
تـسـتـأثــر الحمامات المعـدنية في الجزائر عامة وتلمسان خاصة، بنسبة كبيرة من محبي سياحة الاستشفاء، إذ تخلق هذه الفضاءات فرصة للراحة بالنسبة إلى العائلات، سواء بغرض الاستجمام أو للعلاج من أمراض مختلفة، لاسيما فئة المسنين منهم.
وزادت شعبية الحمامات المعدنية بالجزائر خلال السبعـينيات والثمانينيات من القرن الـ 20 على وجه الخصوص، كما يروي أبناء تلك الفترة الزمنية، إذ حدّت الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد، إبان أعوام التسعينيات من تنقلات الجزائريين بين المدن للاستجمام والراحة.
ونحط رحالنا اليوم في هـذا الربورتاج الأسـبوع في أحد أهم هذه الحمامات، هو حمام “الشيڨر” بمدينة مغنية بولاية تلمسان، الذي ذاع صيته وأصبح قبلة الباحثين عن الراحة والراغـبين في الاستجمام، يوجد على بعـد 05 كلم من مدينة مغنية، باتجاه قرية سيدي المشهور تابع في إقليمه الجغرافي إلى بلدية حمام بوغرارة التي تتكفل بتسييره، يتربع على مساحة واسعة في أسفلها يوجد مصب مائي طبيعي يخرج من الجبل يقصده الناس، وعلى حافة الطريق توجد عين يشرب منها المارة.
حيث تعـتبر المحـطـة المعــدنـية “الــشـيـڨـر” بولاية تلمسان مقصدا مميزا لطالبي العلاج والاستجمام، نظرا للخصائص العلاجية التي تتسم بها مياه هذا الحمام المعـدني، حيث يعـود أصل اكتشاف منبع حمام الــشـيـڨــر إلى سنوات التسعينيات من القـرن الماضي، أين اكتشف سكان مغنية مياها الباطنية التي تنبع من باطن أعماق الأرض بداخل غابة مغنية، وذاع صيت تلك المياه المعدنية المنبعثة من باطن الأرض ليصل إلى كامل القطر الجزائري، حتى صارت مزارا لكل الزوار القاصدين حمام الشيڨر المعـدني بعـد أن وصلت أسماعهم ما يقولونه عن مياهه وقدرتها العجيبة، سواء في علاج أمراض العظام والمفاصل أو لاعتقادهم بإمكانية شفائهم من حصوات الكلى.
أكــثر من 50 ألـف زائر من الباحثين عن الاسـتجمام والـعلاج من مختلف الأمراض المزمنة
تحـول حمام “الشيقر” بأقصى الغرب الجزائري، إلى القبلة الأولى للعـديد من المواطنين الراغـبين في الراحة والاستجمام عموما، إذ يقصده سنويا أزيد من 50 ألف زائر من الباحثين عن الشفاء من مختلف الأمراض المزمنة والمتعلقة بآلام المفاصل والعظام، لاسيما المصابين بحصوات الكلى على وجه الخصوص، ولم يقتصر الأمر في حمام “الشيڨر” على الاغـتسال، بل تعـداه إلى شرب مياهه التي يقولون إنها تقوم بتكسير الحصيات التي تتكون في كلية الإنسان، ولهذا تقوم فـئة واسعة من الزوار بالتهافت على حمام “الشيڨر” لطلب الشفاء عن طريق شرب المياه المعدنية، للتخلص من أمراض الكلى وحتى الوقاية منها.
ولم تقتصر شهـرتـه على الجزائريين فحسب، وداخل حدود الوطن بل تعدت شهرتها الآفاق لتبلغ إلى ما وراء الحدود، وما وراء البحار أيضا، ولما بلغت شهرتها الحدود، أتت مجموعة من الخبراء الأجانب، وقاموا بإجراء تحاليل مخبرية لهذه المياه فاكتشفوا المفاجأة التي أثبتت كل ما قيل عن حمام “الشيڨر”، فبعـد التحليل تأكدوا بأنها صحية وتحتوي على مواد معـدنية مفـيدة في علاج مرضى الكلى وأمراض مزمنة أخرى كالضغط الدموي.
وفي هذا الخصوص، يقول أحد الأطباء المختصين في جراحة الكلى والمسالك البولية بتلمسان، أنه لحد الآن لم يتوصل إلى إثبات علمي يخص حمام “الشيڨر” بالنسبة لعلاجه حصى الكلى لأنهناك أنواع التي تزول بالمياه المعدنية هي الحصى الناجمة عن حمض اليوريك، أما حصريا الكالسيوم لا يستطيع المريض التخلص منه إلا بعملية جراحية .
وتخضع مياه هذه المحطة إلى التحاليل الفيزيوكيماوية من طرف مصالح خاصة، بناء على طلب مديرية السياحة لتلمسان، من أجل الكشف عن معدلات بعض المواد الموجودة في ماء “الشيقر” ومدى توافقها مع المقاييس العالمية للمياه المعدنية كالنترات والفوسفات والفسفور الأمونيوم والنحاس…وغـيرها من المواد التي قد تساعـد على التعافي من الأمراض، وقـد تم اكتشاف بمياه “الشيڨر” أن الفوسفات والسولفات “يعطيها القدرة على علاج حصى الكلى والأمراض الجلدية حسب مسؤولي المصلحة المكلفة بإجراء التحاليل البكريولوجية لهذه المياه ببلدية بوغرارة.
ويبقى المصابون بداء حصوات الكلى على رأس قائمة المتوافدين للمنطقة، لقدرة هذه المياه على تفتيتها، مما جعل السيارات تتوافـد عـلـيه من كل ولايات الوطن مشكلة ازدحاما ملحوظا خاصة أيام العطل ونهاية الأسبوع، وهذا لا يعود فقط إلى توجه الناس للاستجمام، بل يتوجه الكثيرون إلى هذا المكان قصد جلب مياه عين “الـشيڨر” المتواجدة بمنطقة مغنية نظرا للحكمة والغاية المحمودة من هذا الماء، ولشربها على مدار الأيام من طرف كافة أفراد العائلة وليس فقط المرضى منهم، حيث يصطف زواره عـنـد مداخله في نظام، كل ينتظر دوره وكأنهم أمام عـيادة طبية في انتظار طبيب على يديه يتأملون الشفاء، فهم يقصدون عين حمام “الــشـيـڨــر” من كل مناطق الوطن، من غربه وشماله وشرقه وجنوبه، كلهم أمل في العودة إلى الديار بصحة وعافـية أو على الأقل يحملون بين أيديهم بلسم الشفاء.
“الـبـديـل” خلال هـذا الربورتاج، تحدثت مع بعض من زار حمام “الــشـيـڨــر” لمعرفة مدى صحة ما يـقال عن هذا النبع الطبيعي الذي حباه الله بقدرات علاجية كبيرة، فقالت لنا السيدة فاطمة من الجزائر العاصمة، التي زارت حمام الــشـيـڨــر للاستجمام ولـتعالج من مرض الحصى في الكلى، حيث اضطرها المرض لإجراء عملية جراحية لم يتم فيها إزالة كل الحصى، وحين سمعت بخبر عين حمام “الــشـيـڨــر” لم تتردد في التوجه إليه والشرب من ماء نبعه لمدة شهر ونصف.
وخلال هذه الفـترة، زالت عنها تلك الآلام الحادة، فعاودت زيارة طبيب خاص لتجري الفحوصات، فلم يجد الطبيب للحصى أثرا في الكلى، فألغى العملية المبرمجة وهذا حسب قولها، أما السيد “عبد الله” من الشلف، فهو الآخر قال إنه أخذ والده للعلاج من مرض الحصى في الكلى أيضا، هذا الأخير الذي يعاني منه منذ عامين ولم ينفع معه دواء الأطباء، وحين سمع بمياه “الــشـيـڨــر” أصر على الذهاب، وهذا ما كان فعلا، حيث بدأ يشرب من مائها باستمرار لمدة أسبوع، ويضيف ذات المتـحـدث أن والـده تـعـافـى مـن الـمرض وسـقـطـت مـنه الحصى.
أمام نقص وانعدام أبسط المرافق الضروريةحمام “الشيڨر” ينتظر الالتفاتة
المؤسف في الأمر، ما يلاحظه زوار حمام “الـشيڨر” الذين يجـدون أنفسهم في مواجهة بعض المصاعب التي لايـفـتـرض أن تكون في مكان بهذا الحجم، فالمحطة المعدنية حمام “الشيڨر” الموجودة بمنطقة خلابة ومحاطة بأشجار الصنوبر والكاليتوس لاتتوفـر على مختلف الخدمات والمرافق التي يحتاجها الزوار القادمون من بعيد، فلا فنادق خاصة ولا مطاعم، فالزوار يعاونون من انعدام أبسط المرافق الضرورية، كالمطاعم والمقاهي وحتى النقل، حيث أغلب قاصدي المكان يأتون بسياراتهم الخاصة.
كما أنهم يجـدون أنفسهم في مواجهة معاناة كبيرة خاصة من ناحية الأكل، فهذه المنطقة السياحية الرائعة بطبيعتها وبمياهها المعدنية جلبت آلاف الزوار الآتين من كل مناطق الوطن، تعرف حالة تهميش كبيرة وإهمال غير مفهوم من طرف السلطات المحلية والجهات الوصية. وعليه، فإن وزارة السياحة مطالبة بالتدخل العاجل لإعادة الاعـتبار لهذه المنطقة التي بهرت الزوار بطبيعتها وخزائن كنوزها، التي أرجعت الأمل للعديد من المرضى، إلا أنها في ذات الوقت باتت تنقل صورة متدهورة عن واقع السياحة الحموية في الجزائر، وما تعانيه من الإهمال والتقصير. ولتوفـير ذلك، تم في سنة 2014 إعـداد دراسة لمشروع تهيئة المكان بالمرافق الضرورية من مطاعم ومقاهي وحظيرة للسيارات، وفضاء للعب خاص بالأطفال و توسعة للحمامات.
هذا، وتتزايد دعـوات متعاملين ومستثمرين ومراقبين في الجزائر، مطالبة بترقية السياحة الحموية في الجزائر، من خلال استغلال وتثمين الحمامات المعدنية والمنابع المائية الطبيعية التي يقصدها مئات الآلاف على مدار أشهر العام، وتبعا للاهتمام الكبير الذي تحظى به من لدن جمهور المستثمرين، ترتفع دعوات لتوسيع نطلق السياحة الحموية وجعلها مصدرا لخلق الثروة وفتح فرص عمل جديدة، بالنظر للمؤهلات الطبيعية العالية التي تمتلكها البلاد، حيث سمحت استثمارات السياحة الحموية في بعض ولايات الوطن حسبهم باستحداث مئات مناصب الشغل الدائمة.
وفي هذا الصدد، يقول احد المستثمرين في السياحة، أنّ المتعاملين الاقتصاديين والمستثمرين في قطاع السياحة رفعوا جملة مقترحات لتطوير النشاط السياحي الحموي، عبر تهيئة مرافق الاستقبال وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للزبائن، إلى جانب فتح محلات لبيع منتجات الصناعة التقلـيدية، مع أخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية لمواطنيه بعين الاعتبار، لتكون السياحة الحموية في متناول جميع الشرائح الاجتماعية التي تتهافت على هذه الحمامات، خصوصا مع ما تتوفر عليه من مزايا فيزيائية وكيمائية وعلاجية بمعدل حراري لا ينزل تحت سقف 40 درجة مئوية وبتدفق قدره 40 لترا في الثانية.
مضيفا في سياق حديثه، أنّ الارتفاع بنوعية السياحة الحموية يتناغم مع نظرة الحكومة لجعل موارد السياحة كـ “اقـتـصاد بـديـل”، مناشدا الجهات المعنية والمختصة بضرورة إعادة تنظيم النشاط السياحي في الجزائر، بما يكفل تطوير الرأسمال السياحي، من خلال ترقـية قـرى ومجمعات سياحية كبرى مبنية على النوعية والامتياز والجودة، وذلك عـبر الجهات الأربع للبلاد، بما سيؤدي بحسبه إلى تفجير ثورة سياحية في السنوات القليلة القادمة، من خلال تجهيز عدد من مواقعها السياحية والتعريف بها، تمهيدا لأخذ حصتها من لسياحة العالمية بعدما ظلت مركزا سياحيا بلا سياح.
إعداد:ع.أمــيــر



