صيفيات

أطفال تيسمسيلت بين كسب الرزق ولهيب الصيف

عطلة بلا راحة....

مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يعود إلى الواجهة مشهد أصبح مألوفا على امتداد العديد من الطرقات بولاية تيسمسيلت، حيث يصطف أطفال على حواف الطرق حاملين أرغفة الخبز التقليدي، يعرضونها على المسافرين ومستعملي الطريق أملا في بيع أكبر كمية ممكنة قبل نهاية اليوم، وبين حرارة الشمس الحارقة ورغبة العائلات في تحسين مداخيلها، تتحول هذه الأرغفة إلى مصدر رزق موسمي، فيما يصبح الأطفال الواجهة التي تعرض هذا المنتوج التقليدي الذي يحافظ على مكانته لدى الزبائن الباحثين عن النكهة الأصيلة.

في عدد من المناطق الريفية وشبه الريفية بولاية تيسمسيلت، يشكل إعداد الخبز التقليدي نشاطا متوارثا بين العائلات، خاصة خلال فصل الصيف الذي يعرف حركية أكبر على مستوى الطرقات والمسالك التي تستقطب المسافرين والعابرين، ومنذ ساعات الصباح الأولى تبدأ الحركة داخل المنازل، حيث تنهمك الأمهات في عملية العجن وتحضير الخبز،بعد الانتهاء من عملية إعداد الخبز، يبدأ دور الأطفال الذين يتكفلون في كثير من الأحيان بعرض المنتوج وتسويقه على جوانب الطرقات،يحمل هؤلاء الصغار الأرغفة الطازجة ويتوزعون في نقاط مختلفة تعرف حركة مرورية معتبرة، على أمل استقطاب أكبر عدد من الزبائن، وما إن تقترب سيارة أو يتوقف أحد المسافرين حتى يسارع الأطفال نحوها حاملين الخبز التقليدي، مقدمين منتوجا يتميز بجودته ومذاقه المعروف لدى سكان المنطقة وزوارها

 

ساعات طويلة تحت أشعة الشمس

ورغم بساطة هذا النشاط ، إلا أن الظروف التي يمارس فيها الأطفال عملهم اليومي ليست سهلة ، فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، يقضي الكثير منهم ساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة، خصوصا خلال فترات الظهيرة التي تعرف مستويات مرتفعة من الحرارة، ويقف الأطفال في أماكن مفتوحة دون وسائل حماية كافية من أشعة الشمس، ما يجعلهم عرضة للإجهاد والعطش والتعب، وبين انتظار الزبائن ومراقبة حركة المرور، يقضي هؤلاء الصغار جزءا كبيرا من يومهم في ظروف مناخية صعبة قد تؤثر على راحتهم وصحتهم، وتزداد المعاناة خلال الأيام التي تشهد موجات حر شديدة، حيث يصبح البقاء لساعات طويلة على قارعة الطريق تحديا يوميا يتطلب الكثير من الصبر والتحمل، خاصة بالنسبة للأطفال الذين لم تتجاوز أعمار بعضهم سنوات الدراسة الابتدائية أو المتوسطة.

ولا تقتصر التحديات التي تواجه الأطفال على حرارة الطقس فقط، بل تمتد إلى مخاطر الطريق التي ترافق هذا النشاط بشكل يومي، فالوقوف بمحاذاة المركبات والتنقل بالقرب من حركة المرور يضعهم في مواجهة مخاطر محتملة، خصوصا في المقاطع التي تعرف كثافة مرورية أو سرعات مرتفعة

 

بين المساعدة العائلية وتعلم المسؤولية

في المقابل، يرى كثير من الأولياء أن مشاركة أبنائهم في بيع الخبز التقليدي تندرج ضمن إطار المساعدة العائلية واستغلال العطلة الصيفية في نشاط مفيد فبالنسبة لهم ، يساهم هذا العمل في تعليم الأطفال قيمة الكسب المشروع وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس منذ سن مبكرة،

ويؤكد بعض الآباء أن أبناءهم لا يمارسون هذا النشاط بشكل دائم، بل خلال فترات محددة من العطلة الصيفية، بهدف مساعدة العائلة في تسويق المنتوج الذي يتم تحضيره داخل المنزل

ويبقى مشهد الأطفال وهم يحملون أرغفة الخبز التقليدي على قارعة الطريق صورة تتكرر عاما بعد عام في عدد من مناطق ولاية تيسمسيلت،صورة تعكس من جهة روح التعاون داخل الأسرة والسعي إلى تحسين مستوى المعيشة، ومن جهة أخرى تبرز حجم التحديات التي يواجهها هؤلاء الأطفال وهم يقضون ساعات طويلة تحت لهيب الشمس وفي محيط لا يخلو من المخاطر، وبين رائحة الخبز الطازج التي تملأ المكان ونداءات الأطفال الموجهة للمسافرين، تستمر هذه الرحلة اليومية التي تجمع بين العمل والعطلة، وبين الموروث التقليدي ومتطلبات الحياة، لتبقى شاهدا على واقع اجتماعي متعدد الأبعاد يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والرعاية، حفاظا على سلامة الأطفال وضمانا لاستمرار هذا النشاط التراثي في أفضل الظروف الممكنة.

جطي عبد القادر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى