، الذي يعتبر قطاعا حيويا، يسوّق لصورة الجزائر، ويروّج للأمن والسلام والتعايش بها، مع التركيز على إظهار الطابع العمراني الخاص بها، لاسيما ما تعلق بإنجاز هياكل الاستقبال، على غرار الفنادق، المطاعم، فضاءات الاستجمام والحمامات…
هذا، ناهيك عن تقديم كل ما يتعلق بتراثنا، خاصة ما تعلق بالطبخ التقليدي، الصناعات التقليدية، الحرف، العادات والتقاليد، لإبراز هويتنا وتاريخنا الذي يعود إلى حضارات ضاربة في جذور التاريخ، ولتسليط الضوء أكثر على هذا الجانب، أجرت يومية “البديل” حوارا مع “إلياس عاشور”، المهندس المعماري المختص في الفندقة، فكان:
مرحبا، بداية من هو “إلياس عاشور”؟
أهلا بكم، “إلياس عاشور”، مهندس معماري مختص في “الفندقة”، له ما يزيد عن 20 سنة من الخبرة في المجال. وله بصمة في عديد الفنادق عبر الوطن، مثل “أوازيس، نيوداي ،السلطان…” المنجزة بالجزائر العاصمة، قرية سياحية ببني عباس، والكثير من الفنادق…
لماذا اخترتم الفندقة دون غيرها من الأصناف العمرانية؟
اختيار الفندقة لم يكن اعتباطيا، فقد اخترته لأنه يمنحني فرصة الإبداع، تجسيد نظرتي الخيالية للمنشأة، اعتماد الجانب الفني، خاصة ما يسمح بتجسيد اللمسة الشخصية التي تخص التراث واستغلال الرموز والانحناءات التي تميز العمران القديم، وهي الطريقة التي تساعدنا في الحفاظ على موروثنا التراثي بطريقة ملموسة وتسوق لهويتنا وتاريخ جزائرنا، كما أن اللمسات الفنية الخاصة، تحول المنشأة السياحية من هيكل للإيواء فقط إلى تحفة معمارية وعمرانية تثير فضول النزيل سواء من الجزائر أو أجنبي.
هل تسري مهمتكم على الترميم أيضا؟
عمليات الترميم أكثر تعقيدا وحساسية من باقي العمليات، لأنها تحتاج إلى تركيز وتقنيات خاصة تتماشى مع نوعية البناية والمواد المستعملة في إنشائها، إضافة إلى أشخاص يتقنون مثل هذه العمليات، وعليه فيما يخص البنايات القديمة، فهي تحتاج إلى حرفي يتقن استعمال مواد البناء الأصلية.
كما أن عمليات الترميم يستحسن أن تسند إلى أشخاص جزائريين يعرفون أسرار العمران المحلي، لأنهم يضيفون خصائص جزائرية بحتة، عكس الأجنبي الذي يمكن أن يشتغل على إنجاز المهمة فقط دون الالتزام بخصوصية البناية المعنية بالترميم.
عندما تقومون بإنجاز مشروع “فندق” هل تتابعونه إلى النهاية؟
طبعا، نحن نرافق المشروع الفندقي من مرحلة الرسم على الورقة إلى غاية تجسيده على أرض الواقع وحتى استلامه، ودخوله حيز الاستغلال لمدة لا تقل عن 6 أشهر، وذلك ضمانا لجودت، والأكثر من هذا أن مكتبنا يرافق المشروع حتى من الجانب المالي، عبر دراسة الجدوى وتقديم النصائح والإرشادات لصاحب المشروع، وتنبيهه إلى النقائص أو المشاكل التي يمكن أن تعترضه خلال مرحلة الاستغلال.
فدراسة المشروع تمتد إلى 3 أشهر، لأنها تشمل كل العناصر، إضافة إلى فترة الإنجاز والتي تعتبر المهمة، إضافة إلى فترة التشطيبات والديكور، ومع هذا تتم المرافقة عند البنوك…
هناك أشخاص تحصلوا على أراضي من الدولة لإنجاز فنادق، لكنه إلى اليوم مجرد كلام، ما السبب برأيك؟
في هذه الحالة، هناك عدة أسباب، والدولة الجزائرية ليست غافلة عن هذه الظاهرة، فهي في محاربة يومية لهذه الظاهرة، من خلال إعادة دراسة ملفات الاستثمار من طرف لجان خاصة، حتى تتم استعادة المساحات غير المستغلة ومنحها إلى الجهات القادرة على الاستثمار فيها، كذلك هناك أشخاص كانوا يظنون أن الدولة وحدها من تمنحهم الأرض، وتدفع لهم عن طريق البنوك العمومية الأغلفة المالية المطلوبة، ليصطدموا في الأخير بأنه يتوجب عليهم المساهمة بحصة مالية شخصية في المشروع…
كيف يمكن القضاء على هذه الظاهرة؟
أضعف الإيمان في هذه الحالة، تقديم دراسة حقيقية للمشروع مع إرفاقها بضمان مالي، يؤكد قابلية المشروع للتجسيد، حتى لا يتم إضاعة الوقت للإدارة عبر اجتماعاتها المتكررة.
وقد بدأت هذه الظاهرة في التلاشي، بخلق نافذة المنصة الرقمية للاستثمار التي تفرض ملفا افتراضيا، يدرس أتوماتيكيا قبل قبوله وتحويله إلى الجهات المعنية للتدقيق والتمحيص، وذلك للقضاء على المستثمرين الوهميين.
هل يمكن إنجاز فندق بمواد محلية 100 بالمائة؟
أكيد، فمواد البناء الأساسية متوفرة بالجزائر، انطلاقا من الإسمنت وصولا إلى الحديد، مرورا بالأخشاب والحجارة والرمل وحتى البلاستيك.
حيث تتوفر السوق المحلية على كل المواد الضرورية، لكن تبقى الأسعار بحاجة إلى مراقبة ومتابعة من طرف الجهات المسؤولة حتى يستطيع المقاول توفير المادة وصاحب المشروع توفير التكاليف المطلوبة، ويتم القضاء على المضاربة مع التركيز على نوعية المواد الأولية، والتي أحيانا تكون مغشوشة أو سيئة وتباع بأسعار باهظة، وهو ما يؤثر على جودة الفندق ويعرضه للتلف بعد وقت قصير من استغلاله، لتسوء سمعته ويفقد زبائنه.
ويبقى على المهندس المعماري إظهار ما يملكه من مهارات إبداعية للتحول من مكعبات إسمنتية إلى لوحات معمارية وتحفا عمرانية، تحكي قصصا وتروي تاريخا.
كيف يمكن زيادة الإقبال السياحي على الجزائر؟
تعرف الجزائر في الفترة الأخيرة إقبالا من طرف السياح الأجانب من مختلف دول العالم، وقد زاد في ذلك الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي سواء من طرف صناع المحتوى الأجانب أو الجزائريين، مع استغلال التظاهرات المختلفة للتسويق لجمال الجزائر الطبيعي، العمراني… عبر وسائل الإعلام الثقيلة التي ترافق هذه الفعاليات، كالمعارض الدولية الكبرى، سواء الاقتصادية، الصحية، أو والتظاهرات الرياضية والثقافية كالمهرجانات … ناهيك عن السياحة الصحراوية التي تعرف حضورا أجنبيا مميزا، مما يستدعي تدعيم الجنوب بهياكل استقبال تتماشى مع الجغرافيا والمناخ هناك.
وبالحديث عن الطريقة التي يمكنها رفع عدد السياح القادمين إلى الجزائر، فهي تتعلق خاصة بتسهيل الحصول على التأشيرة وعناصر أخرى كخلق تظاهرات خاصة ومميزة، كما يجب التذكير بأن السياحة بالنسبة للجزائر “انتقائية”، فهي تختلف اختلافا جوهريا مع الدول المجاورة في هذا الإطار، كونها تركز على الطبيعة، نظرا لخصوصيتها الجغرافية خاصة ما تعلق بالجنوب الكبير (الأهقار وقمة أيسكريم،…)، تعانق الغابات والجبال مع ورقة البحر، الآثار التاريخية والتي تعود إلى العهود القديمة كالرومانية، الفنيقية…، إضافة إلى السياحة الدينية.
كيف ترى السياحة الداخلية؟
رب ضارة نافعة، لقد كان لجائحة كورونا فضلا كبيرا في رفع مستوى “السياحة الداخلية”، التي عرفت انتعاشا كبيرا بين 2020 و2024، وهي مستمرة إلى اليوم، بفعل شغف الاكتشاف والترويج لمناطق وآثار وأماكن شدت انتباه زائريها. في الوقت الذي يجب أن تؤطر هذه السياحة مع العمل على توفير خدمات تتماشى والقدرة الشرائية للمواطن، حتى يتمكن من التنقل من مكان إلى آخر ويضمن توفر خدمات تمنحه القدرة الاخيار.
كيف يمكن توفر هذه الخدمات برأيك؟
بإمكان توفير خيارات عديدة للسائح الجزائري داخل بلده، وذلك بخلق المنافسة بين الهياكل الفندقية، من خلال فتح المجال لأصحاب الفنادق الراغبين في التوسع وإنجاز هياكل فندقية جديدة، إضافة إلى منح الفرصة للمستثمرين الجدد خاصة الجزائريين، لإثراء وتعزيز الحضيرة الفندقية، فيصبح لدى المواطن إمكانية الاختيار، وبهذا ترقى الثقافة السياحية لدى الجزائري وتمنحه الفرصة للتعرف على جغرافيا بلده واكتشاف جمالها وأسرار طبيعتها، وقضاء عطلة “محترمة” بما يناسب إمكانيته المالية.
بعيدا عن مهنتك، كرجل سياسية، وبما أنك كنت نائبا في البرلمان عن ولاية البليدة، هل ستعيد الكرّة في 2 جويلية القادم؟
بالنسبة للنشاط السياسي، فقد كانت تجربة مهمة خلال نيابتي بالبرلمان، لأنها منحتني الفرصة للاحتكاك بالمواطن والمسؤولين أكثر، وقد نجحت بطريقة ما في التعرف عن طريقة سير العلاقة بين الطرفين، وكيفية إيصال المشاكل وبحث سبل حلها، إلى جانب تقريب نظرة المواطن للأمور بطريقة تمنحه الحصول على مراده بكل سلاسة وسهولة.
أما بخصوص ترشحي مرة أخرى، فبعد نهاية عهدتي قررت الاكتفاء بها فقط، لاسيما وأنها كانت جد إيجابية، ساهمت خلالها في تجسيد العديد من المشاريع وإيجاد الحلول للكثير من المشاكل التي تؤرق المواطن، فأفضل العودة إلى مهنتي كمهندس معماري وفسح المجال لغيري من الجزائريين الأكفاء للمساهمة في حل المشاكل وطرح الأفكار بما يخدم الوطن والمواطن.
أخيرا، ما هي مقترحاتك في مجال الفندقة؟
كوني مهندسا مختصا في الفندقة، أدعو الجهات المعنية إلى إنشاء هيئة مختصة لمراقبة الجودة بالنسبة للفنادق، وذلك من ناحية طريقة الإنجاز والمواد المستعملة في الإنجاز، وذلك لضمان الجودة في البناء ونوعية المستلزمات الخاصة بالديكور والتجهيزات، للقضاء على الغش وإعطاء صورة تسمح بالتسويق الجيد للسياحة بالجزائر.
وأخيرا، أشكركم على تواصلكم ومنحنا هاته السانحة للفضفضة والمشاركة بأفكارنا في مجال يعتبر مطلوب في الوقت الحالي.
حاورته: ميمي قلان



