روبرتاج

فاكهة الموسم بلا منازع

"الكنتالو" يسرق الأضواء بأسواق تيسمسيلت

مع بداية فصل الصيف من كل سنة، تتغير ملامح الأسواق الشعبية بولاية تيسمسيلت، حيث تتصدر الفواكه الموسمية واجهات العرض، وتستقطب اهتمام المواطنين الباحثين عن المنتجات الطازجة والمنعشة. ومن بين مختلف الأصناف المعروضة، يفرض البطيخ الأصفر أو ما يعرف بـ”الكنتالو” حضوره بقوة هذا الموسم، بعدما نزل إلى الأسواق بكميات معتبرة، قادمة من أرياف عدد من بلديات الولاية، ليصبح واحدا من أكثر المنتجات الفلاحية رواجا وإقبالا لدى المستهلكين.

وفي جولة عبر أسواق مدينة تيسمسيلت، على غرار سوق “السبالة” وسوق “لوفلا” وعدد من نقاط البيع المنتشرة عبر الأحياء، يلاحظ الزائر منذ الوهلة الأولى الانتشار الواسع لهذه الفاكهة الصيفية، التي تتربع على واجهات المحلات والشاحنات الصغيرة والطاولات المخصصة لعرض الخضر والفواكه لونها الذهبي الجذاب وأحجامها المختلفة ورائحتها العطرة عوامل جعلتها تستقطب أنظار المتسوقين وتدفعهم إلى التوقف والسؤال عن أسعارها وجودتها.

الحركة داخل الأسواق هذا الموسم تختلف عن غيرها من المواسم السابقة،  فالإقبال الكبير على البطيخ الأصفر، جعله يتصدر قائمة المنتجات الأكثر طلبا خلال هذه الفترة فبمجرد دخول السوق، يلفت الانتباه عدد المواطنين المتوافدين حول نقاط البيع التي تعرض هذا المنتوج، في مشهد يعكس المكانة التي أصبح يحتلها لدى المستهلك المحلي.

ويؤكد عدد من الباعة، أن الطلب على البطيخ الأصفر ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وبحث العائلات عن الفواكه المنعشة التي تساعد على التخفيف من حر الصيف. كما ساهم توفر المنتوج بكميات كبيرة في جعل الأسعار مستقرة، وفي متناول مختلف الفئات الاجتماعية، وهو ما شجع على زيادة الإقبال عليه.

ويقول أحد الباعة، إن العديد من الزبائن أصبحوا يفضلون اقتناء البطيخ الأصفر المنتج محليا لما يتميز به من مذاق خاص وجودة عالية مقارنة ببعض المنتجات القادمة من خارج الولاية، مضيفا أن وفرة المنتوج في هذا الموسم، ساعدت على تلبية احتياجات السوق دون تسجيل أي ندرة أو ارتفاع في الأسعار.

 

رحلة تبدأ من أرياف بلديات الولاية

بعيدا عن صخب الأسواق وضجيج المدينة، تبدأ حكاية البطيخ الأصفر في الأرياف والقرى المنتشرة عبر مختلف بلديات ولاية تيسمسيلت. ففي هذه المناطق، التي تعتمد بشكل كبير على النشاط الفلاحي، يجد الفلاحون في زراعة البطيخ الأصفر فرصة للاستفادة من خصوبة الأراضي ومن الظروف الطبيعية التي توفرها المنطقة، وتشهد عدد من بلديات والمناطق الريفية بالولاية انتشارا واسعا لهذه الزراعة الموسمية، التي أصبحت مع مرور السنوات جزء من المشهد الفلاحي المحلي.

فبمجرد حلول فصل الربيع، تنطلق التحضيرات الخاصة بغرس البذور وانتظار الظروف المناسبة لنمو المحصول، قبل أن تبدأ عملية الجني مع بداية فصل الصيف، وتكتسي هذه الزراعة، أهمية خاصة لدى الفلاحين، بالنظر إلى طبيعتها البسيطة واعتمادها أساسا على العوامل الطبيعية، وهو ما يجعلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بكمية الأمطار التي تتساقط خلال الموسم الفلاحي.

 

محصول “بعلي” يعتمد على أمطار السماء

 

من بين أهم ما يميز البطيخ الأصفر المنتج بأرياف تيسمسيلت، محصول “بعلي”، لأنه ينمو اعتمادا على مياه الأمطار، دون الحاجة إلى عمليات السقي المستمرة التي تتطلبها بعض الزراعات الأخرى.

ويؤكد الفلاحون، أن نجاح هذا المحصول يرتبط بشكل مباشر بالتساقطات المطرية المسجلة خلال مختلف مراحل النمو، حيث توفر الأمطار الرطوبة اللازمة للتربة، وتساعد النبات على التطور بشكل طبيعي إلى غاية مرحلة الإثمار. وقد كان للأمطار التي شهدتها ولاية تيسمسيلت خلال الموسم الحالي، أثر إيجابي واضح على المحصول، إذ ساهمت في تحسين ظروف النمو ووفرت احتياطيا مائيا مهما داخل التربة، الأمر الذي انعكس على حجم الإنتاج وجودة الثمار.

ويرى العديد من الفلاحين، أن الموسم الحالي يعد من المواسم الجيدة، مقارنة ببعض السنوات التي عرفت تراجعا في التساقطات المطرية، حيث ساعدت الظروف المناخية الملائمة على تحقيق نتائج مرضية، سواء من حيث كمية الإنتاج أو من حيث نوعية المنتوج.

 

أمطار الخير تصنع الفارق

 

عندما يتحدث الفلاحون عن نجاح البطيخ الأصفر هذا الموسم، فإن أول ما يشيرون إليه هو الأمطار التي ارتوت بها الأراضي خلال الأشهر الماضية. فبالنسبة لهم، كانت الأمطار العامل الحاسم الذي منح المحصول فرصة النمو في ظروف مريحة، ومكنه من الوصول إلى مرحلة الجني بأفضل المواصفات.

ويؤكد بعض المنتجين أن الأمطار المتساقطة خلال فصلي الشتاء والربيع ساعدت على تخزين كميات معتبرة من المياه داخل التربة، وهو ما وفر للنبات حاجته من الرطوبة خلال مراحل النمو المختلفة، كما ساهمت هذه الظروف في إنتاج ثمار ذات أحجام جيدة ونكهة مميزة، وهو ما انعكس مباشرة على إقبال المستهلكين داخل الأسواق المحلية.

لا يحتاج المتسوق إلى وقت طويل لتمييز البطيخ الأصفر القادم من أرياف تيسمسيلت فالثمار المعروضة تتميز بمظهرها الجميل وقشرتها الذهبية التي تعكس درجة النضج، إضافة إلى رائحتها الزكية التي تدل على جودة المنتوج. ويرى عدد من المواطنين، أن المنتوج المحلي يتمتع بمذاق خاص يجعل الإقبال عليه أكبر من غيره. كما أن طبيعة الزراعة البعلية واعتمادها على مياه الأمطار، يمنحان الثمار خصائص يراها الكثيرون عاملا أساسيا في تحسين جودتها.

وتؤكد العديد من العائلات، أن البطيخ الأصفر أصبح من الفواكه التي لا يمكن الاستغناء عنها خلال فصل الصيف، خاصة في الأيام الحارة، أين يزداد فيها الطلب على الأغذية الخفيفة والمنعشة.

 

حضور قوي على موائد العائلات

 

داخل البيوت التيسمسيلتية، أصبح البطيخ الأصفر جزء من تفاصيل الحياة اليومية، خلال فصل الصيف، فبعد عودتهم من الأسواق، يحرص الكثير من المواطنين على وضع هذه الفاكهة ضمن قائمة المشتريات الأساسية، وتفضله العائلات كتحلية طبيعية بعد الوجبات.

كما يقدم في اللقاءات العائلية والجلسات المسائية، التي تكثر خلال موسم الاصطياف، ويجد الأطفال والشباب وكبار السن في هذه الفاكهة خيارا مثاليا يجمع بين المذاق اللذيذ والانتعاش. ويؤكد مختصون في التغذية، أن البطيخ الأصفر يحتوي على نسبة معتبرة من الماء والفيتامينات، ما يجعله من الفواكه المناسبة لفصل الصيف، ويساعد على تعويض السوائل التي يفقدها الجسم بسبب الحرارة المرتفعة.

لم يقتصر تأثير وفرة البطيخ الأصفر على المستهلكين فقط، بل امتد ليشمل الحركة التجارية داخل الأسواق، فقد ساهم تدفق كميات معتبرة من المنتوج في تنشيط عمليات البيع والشراء، ومنح الأسواق حيوية إضافية خلال هذه الفترة. ويؤكد باعة الخضر والفواكه، أن البطيخ الأصفر أصبح من أكثر المنتجات طلبا، حيث تتجدد الكميات المعروضة بشكل يومي لتلبية احتياجات الزبائن، كما ساعد توفر المنتوج المحلي على تقليص تكاليف النقل مقارنة بالمنتجات القادمة من مناطق بعيدة، وهو ما انعكس إيجابا على الأسعار وجعلها أكثر استقرارا.

إن وراء كل ثمرة تصل إلى السوق، يقف فلاحا قضى أشهرا في متابعة محصوله، وانتظار موعد الجني ، فنجاح الموسم لم يكن نتيجة الأمطار وحدها، بل جاء أيضا بفضل جهود الفلاحين الذين حرصوا على استغلال الظروف الطبيعية المتاحة، وتحويلها إلى إنتاج وفير.

حيث يؤكد عدد من الفلاحين، أن العمل في الحقول يبدأ قبل أشهر طويلة من ظهور الثمار، حيث تتطلب عملية تحضير الأرض واختيار البذور، ومتابعة نمو النباتات جهدا متواصلا، رغم بساطة هذه الزراعة، مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى، ويظل الأمل في موسم ناجح حاضرا لدى الجميع، خاصة عندما تكون المؤشرات المناخية إيجابية كما حدث هذا العام.

 

أرياف تيسمسيلت تؤكد قدراتها الفلاحية

حقول زراعة البطيخ الأصفر

يعكس نجاح محصول البطيخ الأصفر الإمكانات الزراعية التي تزخر بها أرياف بلديات ولاية تيسمسيلت، والتي ما تزال تحتفظ بمكانتها كفضاء منتج للعديد من المحاصيل الموسمية، فالأراضي الفلاحية المنتشرة، عبر مختلف المناطق الريفية، تواصل تقديم منتجات متنوعة تسهم في تموين الأسواق المحلية وتلبية احتياجات المواطنين. كما توفر فرصا للعديد من العائلات التي تعتمد على النشاط الفلاحي كمصدر للرزق.

ويؤكد متابعون للشأن الفلاحي، أن النتائج المحققة هذا الموسم، تعكس قدرة الفلاح المحلي على استغلال الموارد الطبيعية المتاحة وتحقيق إنتاج جيد متى توفرت الظروف المناسبة. فبين الحقول الممتدة عبر أرياف الولاية، والأسواق التي تعرف رواجا متزايدا داخل المدن، تتجسد صورة موسم فلاحي ناجح ساهمت فيه أمطار الخير وجهود الفلاحين.

فالبطيخ الأصفر، الذي يملأ اليوم واجهات الأسواق، لم يكن مجرد محصول موسمي عابر، بل أصبح عنوانا من عناوين العطاء الفلاحي الذي تتميز به ولاية تيسمسيلت. ومع استمرار تدفق المنتوج إلى الأسواق، وتزايد إقبال المواطنين عليه، يواصل “الكنتالو” تأكيد حضوره كأحد أبرز نجوم الموسم الصيفي، حاملا معه قصة أرض ارتوت بمياه الأمطار، وفلاحين أحسنوا استثمار خيرات الطبيعة، وأسواق وجدت في هذا المنتوج، ما ينعش حركتها ويمنحها مزيدا من الحيوية خلال أيام الصيف الحارة.

عبد القادر جطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى