
يشهد إقليم ولاية سيدي بلعباس بالضاحية الجنوبية المحاذية لولايات النعامة والبيض، زحفا متواصلا للرمال، في ظل التحول المناخي والعامل البشري على وجه الخصوص ما حول المنطقة، من طابع تلي إلى شبه صحراوي. وفي هذا السياق، كانت لجنة الاقتصاد والمالية، قد نبهت السلطات المحلية من خطورة الوضع البيئي بغية إيجاد الحلول الناجعة في أقرب قوت ممكن.
حيث تقدر المساحات الغابية على مستوى إقليم ولاية سيدي بلعباس بـ 205 ألف هكتار،وهي الأولى على مستوى الغرب الجزائري. في حين، مساحة الحلفاء تقدر بـ 156 ألف هكتار متمركزة بالمناطق السهبية، وهناك مكتب دراسات يقوم بتحيين المعلمات حول حقيقة هذه الأرقام. ومع ذلك، أضر الجفاف خلال السنوات الماضية بمساحات شاسعة ومئات الآلاف من أشجار الصنوبر الحلبي البلوط والكاليتوس والأحراش وعدة أصناف نباتية،نتيجة طول نقص التساقطات المطرية منذ عام 2016.ما أدى إلى ضعف المقاومة وظهور الأمراض والهجمات الطفيلية التي تسببت في تدهور الغابات،إضافة إلى الرعي الفوضوي والحرائق المهولة التي شهدتها الجهة خلال الـ 10 سنوات الماضية،ما فتح الأبواب على مصراعيها للتصحر.
ولعل من بين الأسباب، التي عجلت في زحف الرمال بمناطق الهضاب والسهوب التي تبلغ مساحتها 3660 كم 2،أي ما يعادل 40 في المائة من المساحة الإجمالية للولاية بكل من مرحوم بئر الحمام،رجم دموش،رأس الماء،سيدي شعيب،واد السبع،الضايةوتاودموت.ما يفوق 100 ألف هكتار، مصنفة ضمنالمناطق المحمية، موزعة على بلديتي مرحوم وبئر الحمام، لم تستفد من برامج التشجير، سواء من الأحزمة الخضراء المكثفة حاليا، وخلال سبعينيات القرن الماضي. لا سيما مشروع السد الأخضر،خاصة وأنها تقع في مناطق محملة بالرياح العاتية المحملة بالرمال، ما تسبب في تكوّن عرق رملي على عرض 20 كلم من الحدود الغربية اتجاه بلدية مرحوم ومنطقة مصباح في البيض، وهو يزحف نحو الجهة الشمالية.
وهذا، في ظل غياب العديد من الأصناف النباتية المحلية وتسجيل ضعف في المحاصيل الزراعية منها السهبية، ومعاناة حقول الزيتون وعدم جدوى الزراعة والفلاحة البورية التي تعتمد غالبا على الأمطار بفعل التغير المناخي. ولنفس الأسباب، تأكد جليا انقراض أو في طريق الزوال عديد الحيوانات المحلية منها الغزال الغابي،الأرنب البري، القنفد،الضربان والعديد من أصناف الطيور المعروفة محليا والمهاجرة التي فضلت التكاثر في مناطق أخرى ..ما تسبب في اختلالات بيئية ستكون لها نتائج سلبية مع مرور الوقت.
هذا، ودقت لجنة الاقتصاد والمالية بالمجلس الشعبي الولائي في تقريرها ناقوس الخطر بخصوص ظاهرة مناخية محلية غير معتادة بفعل تقلص الغطاء النباتي الكلي بالسهوب والمناطق الشمالية للولاية،تارة بسبب أعمال روتينية للفلاحين أثناء الحرث.
وأشارت ذات اللجنة، إلى عدم المبالاة وعدم الاهتمام بحملات التشجير على المستوى المحلي، وإن وجدت فهي تنتهي بمجرد نهاية عملية الغرس فلا متابعة ولا سقي ولا تقليم ما يجعل هذه العمليات غير ناجحة بنسبة كبيرة.إذ لم تتعد نسبة نجاحها 20 من المائة فقط.
ومن بين الأسباب التي خلصت إليها اللجنة في فشل الحملات المذكورة، نقص الثقافة البيئية للمواطن وفشل عمليات التشجير بسبب نقص المتابعة وسوء اختيار الشتلات وأسباب أخرى.وكذا عدم تخصيص مبالغ مالية في إطار التنمية المحلية البيئية، كون التشجير كمشروع لا يختلف عن المشاريع التنموية المحلية الأخرى.
تراجع التنوع البيولوجي واختلال التوازن البيئي
تمتلك ولاية سيدي بلعباس مساحات شاسعة من الهضاب والسهوب تقدر بـ 40 من المائة من مجمل تراب إقليمها،كما أن المحافظة السامية لتطوير السهوب، حسب ذات اللجنة لم تقدم المرجو من حيث الدراسات العلمية أو التقنية،أو من برامج تنموية تعيد لهذه الثروة الرعوية أهميتها الاقتصادية،الاجتماعية والطبيعية،حيث تركت عرضة للفوضى ونهب مساحات كبرى من الأراضي المجهولة التصنيف بين عروش وسابقة.
ناهيك عن الرعي العشوائي والحرث الفوضوي، والاعتداء الجائر على المحميات الطبيعية،وهي كلها عوامل تسببت في تدهور الغطاء النباتي السهبي، زيادة على غياب التشجير وفشل معظم المشاريع التنموية لاسترجاع الثروة السهبية،ونقص المعاجلة لشجر الصنوبر الحلبي من الطفيليات الفتاكة وعدم توسيع مساحات الغرس …
هذا،وأعابت اللجنة على عدم وجود مقر ولائي للمحافظة السامية لتطوير السهوب بسيدي بلعباس، واقتصاره على محافظة جهوية بسعيدة تضم ولايات غربية. ما ساهم في تنامي ظاهر التصحر وزحف الرمال نحو مدن الشمال،إذ إن ما تعانيه دوائر مرحوم ورأس الماء ومولاي سليسن، أفقدها طابعها السهبي وتحولت إلى مناطق رعوية وازدادت صعوبة على الموالين بعد تحولها من مناطق سهبية رعوية إلى سهبية شبه صحراوية، حيث أثر ذلك على الثروة الحيوانية والاقتصاد المحلي المتمثل في مزاولة تربية الماشية من 01 مليون رأس من مختلف رؤوس الأغنام إلى 40 ألف، حسب آخر إحصاء رقمي سنة 2023 للولاية. وهو ما تسبب في ارتفاع ثمن المواشي واللحوم، زيادة على غلاء الأعلاف.
وبذلك، خسرت الولاية مساحات شاسعة بدون نفع على الحركة الاقتصادية محليا ووطنيا خاصة وان هذه الأقاليم تفتقر لمؤسسات اقتصادية وتجارية يمكنها توفير مناصب شغل.هذا كما لم تعرف المساحات الغابية توسعا منذ أزل رغم تزايد الكثافة السكانية التي تقارب 800 ألف وهي بحاجة إلى فضاءات غابية كمتنفس طبيعي. ومن بين الأسباب التي أدت إلى تدهور المحيطات السهبية،السهول والأراضي الفلاحية الخصبة، غياب مخطط الغرس الفلاحي مع مراعاة الظروف المناخية لكل منطقة بين الشمال والجنوب سواء الزراعات السهبية لاسترجاع الغطاء المستنزف للمحاصيل الاستراتيجية الذرة الصلبة والخضراء الخروب،الزيتون والمحاصيل التي تحتاج إلى الري التكميلي الخضر والفواكه غير المستنزفة للمياه شمالا، إضافة إلى المحاصيل المختلفة من حبوب بغية الوصول إلى التوازن الاقتصادي البيئي والطبيعي لكل منطقة
طرق وطنية،ولائية وبلدية بدون معالم طبيعية
لم يتم إعادة تشجيرجنبات الطرق منذ الحقبة الاستعمارية،وظلت تفتقد إلى الاخضرار من أجل التمتع بجمالها الطبيعي وظلها. وكانت عملية التشجير بمحاذاة الطرقات هي آخر اهتمامات المسؤولين المحليين والجمعيات،في ظل غياب اللمسة البشرية الطبيعية لطرق جميلة.
على الرغم من أن مديرية الأشغال العمومية، حققت نجاحا باهرا حسب تقرير اللجنة، سواء فيما تعلق بتهيئة الطرقات وإنجاز المنشآت الفنية الضخمة على مستوى شبكة الطرق الوطنية والولائية، والاهتمام بالصيانة والقضاء على الحشائش بحواف الطرقات، يمكنها إضافة برامج تشجير لهذه الجوانب في إطار عمل تشاركي بين المديرات المعنية من أشغال عمومية،البيئة والفلاحة ومحافظة الغابات، من خلال وضع مخطط مشروع تشجير بأهداف بيئية جمالية وزينة. خاصة وأنها سد طبيعي يحمي مستعملي الطرقات من العديد من المخاطر، إضافة إلى اللمسة الطبيعية الجمالية.
كما لا تخلو جوانب الطريق السيار شرق ـ غرب من الأشجار، رغم صعوبة التضاريس والجفاف،إلا أن الدراسات البيئية للقائمين على المشروع آنذاك، أثبتت نجاح التشجير بهذا الطريق في العديد من الولايات، خاصة الشرقية.
حلول وتوصيات المجلس الشعبي الولائي للقضاء على التصحر
لا يمكن طرح مشكل التصحر،تغيير المناخ وبرامج التشجير، دون الاجتهاد والمساهمة ولو بقليل في طرح بعض المقترحات والتوصيات على العديد من القطاعات، التي لها صلة مباشرة في محاربة التصحر،واسترجاع الغطاء النباتي سواء السهبي أو المناطق التلية، ومنه مقياس تحديد المشروع والمدة المحددة،ومن الأحسن تقييمه على 05 سنوات والمادي والتقني من خلال مكاتب دراسات متخصصة والبيئي والتشريعي ومقياس تحديد المسؤوليات بين الأطراف المعنية.
حيث يمكن تحفيز وتجنيد المؤسسات المعنية للمساهمة الفعالة في نجاح البرامج الولائية والوطنية للتشجير، ومنها متعاملي الهاتف النقال وسوناطراك والمقاولات العمومية والخاصة بمختلف الأنشطة الاقتصادية والتجارية، والاستفادة من البرامج الدولية للأمم المتحدة والمنظمة العالمية لمكافحة التصحر.
كما يمكن تحقيق نجاحات باهرة من خلال الاستعانة بتجارب وخبرات الدول الرائدة في مجال مشاريع التشجير الناجحة،كما خرجت اللجنة بتوصيات للبلديات من خلال حثها على تخصيص ميزانية لعملية التشجير داخل النسيج العمراني وخارجه على مدار 05 سنوات، واقتناء عتاد للسقي وإنشاء فرق من الأشغال العمومية للغرس والمتابعة مع تحديد الطرق المراد تشجيرها بالتنسيق مع مديرية البيئة. أما مصالح الغابات تقوم بوضع برنامج سنوي لمشاريع الغرس يتعدى 20 ألف هكتار سنويا وإيجاد الحلول عن طريق توفير يد عامل موسمية.
هذا، كما أشارت اللجنة في توصياتها إلى ضرورة فتح مقر محلي بجنوب ولاية سيدي بلعباس، وإنشاء محميات طبيعية لاسترجاع الغطاء النباتي، وتكثيف الحراسة مع توفير المركبات ووسائل التنقل للأعوان.في حين، المحافظة السمية للسهوب، تواصل توزيع الأراضي الفلاحية خلال السنوات القادمة مع المراقبة الميدانية لمصالح الأمن وإنشاء أحزمة خضراء جديدة ومدروسة بمرحوم .
أما المؤسسات التابعة لمديرية النشاط الاجتماعي، يمكنها استغلال مشاريع “ناف كوم” وإعانات للجمعيات أو البلديات،مع دعمها بنصوص تنظيمية. هذا، واقترحت ذات اللجنة من أجل مكافحة التصحر واسترجاع الغطاء النباتي تكوين لجنة تظم مختلف القطاعات بغية متابعة برنامج التشجير وبرمجة حملات من خلال استغلال الجانب الإعلامي والمساجد، وغرس 150 هكتارافي كل بلدية سنويا وتكوين الشباب.
ع.الصولي



