
في مشهد إنساني يعكس قيم التضامن والتكافل التي تميز المجتمع الجزائري خلال شهر رمضان، يواصل متطوعو الهلال الأحمر الجزائري بولاية غليزان تنظيم مبادرة إفطار عابري السبيل عبر مركز إفطار رئيسي يعد الأكبر من نوعه في الولاية، وذلك على مستوى بلدية بلعسل بمقر شركة مختاري عند مدخل الطريق السيار الطريق السيار شرق‑غرب.
وقد رافقت جريدة “البديل” هذه المبادرة ميدانياً، حيث وقفنا على حجم العمل التطوعي الذي يقوم به شباب وشابات الهلال الأحمر، في صورة تختزل روح التضامن التي يبعثها الشهر الفضيل في نفوس الجزائريين.
مركز إفطار يستقبل المئات يومياً
يقع مركز الإفطار في موقع استراتيجي بمحاذاة الطريق السيار، ما يجعله محطة رئيسية لعابري السبيل القادمين من مختلف ولايات الوطن. ويتميز المركز بفضاء واسع بواجهة زجاجية كبيرة، مجهز بكل المتطلبات الضرورية لاستقبال الصائمين في ظروف مريحة ومنظمة. و قبيل موعد الإفطار بساعات، يبدأ توافد المسافرين على المركز، حيث تشير المعطيات التي قدمها القائمون على المبادرة إلى أن عدد المستفيدين يتراوح يومياً ما بين 800 و1000 صائم، أغلبهم من سائقي السيارات والشاحنات إضافة إلى مسافري الحافلات الذين يقصدون المكان بعد أن ذاع صيته كمحطة إنسانية مفتوحة للجميع. وخلال زيارتنا، كانت الحافلات تتوقف تباعاً أمام المركز، بينما كان المتطوعون يوجهون المسافرين إلى الداخل حيث تنتظرهم طاولات مرتبة بعناية ووجبات إفطار جاهزة.
تعبئة تطوعية منذ منتصف النهار
لا يبدأ العمل في هذا المركز قبيل المغرب فحسب، بل منذ منتصف النهار تقريباً، حيث يلتحق العشرات من المتطوعين بالمكان من أجل ترتيب الطاولات وتجهيز القاعة وتحضير الأواني والوجبات.
كما ينتشر عدد من المتطوعين عند محور الدوران المقابل للمركز، حيث يعملون على توجيه المسافرين من أصحاب السيارات إلى الدخول والاستفادة من وجبة الإفطار، في مبادرة إنسانية تهدف إلى ضمان إفطار كريم لكل عابر سبيل.
“نعمل من القلب”… الطباخة فتيحة
في قلب المطبخ كانت السيدة ‘فتيحة’، وهي في الأربعينيات من عمرها، منشغلة بتحضير الوجبات رفقة مجموعة من المتطوعات. تقول فتيحة في حديثها لجريدة الجمهورية إنها التحقت بالمبادرة منذ الأيام الأولى لشهر رمضان، حيث تحضر يومياً إلى المركز منذ ساعات الصباح الأولى. و تضيف:”نحضر الوجبات بأنفسنا، ونحرص على أن تكون متنوعة من يوم إلى آخر حتى يشعر الصائمون بأنهم في بيتهم”،وأكدت أنها تقوم بهذا العمل دون أي مقابل مادي، معتبرة أن خدمة الصائمين شرف كبير، مضيفة أنها شجعت ابنتها، وهي طالبة جامعية، على التطوع معها ضمن فريق الفتيات اللواتي يعملن في المطبخ وفي توزيع الوجبات.
حورية… روح العائلة بين المتطوعين
ومن بين المتطوعات التقينا الطالبة الجامعية ‘حورية’، التي أوضحت أنها تلتحق بالمركز مباشرة بعد انتهاء يومها الدراسي في جامعة غليزان، و تقول حورية إن عملها يتمثل أساساً في ترتيب الطاولات وتوزيع وجبات الإفطار على المسافرين، مضيفة بابتسامة:”عندما آتي إلى هنا أشعر وكأنني وسط عائلة كبيرة، فكل المتطوعين يعاملون بعضهم البعض بروح الأخوة”.وترى حورية أن العمل التطوعي خلال رمضان يمنحها شعوراً خاصاً بالرضا، خاصة عندما ترى الفرحة في وجوه المسافرين الذين يجدون مكاناً دافئاً يفطرون فيه بعد يوم طويل من السفر.
عماد الدين… إفطاري هنا مع المسافرين
أما المتطوع عماد الدين فقد اختار أن يعيش تجربة مختلفة هذا الشهر، حيث أكد لنا أنه لم يتناول الإفطار في منزله منذ بداية رمضان،ويقول:”منذ اليوم الأول التحقت بفريق المتطوعين، وقررت أن أكمل المهمة إلى غاية نهاية الشهر الفضيل”،وأضاف أنه يشعر بسعادة كبيرة وهو يرى مئات المسافرين يجلسون إلى المائدة نفسها، معتبراً أن هذا العمل يرسخ قيم التضامن ويعطي صورة مشرقة عن المجتمع الجزائري.
أكبر مركز إفطار في الولاية
من جهتها، أوضحت رئيسة اللجنة الولائية لـ الهلال الأحمر الجزائري في غليزان ‘بطيب هناء’ أن هذا المركز يعد الأكبر من نوعه في الولاية من حيث القدرة الاستيعابية وعدد المستفيدين،وأكدت أن الفريق التطوعي يقوم بعمل كبير يومياً لضمان تنظيم العملية في أحسن الظروف، مشيرة إلى أن عدد المستفيدين من وجبات الإفطار يصل في المتوسط إلى نحو 900 شخص يومياً،كما وجهت شكرها إلى جميع المتبرعين والمساهمين الذين ساعدوا في إنجاح هذه المبادرة الإنسانية، سواء من خلال توفير المواد الغذائية أو تقديم الدعم اللوجستي.
رسالة تضامن على الطريق
ومع اقتراب أذان المغرب، تمتلئ القاعة تدريجياً بالمسافرين الذين يجلسون في هدوء بانتظار لحظة الإفطار، بينما يتحرك المتطوعون بين الطاولات لتوزيع التمر والماء والوجبات. وفي تلك اللحظات، يتحول المركز إلى لوحة إنسانية تجمع أشخاصاً من مختلف الولايات، يوحدهم هدف واحد: كسر صيام يوم طويل على مائدة الرحمة،و هكذا يواصل متطوعو الهلال الأحمر في غليزان كتابة فصل جديد من قصص التضامن خلال شهر رمضان، مؤكدين أن روح التكافل لا تزال حاضرة بقوة في المجتمع الجزائري، خاصة عندما يتعلق الأمر بإطعام عابر سبيل أو مسافر أنهكه الطريق.
جيلالي.ب



