روبرتاج

المرأة الريفية بقرية النواصر…

إبداع متواصل في صناعة القفف والأطباق

 

  • حفظ التراث التقليدي بعماري تيسمسيلت

 

في عمق قرية النواصر التابعة لبلدية عماري بولاية تيسمسيلت، ما تزال المرأة الريفية تمارس حرفة ضاربة في التاريخ، مستندة  إلى جذور عميقة من التراث الشعبي، تنسج من خلالها القفف والأطباق وقطع الزينة، باستعمال الحلفاء والدوم، وكأنها تعيد رسم ذاكرة المكان على خيوط الطبيعة. هنا، لا تعد الحرفة مجرد عمل يومي، بل هي هوية متوارثة أبا عن جد كما تقول النسوة، ومصدر فخر واعتزاز أمام عالم يركض بسرعة نحو الحداثة.

 

في الجبال المحيطة بقرية النواصر، وبالتحديد في مناطق العرجة والجدري، تنبت الحلفاء والدوم بكثافة، وكأن الطبيعة اختارت أن تمنح أهل المنطقة مادة أولية ثمينة لصناعة الحرف التقليدية،هناك تصعد النسوة في الصباح الباكر لجمع الحزم، يقطعنها بعناية ويعدن بها إلى الدوار محملات بما يشبه “ذهب الأرض”، وتصف إحدى السيدات هذه الرحلات قائلة” الطريق نحو الجبل جزء من الحرفة، فنحن لا نبحث فقط عن المادة، بل نسترجع ذاكرة الأمهات والجدات اللواتي مررن من هنا”.

 

الحلفاء والدوم من اللون الأخضر إلى المتانة الذهبية

بعد جمع الحلفاء أو جذوع الدوم المعروفة بـ”أضلاف الدوم”، تبدأ مرحلة أخرى أساسية في رحلة تصنيع القفف والأطباق، حيث تشرح لنا إحدى النسوة المتخصصات في هذا المجال، “نضع الحلفاء والدوم على الأرض تحت أشعة الشمس، فنحن نحتاجها أن تتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر. هذه المرحلة، تمنح المادة قوة ومتانة تجعلها قابلة للنسج والصناعة”، ويستغرق ذلك أياما أو أسابيع حسب الحرارة، وهي مرحلة دقيقة لأنها تحدد جودة المنتوج النهائي، وهكذا تتحول أعشاب الجبال البسيطة، إلى خيوط صلبة تتقن بين أيادي النساء شكلها ووظيفتها.

 

“الحدادية” الإبرة التي لا تشبه غيرها

لا تعتمد المرأة الناصرية على الإبر العادية المستعملة في الخياطة، بل تستعمل أداة خاصة تعرف باسم “الحدادية”، هذه الإبرة أطول وأكثر صلابة، ومخصصة لنسج الحلفاء والدوم، وتستخدم لربط الخيوط وتشكيل الرسومات الهندسية التي تميز القفف والأطباق المحلية.

تقول إحدى السيدات وهي تمسك بالحدادية بحرص “نحن نتعامل مع مادة تحتاج قوة ودقة في الوقت نفسه، لذلك تعد الحدادية جزء أساسيا من عملنا، لا نستطيع الاستغناء عنها”.

 

الأطباق، القفف، الكسكاس ومنتوجات تزين البيوت

تتفنن المرأة الريفية في النواصر في تشكيل أنواع متعددة من المنتوجات، منها القفف التي تستعمل لحمل الأغراض، وتشتهر بصلابتها، الأطباق بأشكال دائرية وجمالية، تستخدم لحفظ الخبز أو تقديم التمر أو كديكور، “الكساكس” المصنوعة بعناية، وتعتبر من أجود الصناعات التقليدية، الديكورات المنزلية قطع فنية تعلق على الجدران وتمنح البيوت طابعا تراثيا محببا.

وتعد هذه المنتوجات، جزء من الهوية المحلية، فقلما تجد بيتا في الدوار يخلو من طبق أو قفة صنعتها إحدى نساء العائلة أو إحدى جاراتها.

 

تراث يورّث وصمود أمام التحولات

لا تتعامل نساء النواصر مع الحرفة على أنها مصدر رزق فقط، بل هي تراث أصيل يحمل قيمة ثقافية واجتماعية،  تقول إحدى السيدات المسنات “نحن ورثنا المهنة من أمهاتنا، وهن ورثنها من الجدات، هذا عمل لا نتركه مهما تغير الزمن”، ورغم موجة الحداثة وتراجع الاهتمام بالمنتوجات اليدوية، تصر النساء على مواصلة العمل، معتبرات أن التخلي عنه يعني خسارة جزء من الهوية.

 

المرأة بين مسؤوليات البيت وإبداع الحرفة

داخل البيوت الريفية المتواضعة، تنسج المرأة وتعد الخبز وتربي الأطفال. وفي الوقت نفسه، تصف إحدى السيدات يومها قائلة “أبدأ في الصباح بأعمال البيت، وبعد الانتهاء أمسك الحدادية والحلفاء وأشرع في النسج، هذا عملي وحبي، وأنا لا أشعر بالتعب حين أرى ما ينتج من بين يدي”.

الحرفة بالنسبة لهن مساحة للتعبير عن الذات، ونافذة صغيرة على عالم الإبداع والحرفية.

 

رحلة تبدأ مع الفجر

مع بزوغ الشمس، تتحرك النسوة نحو الجبال لجمع الحلفاء والدوم، ثم يعدن لتجهيزها، وبمجرد أن تجف المادة تحت الشمس، تبدأ عملية الفرز والقص والترتيب، بعد ذلك، تمسك المرأة الحدادية وتبدأ أولى حلقات النسج، تتبع حركات دقيقة تشبه الخياطة لكنها أقسى وأقوى، خلال جلسات النسج، تتبادلن الأحاديث تشاركن القصص، وتصبح الحرفة وسيلة للتواصل الاجتماعي أيضا.

 

صنعة اليد صبر ووقت

لا يتم نسج طبق أو قفة في ساعات قليلة، بل قد يستغرق يومين أو ثلاثة، والسبب يعود إلى دقة العمل ورغبة المرأة في تقديم منتوج خال من العيوب، تقول إحدى السيدات “كل عقدة وكل خيط له مكانه، القفة ليست مجرد منتوج، بل هي قصة من الصبر والتعب”.

 

المنتوجات التقليدية ذاكرة بيت وأصالة مجتمع

في النواصر، تعد الأطباق والقفف جزء من تجهيزات العروس، وجزء من هدايا المناسبات، ورمزا للتقاليد التي لا تزال صامدة رغم تغير الحياة اليومية، وتؤكد الكثير من العائلات أن وجود طبق مصنوع من الحلفاء في المطبخ “فأل خير”، ووجود قفة في البيت “علامة على البركة والاجتهاد”.

 

بين البيع والتعاون حرفة توفر دخلا رمزيا

لا تعتمد نساء النواصر على بيع منتجاتهن كمصدر رزق أساسي، لكنها تبقى موردا مساعدا، يخفف بعض المصاريف، وعادة ما يتم البيع داخل القرى المجاورة أو خلال المناسبات المحلية. إحدى النسوة تقول مبتسمة “لا نبحث عن الربح بقدر ما نبحث عن استمرار المهنة، لكن حين نبيع منتوجاتنا، نشعر بالفخر أن هناك من يقدر هذا العمل”.

إلى جانب الجانب الاقتصادي، تساهم الحرفة في تعليم الصبر، الدقة، احترام الوقت، وتنظيم العمل، وتعتبر النساء أن المحافظة على هذه القيم لا تقل أهمية عن إنتاج القفف والأطباق.

 

جيل جديد يبحث عن بدائل فهل تستمر المهنة؟

تواجه الحرفة تحديات عدة، أهمها عزوف بعض الفتيات عن تعلمها، وتوجههن نحو التعليم والعمل خارج البيوت، إضافة إلى توفر المنتجات البلاستيكية الجاهزة التي غزت الأسواق، لكن بعض النسوة يصررن على استمرار المهنة، ويؤكدن أن الحرف اليدوية أصبحت اليوم رمزا للذوق الرفيع، وأن العودة إليها باتت موضة عالمية.

 

إبداع من نوع خاص

لا توفر الحرفة مكسبا ماديا كبيرا، ولا تحظى بدعم كبير، لكن المرأة الناصرية تستمر لأنها تؤمن بقيمة ما تصنعه، تقول إحدى النسوة، “عملنا بسيط، لكنه يحمل تاريخا، وهذا التاريخ لا نريد أن يضيع”.

وما تجدر الإشارة إليه، أنه في قرية النواصر ببلدية عماري، لا تنحصر الحكاية في القفف والأطباق، بل في تلك الأيدي التي تصنع، وفي تلك العيون التي تحرس التراث، وفي ذلك الإصرار الريفي الذي لا يلين، هنا تتجسد القوة الحقيقية للمرأة الريفية امرأة تحيي التراث، وتقاوم النسيان، وتؤمن أن الأصالة ليست مجرد كلمة، بل عمل يومي وصبر وإبداع متواصل.

جطي عبد القادر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى