الجهوي‎

نحو نموذج جديد لإدارة الرحلة الى البقاع  المقدسة

من الإرشاد التقليدي إلى التخطيط الاستباقي بالمنيعة

في كل موسم حج، تتجدد الأسئلة ذاتها حول مدى جاهزية البعثات المحلية، وقدرتها على ضمان رحلة منظمة وآمنة للحجاج، غير أن ما شهدته ولاية المنيعة هذه السنة، من خلال الندوة التكوينية الختامية المنعقدة بحاسي القارة، يوحي بأن هناك تحولًا تدريجيًا في طريقة التعامل مع هذا الحدث الديني، باتجاه مقاربة أكثر شمولًا وواقعية.

الندوة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية تُختتم بها سلسلة اللقاءات التكوينية، بل بدت كمساحة لإعادة صياغة العلاقة بين الحاج والمؤسسات المؤطرة. فالمداخلات التي قدمها ممثلو مختلف القطاعات ـ من الشؤون الدينية إلى الصحة والحماية المدنية والهلال الأحمر ـ، عكست وعيًا متزايدًا بأن نجاح موسم الحج لا يمكن اختزاله في توفير النقل والإقامة، بل يرتبط أساسًا بمدى التحكم في التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق ميدانيًا.

هذا التحول في الخطاب، يعكس في عمقه الانتقال من منطق “التلقين” إلى منطق “التمكين”، حيث لم يعد الحاج متلقيًا سلبيًا للتعليمات، بل طرفًا فاعلًا مطالبًا بالاستيعاب والمبادرة. فالإشكالات التي عرفتها بعض المواسم السابقة، سواء على مستوى ضياع الأمتعة أو سوء تنظيم الوثائق أو الإخلال بالإجراءات الصحية، كشفت أن جزء من الخلل لا يرتبط فقط بالهياكل التنظيمية، بل أيضًا بضعف الوعي الفردي.

 

البعد الصحي والوقائي في مداخلات المؤطرين

ومن هذا المنطلق، ركزت الندوة على استحضار تلك التجارب السابقة، ليس من باب جلد الذات، بل بهدف تحويلها إلى رصيد معرفي يُبنى عليه. هذا التوجه، يعكس نضجًا في الأداء المؤسساتي، قائمًا على التقييم المستمر بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية. فالتخطيط لموسم الحج، في ظل تعقيداته اللوجستية والبشرية، يتطلب ذاكرة تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف.

اللافت أيضًا هو الحضور القوي للبعد الصحي والوقائي في مداخلات المؤطرين، وهو أمر لم يعد ثانويًا في ظل التحولات العالمية التي جعلت من السلامة الصحية أولوية قصوى. التوجيهات المقدمة للحجاج، لم تقتصر على النصائح العامة، بل شملت تفاصيل دقيقة تتعلق بكيفية الوقاية، والتعامل مع الإجهاد، والحفاظ على التوازن الجسدي خلال أداء المناسك، وهو ما يعكس إدراكًا بأن أي خلل صحي قد يتحول بسرعة إلى عبء على كامل البعث.

 

إدارة الأمتعة وتنظيم الوثائق

في السياق ذاته، برز دور الحماية المدنية والهلال الأحمر في تقديم شروحات عملية، تتعلق بإدارة الأمتعة وتنظيم الوثائق، وهي جوانب غالبًا ما تُهمل رغم تأثيرها المباشر على انسيابية الحركة. فالفوضى التي قد تنجم عن سوء ترتيب الحقائب أو ضياع الوثائق، يمكن أن تُربك المسار التنظيمي بأكمله، وهو ما يفسر التركيز على ما يبدو “تفاصيل صغيرة” لكنها في الواقع ذات أثر كبير.

ومن زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذا التوجه على أنه محاولة لإرساء نموذج جديد في إدارة موسم الحج، يقوم على 3 مرتكزات أساسية: التنسيق بين القطاعات، التكوين العملي للحجاج، واستباق الأزمات بدل التعامل معها بعد وقوعها. هذا النموذج، إن تم تطبيقه بفعالية، يمكن أن يخفف من الضغط على المؤطرين، ويمنح الحاج هامشًا أكبر من الاستقلالية المنظمة.

غير أن هذا الطموح، يصطدم بجملة من التحديات، أبرزها مدى التزام الحجاج أنفسهم بهذه التوجيهات. فمهما بلغت دقة التخطيط، يظل العامل البشري عنصرًا حاسمًا في نجاح أو فشل أي عملية تنظيمية. وهنا يبرز الرهان الحقيقي: هل سيتمكن الحاج من التحول إلى شريك واعٍ في إنجاح الرحلة، أم سيظل الاعتماد قائمًا على التدخلات اللحظية لمعالجة الأخطاء؟

الهوصاوي لحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى