
تشهد شركة “أوبن إي آي” مرحلة غير مسبوقة من التوتر الداخلي، بعد أن وجّه رئيسها التنفيذي “سام ألتمان” دعوة عاجلة للموظفين، لإعلان ما يشبه “الاستنفار الكامل” داخل المؤسسة، إذ تم الكشف عن مطالبة واضحة بتكثيف العمل من أجل تطوير قدرات تطبيق “شات جي بي تي”، في وقت تزداد فيه الضغوط التقنية والتجارية على الشركة التي تقود سباق الذكاء الاصطناعي عالميا.
تعليمات صارمة لتحسين “شات جي بي تي” وتأجيل مبادرات أخرى
يشير الأمر إلى أن “ألتمان” طلب من فرق العمل داخل “أوبن إي آي” التركيز بشكل فوري على رفع مستوى أداء “شات جي بي تي”، من دون أن يوضح طبيعة التعديلات أو نطاقها ما فتح الباب أمام تأويلات واسعة داخل الأوساط المهتمة بهذه التقنيات، خصوصا أن الرئيس التنفيذي سبق أن تحدث في محطات مختلفة عن رغبته في تطوير قدرات النموذج ليصبح أكثر ذكاءً ودقة وأمانًا مما هو عليه حاليًا.
ويتضح كذلك أن “ألتمان” فضل إرجاء خطوات أخرى كانت مطروحة على أجندة الشركة، ومن بينها مبادرة متعلقة بإدراج الإعلانات داخل التطبيق، إذ يبدو أن قرار التأجيل جاء لمنح فرق العمل مزيدًا من الوقت للتركيز على تحسين جوهر أداء “شات جي بي تي” بدل تشتيت الموارد على مشاريع متزامنة، خصوصا أن الشركة تعيش لحظة حساسة وتتسابق مع كبرى الشركات التقنية التي بدأت تدخل بقوة إلى مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن يبدو أن “أوبن إي آي” لم تعلن رسميا أنها تعمل على تطوير صيغة إعلانية لكنها بالفعل تختبر أنماطا متعددة من الإعلانات ومن بينها إعلانات ذات صلة بالتسوق عبر الشبكة، وهو ما يتوافق مع ما أظهرته بعض النسخ التجريبية من التطبيق، والتي احتوت على إشارات فنية تفيد بأن الشركة تدرس، إضافة مساحات إعلانية قد تظهر للمستخدمين في المستقبل.
ضغوط مالية ومعادلة معقدة بين التطوير والإعلانات
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه “أوبن إي آي” تحديات مالية واضحة، إذ يشير تقرير مصرفي إلى أن الشركة لن تصل إلى مرحلة تحقيق الأرباح قبل عام 2030 ، وهو ما يفرض عليها البحث عن مصادر تمويل إضافية تقدر بمئات المليارات لتغطية خططها التوسعية وضمان استمرار ريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع التكاليف الضخمة اللازمة لتشغيل هذه النماذج وتطويرها.
ورغم أن الشركة فضلت طوال المرحلة الماضية الاعتماد على عائدات الاشتراكات الخاصة بنسختها الاحترافية، إضافة إلى عائدات الربط البرمجي، إلا أنها لم تستبعد إمكانية الاتجاه نحو الإعلانات مستقبلا، حيث سبق “لسام ألتمان” أن لمح في حديث سابق خلال الصيف إلى أنه لا يعارض الفكرة مبدئيًا معتبرا أن وجود جمهور ضخم يضم مئات الملايين من المستخدمين الأسبوعيين يجعل خيار الإعلانات مطروحًا بقوة إذا ما تقرر تبنيه رسميًا.
ومع ذلك أوضح،”ألتمان” حينها أن اعتماد الإعلانات يجب أن يتم بحذر شديد لأن هذه الخطوة تحتاج إلى توازن كبير بين تحقيق العائد وضمان عدم الإضرار بتجربة المستخدم، وهي معادلة معقدة تسعى الشركة لمراعاتها خصوصًا أن تطبيق “شات جي بي تي” بات جزء أساسيًا من حياة الكثيرين، وأي تغيير غير مدروس قد يؤثر على صورته وانتشاره.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن قرار ألتمان بإعلان حالة التأهب القصوى يعود إلى رغبة واضحة في إعادة تنظيم أولويات الشركة وضمان أن يظل التطبيق في موقع متقدم وسط المنافسة المتشعبة التي تشهدها تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ يبدو أن تحسين أداء “شات جي بي تي” يمثل في الوقت الحالي الهدف الأكثر إلحاحًا داخل “أوبن إي آي”.
ماذا بعد حالة التأهب؟
تكشف المذكرة المسربة عن أن الشركة تتجه نحو مرحلة دقيقة، قد تتطلب تسريع خطوات التطوير وإعادة النظر في خططها التسويقية والمالية، حيث يبدو أن الاستراتيجية الجديدة ترتكز على مبدأ “تعزيز الجودة قبل التوسع”، وهو ما انعكس في قرار تأجيل مبادرة الإعلانات والتي كانت محور أحاديث واسعة في الأسابيع الماضية خصوصًا بعد اكتشاف شيفرات داخل النسخ التجريبية توحي بأن التطبيق يقترب من احتضان الإعلانات لأول مرة منذ إطلاقه.
وفي المقابل، تظل الأسئلة مفتوحة حول طبيعة التحسينات التي يسعى “ألتمان” لفرضها داخل التطبيق، إذ لم تحدد المذكرة نوع التعديلات المنتظرة ولا نطاقها، لكنه من الواضح أن القيادة العليا في الشركة ترغب في أن يكون “شات جي بي تي” أكثر قدرة على مواجهة المنافسة وأن يقدم أداءً يرتقي إلى مستوى الطلب العالمي خاصة مع تزايد عدد المستخدمين الذي يقترب من 800 مليون شخص أسبوعيًا.
وتبقى الأيام المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستقود إلى تحسين حقيقي في أداء التطبيق، أم أنها تمثل مجرد محاولة لإدارة ضغوط متصاعدة، بينما يظل المؤكد أن “أوبن إي آي” تعيش مرحلة مفصلية بين ضرورة التطوير وضرورة البقاء في سوق يشهد سباقًا غير مسبوق على الريادة في عالم الذكاء الاصطناعي.
ياقوت زهرة القدس بن عبد الله



