روبرتاج

عادات وطقوس ما تزال راسخة في البيوت التلمسانية

عـيد الأضحى الـمبارك بعاصمة الزيانيين

إحتفل أهـل تلمسان، كـغـيـرهم من مناطق ولايات الوطن، بعيد الأضحى في العاشرة من ذي الحجة، من كل سنة في جو من الفـرح والبهجة، كانت السـمة البارزة على مختلف مناطق الولاية التي كان سكانها عـلى موعـد في عـيد الأضحى مع العادات والتقاليد التي ألفوها والتي ورثوها أبا عن جد، ولا تختلف مظاهره عن عيد الفطر إلا فيما يتعلق بالأضحية، فكان الناس يتزينون باللباس الجديد، في الصباح ثم توجهون إلى المصلى، لأداء صلاة العيد في جوّ يسوده الخشوع والتكبير والتهليل والفرحة تكسو وجوه الكبار والصغار، وكان السلطان الزياني مع المتصدرين للصلاة خلف الإمام، وعند عودته إلى قصره، يمر بأزقة المدينة وساحاتها، في حفل بهيج، حيث كان يتقدم الموكب، بملابسه السلطانية الفاخرة، محفوفا بوزرائه ومساعديه، وحراسه الذين يحملون الأعلام والعلامات والطبول، فيخرج السكان رجالا ونساء وأطفالا، لمشاهدة موكب السلطان والتمتع برؤيته، ورؤية الأضحية التي ذبحها بيده إعلانا ببدء النحر، ثم يجلس السلطان في دار الملك، لاستقبال المهنئين بهذه المناسبة.

 

وقد وصف لنا الرحالة المصري “عبد الباسط”، الذي حضر الاحتفال بعيد الأضحى في مدينة تلمسان، يوم الأحد عاشر ذي الحجة سنة 868 هـ/1463م، مظاهر هذا الاحتفال وصفا دقيقا ومتعجبا في الوقت نفسه من هذه المظاهر، التي ألفها أهل تلمسان وحكامها، وهي مظاهر لم يتعود عليها عبد الباسط في بلاده ولم يشهدها من قبل، بقوله:”…كان عـيد النحر بتلمسان، فخرجنا للمصلّـى بظاهرها، وحضر السلطان محمد بن أبي ثابت (866 – 873هـ/1462- 1468م)، صاحب تلمسان، صلاة العيد في هذا اليوم بعد أن خرج في موكب حافل، حين تعالى النهار جدا، ثم صلى ونحر أضحيته كبشا أملحا في المصلى بعد فراغه من الصلاة، وشهر هذا الكبش محمولا على بغل، مع رجل يعد لذلك، فـشق به المدينة لأجل أن يتيقــن بتضحية الإمام، على قاعـدة مذهب مالك (رضي الله عنه)، وكان هذا الرجل لما سار بهذه الذبيحة الأضحية، مجدا ببغله فيها، محـثّا في ذلك، ولم أكن أعرف ذلك، قبل هذا التاريخ، فسألت فأجابوني، بأنه من عادة ملوك هذه البلاد، ثم عاد السلطان إلى المدينة في موكـبه الحافـل”.

 

تقاليد لم تفقد بريقها منذ زمن طويل

تقاليد وعادات دأب التلمسانيون عـلى إحيائها في كل مناسبة، تعـبّر عن تنوّع التراث الثقافي الجزائري وغـنى ثقافـتها، وكذلك أصالة سكان مدينة تلمسان وعراقتهم التي تمتد إلى القرون الغابرة توارثها الأشخاص جيلا بعد جيل، كما أنه أصبح صيام يوم عرفة سنة متأصلة في الشارع التلمساني دأب عليها الصغار قبل الكبار، فيرى المتجوّل في الأسواق يوم عرفة توافدا كبيرا للمواطنين على اقتناء الخضر وحتى اللحم والدجاج لتحضير مائدة الإفطار، والمثير للانتباه أن الأسر التلمسانية أصبحت تصوم يوم عـرفة جماعـيا وكأنه يوم من أيام رمضان، فالصغير يصوم والكبير لا يفوت فرصة ثواب هذا اليوم العظيم ونكاد نجزم أن جميع البيوت فيها مائدة إفطار لصائم في هذا اليوم المبارك.

عادات يستذكـرها التلمسانيون كـلّما حلت مناسبة دينية معظم الأحيان يقوم الناس بتطبيق هذه العادات عـلى حذافيرها خاصة في المناطق الجبلية، على غرار منطقة بني سنوس، ندرومة، بني بوسعـيد…وغيرها، حيث تتعـدّد هذه العادات وتتنوّع من منطقة لأخرى، تنم عن زخم النسيج الثقافي التلمساني والأمازيغي في مناطقها الجبلية، ولعيد الأضحى المبارك عادات خاصة ومميزة تميز كل منطقة عن أخرى ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك أردنا تقصي بعض العادات التي لا تزال منتشرة إلى يومنا هذا…

 

الشواء على الجمر في الواجهة والبكبوكة والبوزلوف أفضل المأكولات

ويرتبط عيد الأضحى في تلمسان بمجموعة من العادات والتقاليد التي تختلف من منطقة إلى أخرى، لتشكل في مجموعها عناصر تلك الاحتفالية الدينية الهامة، حيث درج التلمسانيون على اقتناء الأضحية قبل العيد بأيام لإحساس الصغار بأهمية الحدث، مما يولد لدى الأطفال إحساسا بانتمائهم الديني، وتشبثهم بعقيدة وتقاليد آبائهم وأجدادهم…واتخذت عادات وتقاليد الذبح مظهرا احتفاليا، يتمثل في تجمع أفراد الأسرة لمشاهدة عملية النحر. وقد يشترك الجيران مع بعض ويتعاون الجميع ذكورا وإناثا في عملية الذبح، ومن ثم إعداد أحشاء الأضحية، التي ستتحول لاحقا إلى أطباق تفوح منها روائح زكية عقب إضافة التوابل.

كما يصوم الكثيرون إلى حين الإفطار بكبد الخروف المشوي على الجمر، ما يُعرف بـ (الملفوف)، والذي يُعـتبر من السنن التي اعـتادت الأسر التلمسانية على التشبث بها، وهي فرصة مناسبة لجمع شمل العائلة والتقاء الكل على مائدة واحدة، هذا الاجتماع الذي يقل في الأيام العادية، أما فيما يخص وجبة الليل فيطبخ ما يسمّى بـ “الـكرشة” أو ما يعرف بـ “البكـبـوكة”، حيث يُعـد هذا الطبق من العادات والتقاليد المحلية الراسخة لدى الأسر التلمسانية منذ أجيال خلت مع حلول “العـيد الكبير”، إذ تحرص النساء في هذه المناسبة على إعـداده، وهو يشكل مظهرا للافتخار بالعادات والتقاليد النابعة من التراث المحلي العريق، ووجبة رئيسة يلتف حولها أفراد العائلة في أجواء احتفالية تسودها الفرحة والدفء والترابط الأسري، فلا يكاد يخلو بيت بتلمسان من “الـكـرشـة” المحشوة بخليط من قطع الكـبد والرئة والأمعاء وأجزاء من اللحم يضاف إليها الأرز المبخر والتوابل، قـبل أن تخاط بالإبرة والخيط الأبيض وتطهى في القدر، وتقدَّم في صحن مزيَّن بالحمص، إذ تشكل “البكـبـوكة” الأكلة الثانية المعـتادة لدى الأسر التلمسانية التي يتم تناولها، وذلك بعد وجبة “الملـفـوف” (أي الكبد الملفوف بالشحم بعـد الشواء)، إذ حافظت الأسر التلمسانية حتى اليوم على “البكـبـوكة” كأحد الأطباق التقليدية لعـيد الأضحى.

أما في اليوم الثاني فقد جرى التقليد قــديما على أن تكون وجبة الفطور هي “الـرأس” أو البوزلوف حسب المناطق، كما تعمل الأسر التلمسانية على تقطيع الأضحية للقيام بإهداء ثلثها عملا بالسنة النبوية الشريفة، ولتخزين جزء منها في المجمدات، وإعـداد ما سيتحول إلى ولائم، أما اليوم الثاني من عـيد الأضـحى المبارك تقـوم بعض النساء بتقطيع اللحم على شكل شرائح أو رقائق تطلى بالزيت والملح لتحويلها إلى قـديد، وتنشر على خيط حديدي على سطح المنزل كي تجف تحت أشعة الشمس وتحفظ للأكل أيام الشتاء مع “الـبـركـوكـس” أو الخضر، أو تُستهلك بمناسبة يوم عاشوراء، غير أن هذه العادة اندثرت في السنوات الأخيرة، كما يتميز اليوم الثاني بالمعايـدات المتبادلة التي يقدم فيها الشواء وكؤوس الشاي، كما تأخذ الأسر نصيب العرائـس “الـمـخـطـوبـات” من اللحم، إضافة إلى هدايا أخرى تقـدّم خلال اليوم الثاني، وتستمر الأجواء الاحتفالية ثلاثة أيام في أجواء روحانية قل نظيرها…لتعقبه استعدادات العائلات التلمسانية لاستقبال حجّاجهم ممن تمكّنوا من أداء فريضة الحج؛ سواء من أهاليهم أو أقـربائهم أو حـتى جـيـرانـهـم.

 

بعدما كانت تزين بها المنازل وتتباهى بها، مصير “الهيدورة” بين يدي وزارة الصناعـة

كان جلد الأضحية من أثاث البيوت، بل كان كل رونقها، إذ يضفي عليها مسحة طبيعية جاذبة للعـيون، بخاصة عندما تتوسط صالة الضيوف لتزين جلساتهم، لكنها اليوم لا أثر لها إلا في الشوارع وفي أماكن رمي النفايات، حيث كانت الأمهات والجدات فيما مضى تعتني جداً بجلد الأضحية، إذ بمجرد إتمام عملية الذبح والسلخ تبدأ مهمة جدتي مع الهيدورة…أو جلد الأضحية، وتصرخ الأمهات في وجه أزواجهن إذا قطع بسكينه جزءاً صغيراً منها، يضعنهن على أحد الرفوف مستقبلة أشعة الشمس، وقبل ذلك تقـوم الأمهات أو الجدات بتمليحها جيداً وتودع على تلك الحال ليومين أو ثلاثة وأحياناً لأسبوع كامل حتى تجـف، وتغسل تلك الهيدورة بعـد ذلك وتصبح قطعة أساسية في البيت، غـير أن هذا الموروث أضحى من الماضي بسبب تغير نمط تعامل العائلات مع الهيدورة، إذ كثيراً ما يتم التخلص منها لدواع عـدة، على اعـتبار التغـيير الحاصل في النسيج الأسري داخل المجتمع، ووجود بدائل تزيينية، علاوة على الأسلوب الحياتي المختلف تماماً عن أسلوب حياة المرأة قديماً، بخاصة في المدن الكبرى.

ومنذ سنوات عـدة، تقوم الحكومة بحملات توعوية قبيل عيد الأضحى، لجمع جلود الأضاحي التعامل السليم معــها، من خلال وضعها في أكياس بلاستيكية بعد تمليحها وتحديد أماكن وضعها، والسير بها نحو مصانع النسيج والجلود لاستعمالها كمادة أولية، من خلال وضع خطة ميدانية بالتعاون مع وزارة الصناعة، تتضمن تسخير آليات خاصة لجمع ونقل هذه النفايات ذات الطبيعة الخاصة إلى أماكن مهيأة قبل تسليمها إلى المؤسسات المكلفة بتثمينها، بغية الحفاظ على البيئة بعدم تركها في الشوارع ومكبات النفايات وغيرها، ما يجعل أمر تحللها سهلاً، وبالتالي الإضرار بالتربة وانتشار الروائح الكريهة وغـيرها.

ويقـول خبراء إن خسائر كبيرة كان يتكبدها قطاع النسيج خلال العقود الماضية بسبب ضعف التموين بالمواد الأولية، إضافة إلى ارتفاع أسعارها في السوق الدولية، وهو أمر أدى بالدولة إلى الاهتمام الفعلي بهذا الموروث الاقتصادي، ذا الجودة العالية المتمثلة في جلود الأضاحي من الخرفان والأبقار وغـيرها، ما ساهم في نمو قطاع النسيج في الأعوام الأخيرة منذ انطلاق هذه العملية وبلوغه نسبة فاقة الــ 06 في المائة من مساهمته في الناتج الداخلي الخام، ويقول متخصصون، بقـدر ما ساهمت في ترسيخ “عـدم الاهــتـمـام” الذي أضحت توليه العائلة الجزائرية لجلد الأضحية، دفعت إلى انتشار ثقافة مساهمة المواطن في تنمية اقتصاد بلاده، وهو معطى إيجابي قــد يسترجع به المجتمع الجزائري الكثير من عاداته وتقاليده التي اندثرت مع مرور الأزمنة وتغير نمط المعيشة، بالإضافة إلى تغيير صورة أحياء وأزقة وشوارع مدن الجزائر عقب انتهاء عمليات النحر، إذ كثيراً ما امتلأت بجلود الخرفان مرمية على قارعة الطرق.

ع. أمير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى