
تسعى الجالية برمتها الإسلامية والعربية المغاربية في ستراسبورغ، كل السعي والحرص إلى الحفاظ على ترسيخ مناهج وطقوس الاحتفال بعيد الأضحى، والتمسك بها في ستراسبورغ عاصمة الآلزاس خاصة. وحتى لو اختلفت مظاهر عيد الأضحى في ستراسبورغ مقارنة بالاحتفالات في الوطن الام، فالمميزات الأساسية تظل ثابتة وباقية متجذرة متأصلة، لا تندثر ولا تتغير.
حيث نجد مثلا على سبيل المثال لا الحصر، من أهم المميزات، الجانب الديني الروحاني، الحرص على الذهاب للمسجد وأداء صلاة العيد والاستماع إلى خطبتي العيد ناهيك عن التكبير، التهليل، التسبيح والتحميد. هذه الذكرى السنوية التي تشع فيها الأنوار ساطعة، أين يشد المغتربين حنين الشوق إلى أوطانهم الأصلية، أهاليهم، عاداتهم وتقاليدهم والأجواء العائلية التي اعتادوا عليها وترعرعوا في أحضانها.
وفي الجانب الروحاني قراءة الأذكار والأوراد، بدون أن يهمل الجانب الاجتماعي باجتماع العائلة عامة في بيت من بيوت الأهالي، وفرحة الصّغار والمحافظة على العادات والتقاليد الجميلة، التي تتوارثها الأجيال عن كابر، فهناك طقوس تتشابه لدى جميع المسلمين، ولا يمكن لعيد الأضحى أن يمرّ من دونها ولا يستغنى عنها، مهما كانت الأسباب والظروف مثل اللباس خاصة التقليدي لكل بلد والحنة والبخور.

سهرة ليلية دينية روحية استثنائية
مع اقتراب يوم عرفة، أقام المسجد الكبير في ستراسبورغ ورواده والمصلين سهرة ليلة روحية استثنائية، بدأت بعد صلاة العشاء واستمرت طوال الليل حتى صلاة الصبح.
كانت ليلة في هدوء وسكينة، خلدت فيها القلوب للطمأنينة والتقرب من الله، بعيدا عن صخب الحياة اليومية، للتأمل في عظمة الله والتفرغ لحظة للقرآن الكريم ولقراءة الأذكار والأدعية التي باتت الألسن تلهج بها والتذكير بالعودة إلى الله. إذ تحتل هذه الليلة من باقي الليالي التي تقام دائما في هذه المناسبات العظيمة، مكانة خاصة في قلوب المؤمنين. لتقربهم من الله. سائلين الله أن يمتعهم بفضل وأجر هذه الأيام المباركة ويجعلها سراجا ونورا منيرا لقلوبهم أجمعين.
ونتوجه أيضا بفكرنا وتضامننا، مع جميع الشعوب بكافة أرجاء المعمورة، الذين يعانون في صمت وعزلة وحصار، وخاصة في فلسطين. أن يفرج الله عنهم كربتهم مصيبتهم ويأخذ بيدهم إلى النصر.
عدم اعتماد عيد الأضحى كعطلة
لو أخذنا مناسبة عيد الأضحى في أوروبا، سنجد أن معظم دول الإتحاد الأوروبي لا تخصص عطلة لعيد الأضحى، وهي المسألة التي تؤرق الكثير من المسلمين في أوروبا، والذين عادة ما يرتبطون بمواعيد عمل أو دراسة خلال المناسبة.
وقد أثير هذا الموضوع في عدة مناسبات ولا جدوى من ذلك، حيث لا تمنح الحكومات للمسلمين عطلة في العيد الأضحى، وتكون العطلة إجازة مخصومة الأجر، ويجمع المسلمون على هذه الإجازة للاحتفال بالأعياد عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويكون التكافل والتضامن والتآزر بين أفراد الجالية منها المغاربية برمتها والمسلمين عامة هو السمة الغالبة والمرجعية الدينية التاريخية الأسرية في عيد الأضحى خصوصاً.
الأضحية وهاجس الذبح
فرغم صعوبة الوضع في المهجر للجالية ومرارة طعم الحياة. والمشاكل التي يواجهونها عندما يتعلق الأمر بالاحتفال بعيد الأضحى، وخاصة هاجس ذبح الأضاحي، في ظلّ القوانين الصارمة التي تفرض على المسلمين أن تكون عملية الذبح والسلخ منظمة ومقننة، وفي إطار المذابح فقط لا غيرها.
حيث تبقى شعيرة الأضحية في أوروبا عامة وستراسبورغ بفرنسا خاصة هاجس الجالية الإسلامية في مواجهة القوانين المنظمة والمعايير الصارمة التي لا تسمح بالذبح. وخوفا من تعرض المسلمين إلى عقوبات، وغرامات مالية بسبب المذابح العشوائية أو الذبح في المنازل أو في الأحياء، أو حتى على قارعة الطريق، أصبح أبناء الجالية المسلمة مضطرين إلى شراء الأضاحي مذبوحة ومسلوخة من قبل الجزارين المعتمدين، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بأركان وشروط عديدة من شروط الأضحية. كما أن مخالفة هذه القوانين والذبح خارج المذابح المرخصة، يعاقب عليه القانون بغرامات مالية قد تصل إلى آلاف الأورو والسجن.
ولضمان الحصول على أضحية العيد، تعمل بعض المساجد بستراسبورغ وغيرها من المساجد، على وضع قوائم للمسلمين الراغبين في اقتناء أضحية العيد، من خلال تسجيل أسمائهم ودفع مبالغ مالية حسب القدرة، الحضور يوم العيد ابتداء من منتصف النهار لاستلام الأضحية. وهي مبادرة لاقت بعض النجاح واستحسان الكثير.

التكبيرات والتهليل والتسبيح
ومن المدن التي عاشت عيد الأضحى المبارك، مدينة ستراسبورغ والمناطق المجاورة لها منها المسجد الكبير وغيره. بحيث قامت بعض العائلات بالتنقل جواريا لقضاء العيد مع أقاربهم وأصدقائهم والباقين منهم من قضاء بمفرده ومنهم من قضاه في جو عائلي وأسري أو كضيف لدى بعض العائلات أو عند صديق.
بدأت أجواء عيد الأضحى من فجر اليوم العاشر من ذي الحجة مع أولى تكبيرات العيد، حيث توافد المسلمون إلى المساجد أو الملاعب التي يتم كراؤها بطرق رسمية من قبل سلطات كل بلد ومدينة. فبداية من طلوع النهار، توافد المصلين مكبرين مهللين ومسبحين حامدين الله، لإعمار بيوت الله وإحياء شعائرنا الدينية وسنة نبينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كل ومسجد وحيه.
حيث يوجد حوالي 42 جامعا بستراسبورغ، ما بين مسجد ومصلى ومنهم من فضل التنقل إلى مسجده المعتاد المسجد الكبير المسجد الأم، الذي استقطب آلاف المصلين وحضرته جموع غفيرة. فرغم بعد المسافة إلا أن الكثير فضل الصلاة فيه لإتاحة الفرصة بالإحساس بـ “بنة” ونكهة العيد بالبلاد، شعائريا وروحانيا، ولملاقاة أكبر عدد من الأصدقاء والأحبة والمعارف وحتى بعض أفراد العائلة.
البروتوكول التقليدي لطاقم المسجد الكبير بستراسبورغ
في كلمته الملقاة بالمناسبة السعيدة بجمع الحضور الغفير، تقدم الأستاذ “علا سعيد” رئيس لجنة المسجد بإعلان فرحة عيد الأضحى المباركة. برفقة الأستاذ، “ولقاضي الحاج مصطفى”، الركيزة الداعمة والرجل الحريص على شؤون المسجد، وغيرها من باقي الأمور، والأستاذ “صادقي مصطفى” الإطار الإداري الفعال بمكتب المسجد، وباقي الإطارات والشخصيات، وكذا تقديم أجمل التهاني والتحايا والتباريك للجالية المسلمة عامة بستراسبورغ، متمنين لهم الهناء والسعادة وموفور الصحة وكل عام والجميع بألف خير.
مذكرا بأنه لا يجب أن ننسى إخوتنا في غزة وفلسطين، والتضرع لهم بالدعاء ولجميع المرضى. ومعربين لهم عن امتنانهم على تلبية الدعوة والحضور المكثف المميز، وتقديم أسمى التهاني بحلول هذا اليوم المبارك، وتقدم جزيل الشكر لجميع من ساهم من قريب أو من بعيد خاصة لفئة الشباب اليافع المتطوع وفرقه المجندة. في إقامة هذا الحدث الكبير.

صلاة العيد
وكباقي المساجد، شهد المسجد الكبير بستراسبورغ، وتزامنا مع عطلة المدرسة يوم الأربعاء، مباشرة بعد صلاة الفجر ليوم 10 ذي الحجة1447هـ الموافق ليوم الأربعاء 27 ماي 2026م، توافد المصلين للمسجد. وبطلوع النهار شرع المصلين في التكبير والتهليل والتسبيح كعادتهم بفرحة بالعيد وإحياء شعيرته التي لا يمكن الاستغناء عنها ولا التفريط فيها مهما كان.
وفي أجواء العيد ترى كالمعتاد الطوق الشامخ، الرجل الذي لا يكل ولا يمل العم الحاج “علي نفاتي التونسي”، ككل مناسبة وعيد يصدح بحنجرته الذهبية حرصا على سلامة وأمن الجميع والسهر على راحة المصلين. رفقة كوكبة المتطوعين من شباب المسجد اليافع ينظمون صفوف المصلين وإرشادهم إلى الأماكن الفارغة وتقديم الإرشادات والنصائح لجميع.
وفي الختام، تقدم فضيلة الشيخ “خليلو سيلا” إمام المسجد، بإقامة صلاة العيد وإلقاء خطبتي العيد، مشيرا إلى الدلالات الدينية المبينة لمغزى عيد الأضحى المبارك لدى الأمة الإسلامية وحثها على الحرص على إقامته، مستحضرا قيم التسامح والتآخي وروح التضامن والتآزر، والحرص كل الحرص على صلة الرحم التي تظل من أسمى العبر، التي يجب على المسلم أن يستخلصها من مناسبات الأعياد الدينية خاصة لمثل هؤلاء المغتربين. كما حث على تقيد الجالية الإسلامية بحسن المعاشرة الحسنة.
المعايدة والتغافر والزيارات
وبانتهاء الخطبة والموعظة، قام المصلون بابتسامة مرسومة على محياهم، بتبادل تهاني عيد الأضحى المبارك والمعايدة، مهنئين بعضهم بالعيد السعيد متمنين عيد سعيدا للجميع قبل الانصراف لمصالحهم. وتوجه المصلون بعد أداء الصلاة وخطتي العيد والتغافر.
وبانتهاء شعائر العيد الدينية بالمسجد، انصرف الجميع كل ووجهته منهم إلى أسرته ومنهم إلى أصدقائه ومنهم للشارع من لا أسرة له ولا أصدقاء له سوى الله في وحدته. ومنهم من فضل زيارة المرضى بالمستشفى والعجزة وكبار السن بإقامتهم. كما كان الحال لنا، لمواساتهم والتخفيف عنهم ومشاركتهم فرحة العيد خاصة لمن هو وحيد وتقديم هدايا العيد والمساعدة التي يحتاجونها.
وتواصلت الأفراح والزيارات والتهاني طوال اليوم بين الأهل والأقارب والأصهار والأحباب، بالتنقل لمن سمحت لهم الفرصة وخدمتهم الظروف، بينما حرم العاملون المداومين حتى من قضائه مع عائلاتهم وأبنائهم. وزيارة بعض العائلات لأبناء الجاليات الأخرى لإشعارهم بفرحة العيد كما كان الحال لأسرتنا وزيارة بعض الأطفال للبيوت للمعايدة، أين زارنا بعضهم كما هو الحال في البلاد. ومن جهتها، قامت بعض الأسر باستضافة بعض العائلات التي لا عائلة ولا قريب لها هنا بالمهجر، لقضاء العيد في جو أسري والتمتع بلذة الشواء على الهواء الطلق.
الحاج نورالدين أحمد بامون – ستراسبورغ فرنسا



