
من بوابة الصحراء الجزائرية ولاية النعامة، ومن بلديات الجنوب الغربي البعيدة عن الأضواء، ينهض جيل شاب من السينمائيين ليصنع حضوره في مهرجانات عربية ودولية، متحدّياً شحّ الإمكانات وغياب الدعم، ومؤمناً بأن السينما ليست امتيازاً جغرافياً بل حقّ إبداعي. شباب اختاروا الكاميرا لغة، والحلم وسيلة، فكانوا مفاجأة جميلة في تظاهرات سينمائية كبرى، رغم أن أغلبهم يشتغل في صمت ودون أي التفات رسمي يوازي حجم ما يقدّمونه من صورة مشرّفة للجزائر.
ورغم هذا التهميش، يبقى أمل هؤلاء الشباب معقوداً على وزارة الثقافة ووزارة الشباب وباقي الهيئات الرسمية، من أجل تفعيل حقيقي لهذا القطاع، باعتباره رهاناً استراتيجياً لمستقبل السينما الجزائرية، ومجالاً قادراً على احتضان طاقات إبداعية هائلة .
قانون جديد… أفق واعد للصناعة السينماتوغرافية
شكّل صدور القانون الجزائري المتعلق بالصناعة السينماتوغرافية رقم 24-07 المؤرخ في 29 أفريل 2024 محطة مفصلية في مسار السينما الجزائرية، حيث وضع لأول مرة إطاراً قانونياً متكاملاً ينظّم مختلف النشاطات المرتبطة بالصناعة السينمائية، ويؤسس لرؤية مستقبلية تقوم على تشجيع الاستثمار، وترقية الشراكات، وخلق بيئة إنتاجية محفّزة.
ومن أبرز ما جاء به القانون، فتح المجال أمام المستثمرين للاستفادة من أملاك الدولة والجماعات المحلية لإنجاز مدن سينمائية وقاعات عرض ومركبات ثقافية، بما يساهم في إعادة بعث البنية التحتية السينمائية التي طالها الإهمال لسنوات.
أما على المستوى المهني، فقد تم لأول مرة الاعتراف بمهنيي السينما ضمن قانون أساسي خاص، مع استحداث هيئة للوساطة وآداب وأخلاقيات النشاط السينماتوغرافي، تُعنى بوضع ميثاق أخلاقي وتنظيم العلاقات المهنية، إضافة إلى نصوص واضحة تخص التكوين المتخصص والتكوين المستمر وتحسين المستوى، مع تشجيع إنشاء مؤسسات خاصة للتكوين السينمائي، والانفتاح على الشراكات الأجنبية.
الفيلم القصير… القلب النابض للنهضة السينمائية
في السنوات الأخيرة، عرفت السينما الجزائرية صحوة لافتة عبر بوابة الفيلم القصير، الذي تحوّل من شكل هامشي إلى مركز الفعل السينمائي الحقيقي. هذا الشكل الفني الخفيف إنتاجياً والعميق تعبيرياً، وجد فيه الشباب مساحة حرّة للتجريب، والتحرر من ثقل الإنتاج التقليدي، ولطرح أسئلة الهوية والذاكرة والهجرة والإنسان الجزائري في أكثر لحظاته هشاشة وصدقاً، حيث ساهم التطور التكنولوجي وانتشار مدارس السمعي البصري والنوادي السينمائية في بروز أعمال قصيرة ذات مستوى فني عالٍ، أنجزها شباب بإمكانات محدودة، لكنها نجحت في تمثيل الجزائر في مهرجانات عربية، إفريقية ودولية، وأثبتت أن الجودة لا تُقاس بحجم الميزانية.
مهرجانات محلية… أفكار كبيرة بأحلام شابة
أفرز تنظيم المهرجانات الوطنية والأيام السينمائية حراكاً ثقافياً لافتاً، كشف عن تنوّع كبير في المواضيع والأنماط، من الأفلام التراثية والتوعوية والبيئية، إلى الأفلام الروائية القصيرة، ما يعكس وعياً متزايداً لدى الشباب بدور السينما في خدمة المجتمع والهوية الوطنية، هذه التظاهرات، رغم بساطتها، أصبحت منصّات حقيقية لاكتشاف المواهب وبناء الثقة، وتؤكد أن السينما الجزائرية تملك خزّاناً بشرياً قادراً على صنع المستقبل إذا ما توفرت له آليات الاحتضان.
الفيلم القصير كشكل مستقل… أمل السينما الجزائرية
لم يعد الفيلم القصير مجرّد خطوة أولى نحو الفيلم الطويل، بل تحوّل إلى شكل فني مستقل، تتبنّاه المهرجانات والمؤسسات كجزء أساسي من مشروع نهضة سينمائية جديدة. ومع تطور الإنتاج الرقمي، بات بإمكان الشباب صناعة أفلام ذات جودة عالية دون ميزانيات ضخمة، ما خلق موجة إنتاج غزيرة تشمل الروائي والوثائقي والتجريبي.
اليوم، تمثّل الأفلام القصيرة الجزائر في المحافل الدولية أكثر من الأفلام الطويلة، لما تمنحه من مرونة في السرد وجرأة في الطرح، وقدرة على التعبير الحر عن قضايا معاصرة بلغة بصرية حديثة.
مخرجون شباب… يصنعون التميّز دون انتظار
ما يجمع هذا الجيل الجديد من السينمائيين هو رفضه انتظار الدعم التقليدي. يكتبون، يصوّرون، وينتجون بأدوات بسيطة، ثم يشقّون طريق أفلامهم نحو المهرجانات الدولية. هذه الديناميكية خلقت سينما أكثر تحرّراً، وأكثر قرباً من الإنسان، وأبعد عن القوالب الخطابية التي ميّزت بعض مراحل السينما الجزائرية السابقة، إنه جيل يكتب سينما شخصية، مرنة، ذات أفق عالمي، دون أن يتنازل عن جذوره المحلية.
المهرجانات… ذاكرة وهوية وصورة وطن
برز في السنوات الأخيرة تنوّع نوعي في المهرجانات المتخصصة بالفيلم القصير، التي وضعت هذا الشكل في قلب المشهد السينمائي، مثل المهرجان الدولي للفيلم القصير بتيميمون، الذي افتُتحت فعالياته تحت إشراف وزارة الثقافة، في رسالة واضحة تؤكد اهتمام الدولة بهذا القطاع ودوره في الترويج للهوية الوطنية.
جرأة في المواضيع… صدق في التعبير
تتميّز أفلام الجيل الجديد بجرأة واضحة في طرح القضايا، مبتعدة عن الشعارات الكبرى، لصالح سرد حميمي يمسّ الفرد مباشرة. أفلام تناقش الذاكرة، الهوية، البيئة، محاربة التسرب المدرسي والمخدرات، الهجرة غير النظامية، إلى جانب مواضيع أكثر عمقاً تتعلق بالصحة النفسية، طموحات الشباب، وصراعهم اليومي مع واقع معقّد.
عبد القادر جواد… موهبة من الجنوب تُرفع الراية عالياً
من جنوب الجزائر، يبرز اسم عبد القادر جواد، أصغر مخرج جزائري وعربي، لم يتجاوز 17 سنة من الجنوب الغربي الجزائري، لكنه نجح في تمثيل الجزائر في عدة مهرجانات وأيام سينمائية بإمكاناته الخاصة. يعرفه محرك البحث «غوغل»، لكن للأسف لا يعرفه الكثيرون في بلده.
تنقّل عبد القادر إلى المهرجانات على نفقته الخاصة، مؤمناً بما يقدّمه من إبداع، دون أن يحظى بأي دعم تحفيزي يساعده على تطوير موهبته. ويؤكد في حديثه أن أمله يبقى معقوداً على وزيرة الثقافة التي أبدت اهتماماً واضحاً بمبادرات الشباب.
السينما الجزائرية تعيس اليوم لحظة مفصلية
تعيش السينما الجزائرية اليوم لحظة مفصلية، تقودها طاقات شابة أعادت تعريف الفعل السينمائي خارج القوالب التقليدية، وفتحت عبر الفيلم القصير نوافذ جديدة للتجريب والابتكار. هذه الأعمال، التي وُلدت في الهامش وبإمكانات محدودة، لم تعد مجرد محاولات أولى، بل تحوّلت إلى مؤشّر واضح على تشكّل حركة سينمائية جديدة، تستعيد للجزائر حضورها في الفضاء العربي والإفريقي، وتؤكد أن صوت الشباب حين يُمنح الفرصة قادر على عبور الحدود وفرض لغته الخاصة.
غير أن هذه الديناميكية الإبداعية، على غناها وصدقها، تبقى مهدّدة بالتوقّف ما لم تُواكَب برؤية مؤسساتية واضحة تضمن انتقالها من منطق المبادرات الفردية إلى مسار احترافي مستدام. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في غياب المواهب، بل في توفير شروط تطورها: تكوين نوعي، دعم إنتاج منتظم، مساحات عرض دائمة، ومهرجانات تتحول من تظاهرات ظرفية إلى منصّات فعلية لصناعة السينما.
ومن هذا المنطلق، يتوجّه نداء صريح ومسؤول إلى معالي وزيرة الثقافة، بوصفها الحاضنة الأولى للرهان الثقافي الوطني، من أجل الالتفات الجاد إلى هذا الجيل الذي يصنع صورة الجزائر في الخارج دون سند يُذكر. إن دعم الفيلم القصير، واحتضان المخرجين الشباب، خصوصاً في مناطق الجنوب، ليس مجرّد خيار ثقافي، بل استثمار استراتيجي في مستقبل السينما الجزائرية، وفي صورة البلاد وقوتها الناعمة.
إن اللحظة الراهنة تستدعي قرارات شجاعة تُترجم القوانين إلى آليات فعل، وتحوّل الطموح إلى برامج ملموسة. فحين يجد هذا الجيل من يؤمن به، ويوفّر له شروط العمل الكريم، ستدخل الجزائر مرحلة سينمائية جديدة، تقودها رؤية فنية واعية، ولغة بصرية حرّة، ومتعددة، قادرة على كتابة المستقبل دون القطيعة مع الذاكرة.
وهكذا، يتحوّل الفيلم القصير من تجربة معزولة إلى بوابة حقيقية لنهضة سينمائية شاملة، تعيد للسينما الجزائرية مكانتها الطبيعية في الساحة العالمية، لا كحنين إلى الماضي، بل كفعل معاصر يصنعه شباب يؤمنون بأن الصورة قادرة على أن تكون وطناً.
ابراهيم سلامي




تعليق واحد