
ازدحام شــديـد وإقــبال كـبير تشهـده أسواق الـمـقـاطـعـة الإداريــة مـغــنيـة بولاية تلمسان، مع اقـتراب شهر رمضان المعظم، الذي تفصلنا عليه نحو شـهر تقريبا، وأدى ذلك إلى تعطيل الحركة بالطرق المؤدية إلى تلك الأسواق.
السوق المغـطّاة بوسط مدينة مغنية، ومحلاّت بيع التوابل بكل من ساحة أول نوفمبر وشارع تيندوف بوسط المدينة بجانب بعـضها البعض، أكثر الأماكن التي تشهد حركة متزايدة من المواطنين لشراء مستلزمات السلع الرمضانية، خصوصا في سوق الأواني المنزلية، وسوق التوابل، وسوق التمور.
الحركة الكـثيفة التي تشهدها مدينة مغنية هذه الأيام، وقـفـت عليها “البديل”، من خلال جولة قامت بها…أسواق تعـج بالزبائن، سيما من العـنصر النـسوي، قادمين من مختلف ولايات الوطن تموشنت، البليدة، الجزائر العاصمة، الشلف، سيدي بلعباس وغـلـيزان.
تجار مدينة مغنية مع أواخر شهر رجب، والى غاية أواخر شهر شعـبان مع اقتراب الشهر الكريم،يستعـدون منذ الصباح الباكر لاستقبال زبائنهم الوافدين من داخل وخارج ولاية تلمسان، ومن مختلف ولايات الوطن .من غربها إلى شمالها ومن جنوبها إلى شرقها، وحتى من خارج الوطن المغتربين من فرنسا وإسبانيا.
حيث تفتح محلات السوق أبوابها من الساعة السابعة صباحا إلى غاية الـسابـعـة أو الـثامـنة لـيلا، مشكّـلة مجموعة من الكثبان الرملية على شاكلة أهرام متعددة الألوان مزينة وغـنية بالعـطور، زادتها الروائح الزكية والعطرية للتوابل والبهارات سحرا وجاذبية معروضة، ومصطفة بالرفوف بأسعار تنافسية بالنسبة للتوابل المصنوعة محليا.
وهذا ما أكده بعض التجار خلال هذا الاستطلاع، الذي قامت به “الــبـديــل” لعـدد من باعة التوابل محليا،وكذا بعض الزبائن حول متوسط كمية التوابل، ذكر بعضهم أن ما يعادل قــيمة 5000 دج من التوابل المتنوعة يقتنيها زبائنهم وفي أحيان كثيرة حسبهم، وتتراوح أسعار التوابل في هذه المنطقة الحدودية للكيس الواحد 100 دج لــ 100 غرام الواحد لدى محلات بيع التوابل.
وأن أكثر التوابل التي تعرف إقبالا من طرف السكان المحليين، نجد رأس الحانوت، الكمون الأخضر، الفلفل الأسود، الكركم، الرند، فلفل أحمر حار، القرفة، وهي تستخدم في طبخ العديد من الأطباق المختلفة على غرار “الــحـريرة”، المشهورة لدى العائلات المغناوية والتلمسانية، و”طاجين حلو”…وغـيرها، بالإضافة إلى حـبة الحلاوة، السانوج التي تعتمد كثيرا في تحضير الخبز التقليدي، خلطة “رأس الحانوت” وهو مزيج من حوالي 20 نوعا من البهارات، وتعد هذه المكوّنات جد ضرورية والتي لا تخلو منها أطباق المائدة الرمضانية للعائلات المغناوية والتلمسانية لتعزيز نكهتها، فضلا عن إضافة مذاق طيب ومتميز لها وبفعل فوائدها على الصحة أيضا.
ونحن نجول في سوق مغنية، قررنا الاقـتراب من بعض تجار التوابل، لنستفـسر عن سرّ هذه الحرفة، فصرّح لنا معظمهم، أن معظم باعة التوابل بمدينة مغنية توارثوا هذه الحرفة أب عن جد، وقد ظهر هذا النشاط ـ حسبهم ـ في السبعينات لكنه بدأ يظهر بشكل كبير وخاص في التسعينات، وكانت مغنية قبلة للعـديد منهم لبيع التوابل كمهنة بديلة في متجر داخل السوق الداخلية على غرار (مطاحن أبو عصام للتوابل، مملكة آلاء لتوابل الحاجة مغنية عند عرباوي)…وغيرهم.
“العرباوي” 20 سنة في ميدان بيع التوابل بمغنية:”المهنة توارثتها عن شيخ كبير”
هـذه المهنة أمارسها منذ أكثر من 20 سنة، كانت بداية فيها مجرد عامل عند شيخ كبير كنت صغيرا آنذاك، واليوم الحمد لله وبعد أن أعجبتني هذه المهنة احترفتها وتمسكت بها إلى غاية يومنا هذا.
في شهر رمضان، تفتح معظم المحلات في حدود الساعة العاشرة صباحا وتغلق بعد صلاة الظهر، لأن معظم العائلات تقـتني حاجياتها في الفترة الصباحية، وأضاف أنه يستقبل العشرات من الزبائن كل يوم خلال شهر شعبان وحتى التجار الذين يأتون بحثا عن التوابل من 58 ولاية عبر ربوع الوطن، وأصبحت مغنية وجهة للمستهلكين وتجار التوابل، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، مضيفا أن للتوابل التقليدية خلطات حديثة خاصة لأطباق معيّنة، مثل التوابل الخاصة بطبق البطاطا المقلية أو الدجاج أو السمك أو حتى السلطة، وهذا يرجع إلى تطور هذه المنطقة.
وبخصوص التوابل الأكثر طلبا من الزبائن الوافدين إلى مدينة مغنية الكركب، المعروف بملك التوابل لما له من فوائد صحية كبيرة ويستعمل في جميع تركيبات الأكولات الشعبية أو التقليدية، والزنجبيل المعروف في الجهة الغربية للوطن باسم (سكنجبير)، والذي يستعمل أيضا للتداوي بعض الأمراض من خلال تناوله مع مادة الحليب، القصبرالمرحي المطحون، الكروية، الكمون، والقرفة، والعكري بنوعـيه لحلو والحار، الفلفل الأسود، الفلفل الأحمر، والكبابة وهي من التوابل معروفة فقط على مستوى مدينة مغنية، وتتميز بها عن باقي ولايات الوطن، وهناك توابل خاصة بالحريرة حيث تعطي مذاق مميز للحريرة، والخرجلان المستعمل أكثر في القهوة والتي يزيدها مذاق أكثر، والبسباس النافع لصنع كعك التلمساني المشهور في ولاية تلمسان، ورأس الحانوت الذي يدخل في جميع أنواع الطهي خاصة الحريرة وبركوكس.
وجل هذه التوابل المستوردة والتي يتم اقتناؤها من العاصمة أصلية ويتم تحضيرها من خلال تنقـيتها وطحنها وتجهيزها داخل المحل، أما السر الذي تتميز به توابل مدينة مغنية عن باقي توابل باقي ولاية الوطن هو في طريقة صنعها أي من ناحية الطحن والخلطة.
“كمال قريشي” صاحب مؤسسة ناشئة لإنتاج التوابل:”السـر في جـودة التوابل، الـطـحـن، التمحيص والخلطة…”
من جهته، كشف “كمال قـريشي” منتج لتوابل مغنية الأصيلة صاحب مؤسسة ناشئة جديدة، أن مؤسسته التي أنشأها تحوي منتوجات طبيعـية مائة بالمائة على غـرار تشيشة زرع المعروفة (بالمرمز) لطهي الحريرة، إلى جانب التوابل الأصيلة المشهورة بمدينة مغنية.
مؤكدا في ذات السياق، بصدد توسيع وتطوير هذا المنتوج أكثر وتقريبه بأثمان مناسبة للزبائن الوافدين إلى مدينة مغنية من مختلف ولايات الوطن لاقتنائها خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث يتم الإقبال عليها بكثرة ووفير، على حـدّ ـ قوله ـ أن هناك توابل أساسية تباع في أكياس خاصة منها الكمون، الزعتر والكركب والحبة الكحلة والكبابة، وهناك توابل خاصة باللحم، السمك، الدجاج.
أما بخصوص أصل هذه التوابل، فأضاف أنها من آسيا الشرقية هي نفسها والسر في الإقبال الكبير عليها من قبل المستهلك الجزائري خلال شهر رمضان، كونها أصيلة وكيفية الطحن والتحميص من أجل الحصول على نوعـية جيدة. ويوضّح أن لتجنّب التقليد نعـدّ توابلنا من البذور، ونقوم بطحنها بأنفـسنا، صحيح أن هذه الطريقة تعني المزيد من الوقت والمزيد من المال والمزيد من العمل، لكن هذا يسمح لنا بالحصول على منتجات عالية الجودة، مضيفا أنّ خصوصية المنتجات التي تباع في مغنية مقارنة بغيرها من المناطق، تأتي من حقيقة أن الباعة الحرفيين لا يحاولون الغش، وأن الخبرة في هذا المجال، سمحت لنا بأن يكون لنا عملاء مخلصون من أجل الحصول على الكمية.
ونحن نجـول في سوق مغنية، قررنا الاقتراب من بعض الزبائن القادمين من مختلف ولايات الوطن ومن خارجه الذين كانوا يزورون المحلات هنا وهناك…
السيدة “فـتـيـحـة” من ولاية البليدة: “هناك خلطات لايمكن العثور عليها في أماكن أخرى”
أنا الـيوم في مدينة مغنية الواقعة بولاية تلمسان، جوهرة الغرب تلمسان، جئت من ولاية البليدة…وحقـيـقـة هذه عادة تقريبا كل سنة أزور مدينة مغنية لأشتري من هنا التوابل، فلا يمكن زيارة هذه المدينة دون المرور على سوق التوابل الذي يضم عددا كبيرا من المحلات والدكاكين المعروفة بالمنطقة.
ومن أجل ذلك، قمت بجولة استطلاعية قادتنا إلى أشهر محلات بيع التوابل، وبمجرد أن وطأت قدمي المكان حتى بدأت رائحة العطور تخترق حواسي تلك التوابل، التي وضعـت على شكل أهـرامات زينتها ألوانها وأشكالها…طبعا هناك خلطات لايمكن العـثور عليها في أماكن أخرى، مثل خلطات السمك، الدجاج والحريرة ومختلف الطواجن…وعـندما أشتري من هنا أنا متأكـدة من أنه منتج حقيقي لا يتم مزجه بمكونات أخرى، أتمنى رمضان كريم للجزائريين وكل الأمة العربية الإسلامية.
“الحاجة رحـمـة” 65 سنة من مدينة مغنية: “أفضّـل طحن التوابل بنفسي”
معظم البهارات التي أقتنيها في أطباقي غير مطحونة، حيث اشتريها أصلية وأقوم بطحنها بنفسي في البيت، بسحقها باستعمال “المهـراس” لأحسّ برائحة ونكهة رمضان، وأضمن عدم خلطها بمواد أخرى تغيّر ذوقها، لأن صراحة هناك بعض التوابل مغشوشة، أما التوابل التي استعملها بكثرة هناك رأس الحانوت، والفلفل الأسود والقصبر، والقرفة المطحونة وقرفة العود التي تستعمل في طهي اللحم الحلو والحريرة أيضا.
اعداد: ع. أمــيــر



