
تحيي الجزائر الذكرى الـ60 لتأميم المناجم، وهي تقف على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخها التعديني. فبينما كانت هذه الذكرى في الماضي محطة لاسترجاع الذاكرة، أصبحت اليوم موعداً لتقييم أضخم ورشة مشاريع هيكلية تشهدها القارة الإفريقية.
مع دخول مشروع الفوسفات المدمج ومناجم الزنك والحديد مراحل التنفيذ الفعلية، تبرز الرقمنة كلاعب محوري في هذه المعادلة؛ حيث تُسابق الدولة الزمن لرقمنة “المخطط الوطني للمناجم”، وجعل البيانات التعدينية متاحة وبشفافية أمام الاستثمارات الكبرى، في خطوة تهدف لتحويل قطاع المناجم إلى المورد الثاني للعملة الصعبة في البلاد.”
وصفت الخبيرة الاقتصادية والقانونية “أمال عبد الوهاب خديجة”، قرار التأميم بأنه “من أفضل القرارات السيادية التي اتخذتها الجزائر بعد الاستقلال”، إذ استهدف استرجاع التحكم في الثروات الطبيعية وبناء اقتصاد وطني مستقل. وقد أسفر هذا القرار عن مكاسب حقيقية، في مقدمتها استرجاع السيادة الاقتصادية، وتوجيه عائدات الموارد نحو تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية، فضلاً عن تكوين كفاءات وطنية وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد.
بيد أن هذه المرحلة لم تخلُ من إخفاقات بارزة؛ إذ تراجعت كفاءة استغلال الثروات المنجمية أمام البيروقراطية وضعف الاستثمار التكنولوجي، فيما ظل الاقتصاد الوطني رهيناً للمحروقات، بدلاً من السير نحو تنويع حقيقي.
وخلصت الخبيرة، إلى أن التأميم “نجح استراتيجياً وسياسياً، لكن نتائجه الاقتصادية بقيت محدودة، والتحدي اليوم هو تحسين التسيير واستغلال الموارد بكفاءة أكبر”.
مشاريع عملاقة تعيد رسم الخارطة
على أرض الواقع، دخلت مشاريع كبرى مرحلة التنفيذ الفعلي، في مقدمتها منجم الحديد بغار جبيلات، الذي يُعدّ من أضخم المشاريع التعدينية في القارة، إلى جانب مشاريع الزنك والرصاص والفوسفات المدمج.
وتُشكّل هذه المشاريع مجتمعةً، رافعة اقتصادية متعددة الأبعاد؛ فمنجم غار جبيلات وحده يُتوقع أن يوفر ما لا يقل عن ألف منصب شغل مباشر، إضافة إلى آلاف المناصب غير المباشرة، بينما تتراوح التوقعات في مشروع الزنك والرصاص بين 700 و800 منصب مباشر وأكثر من 4 آلاف غير مباشر.
وتتجاوز أهمية هذه المشاريع بُعد التشغيل، لتمتد إلى تنويع مصادر الدخل خارج المحروقات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مواد استراتيجية كالحديد، وتوليد عائدات بالعملة الصعبة، وتحريك الصناعات التحويلية والبنية التحتية، لا سيما في الجنوب والشرق.
الرقمنة: الرهان الجديد للسيادة
في قلب هذا المشهد، تبرز الرقمنة بوصفها لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه. فالدولة تُسابق الزمن لرقمنة “المخطط الوطني للمناجم”، وجعل البيانات الجيولوجية متاحة وشفافة أمام المستثمرين الكبار، بهدف تحويل القطاع المنجمي إلى المورد الثاني للعملة الصعبة في البلاد.
وترى الخبيرة “عبد الوهاب خديجة”، أن مفهوم السيادة ذاته قد تحوّل جوهرياً: “في 1966 كانت السيادة تعني امتلاك الأرض والقرار السياسي، أما في 2026 فأصبحت تشمل بقوة امتلاك البيانات والتحكم فيها”. فالبيانات الجيولوجية من خرائط واحتياطيات ومعطيات نوعية الخام، هي التي تحدد القيمة الحقيقية للثروة المنجمية، وتمنح من يمتلكها قدرة تفاوضية أعلى مع الشركاء الأجانب.
وتمتلك الجزائر اليوم بنية رقمية أولية قابلة للبناء عليها، من شبكات اتصالات في توسّع إلى مؤسسات متخصصة بالجيولوجيا وبدايات رقمنة للمعطيات المنجمية. غير أن الطريق لا يزال طويلاً، إذ تستلزم المرحلة المقبلة توحيد قواعد البيانات ورقمنتها شاملةً، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وتكوين كفاءات بشرية متخصصة في هذا المجال الحيوي.
ركيزة ثانية، لا بديل فوري
يبدو جلياً أن قطاع المناجم لن يُعوّض المحروقات بين عشية وضحاها؛ فالمشاريع الكبرى تحتاج سنوات للاستغلال الكامل، والاستثمارات المطلوبة ضخمة، والعائدات أقل حجماً من ريع النفط والغاز.
لكن بالمقابل، يملك هذا القطاع إمكانية حقيقية لأن يصبح ركيزةً ثانيةً للاقتصاد الوطني، حيث تساهم مشاريع غار جبيلات، الزنك، الرصاص والفوسفات ـ تضيف ذات المتحدثةـ ، في بعث الاقتصاد الوطني عبر تنويع مصادر الدخل خارج المحروقات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مواد استراتيجية كالحديد، وزيادة الصادرات بالعملة الصعبة، إضافة إلى تحريك الصناعات التحويلية والنقل والبنية التحتية، خاصة في الجنوب والشرق. كما تُنشّط هذه المشاريع، الاستثمار المحلي وتخلق ديناميكية اقتصادية واسعة.
أما من حيث التشغيل، فمنجم غار جبيلات يوفر نحو 1000 منصب مباشر على الأقل (250 بتندوف و800 ببشار)، مع آلاف المناصب غير المباشرة، بينما يوفر مشروع الزنك والرصاص حوالي 700 إلى 800 منصب مباشر وأكثر من 4000 غير مباشر، إضافة إلى آلاف الوظائف المرتقبة في مشروع الفوسفات المدمج، ما يجعل هذه المشاريع رافعة حقيقية للتشغيل والتنمية.
وعليه، إن الجزائر تخوض اليوم رهاناً مزدوجاً، استكمال ثورتها التعدينية على الأرض، ومواكبتها بثورة رقمية في الفضاء الجيولوجي. ذلك أن السيادة الكاملة في القرن الـ21، لا تكتمل بملكية الموارد وحدها، ما لم تُقرن بامتلاك بياناتها وتحليلها والتحكم فيها.
ج.ايمان



